ليس كل الصغار رأوا آباءهم أحياء! ليس كل الصغار يجدون الكساء والعشاء!
هذه المعاني لا يدركها الصغار الذين لم يُحرموها بأنفسهم؛ إلا أن يعلمهم إياها آباؤهم، فيراعون مشاعر هؤلاء المحرومين، بالامتناع عن إظهار ما لديهم تارة، وبالإحسان والجود مرة أخرى.
يقول عمرو بن قيس الملائي (ت: ١٤٦ هـ) حاكيًا عن هذا النوع من التربية عند الصحابة والسَّلف: "كانوا يكرهون أن يعطي الرجل صبيه شيئًا، فيخرج به، فيراه المسكين فيبكي على أهله، ويراه اليتيم فيبكي على أهله" (^٢).
بل إن بعضهم كان يذهب لأبعد من ذلك، فيمنع صغاره من أن يختطفوا شيئًا نُثر لهم جميعًا، حتى لا يجد بعضهم في نفسه على بعض، ويشتري لهم ما أرادوا، طالما يملك الاستطاعة على ذلك، ومن هؤلاء: أبو مسعود عقبة بن عمرو البدري - ﵁ -.
_________________
(١) في إسناده ضعف يسير: تقدَّم تخريجه قريبًا.
(٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٦٦٩).
[ ١٣٥ ]
يقول مولاه وخادمه خالد بن سعد: «كان أبو مسعود إذا نُثِرَ -أي: السكر، وما يُشابهه من الحلوى- على الصبيان (^١) منع صبيانه، واشترى لهم» (^٢).
وهذه الرحمة والعاطفة لا يتوقَّف حدُّها على البشر فقط، بل تمتد لتشمل الطيور والحيوانات أيضًا، فلا تُروَّع، ولا تؤذى بغير وجه حق، خاصَّة إذا كانت في الحرم.
يخرج جعفر الصادق في صغره إلى بعض طرقات المدينة، فيمسك عصفورًا، ويلعب به كعادة الأطفال، وفي محاولة منه للهو: جعل ينتف صدغي العصفور!
رآه زين العابدين علي بن الحسين وهو على تلك الحالة، فأحب أن يُلقنه الدرس عمليًّا حتى لا ينساه، فأخذ بصدغي جعفر فنتفه، ثم قال: «يوجعك؟» قال جعفر: نعم.
قال عليٌّ: «فإن هذا يوجعه كما يوجعك، خلِّ سبيله، هذا حرم رسول الله - ﷺ -» (^٣).
_________________
(١) كما يحدث في العُرس والأفراح والحفلات.
(٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢١١٢٦).
(٣) في إسناده من لم أعرف: أخرجه أبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (٩٢) من طريق عبيدالله بن محمد بن عبدالله بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جعفر بن محمد؛ به. وعبيد الله وأبوه لم أقف لهما على ترجمة!
[ ١٣٦ ]
ورآه مرةً أخرى وهو يصيد يَعْسُوبًا (^١)؛ فقال له: «خلِّ سبيله، هذا ينفع ولا يضر، يأكل الذِّبَّان (^٢) والبَقّ (^٣)» (^٤).