تقول سُرِّية (^١) لعبدالله بن جعفر: دعاني عليٌّ وأنا حُبلى، فمسح بطني، وقال: «اللهم اجعله ذكرًا ميمونًا مباركًا، صالحًا تقيًّا». قالت: فولدتُ غلامًا (^٢).
_________________
(١) هي الجارية المملوكة، والجمع: سراريّ.
(٢) إسناده حسنٌ إليها: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٧٠) عن شريك بن عبدالله بن أبي نمر، وسعيد بن منصور (٢١٧١ - الأعظمي) عن هُشيم بن بشير، وابن أبي الدنيا في «مجابو الدعوة» (٣٩) -واللفظ له- من طريق جرير بن عبدالحميد. جميعهم (شريك، وهشيم، وجرير) عن مغيرة بن مقسم الضبي، عنها؛ به وفي رواية هشيم: بزيادة أم موسى بين مغيرة والسُّرية، وصرَّح هشيم بتحديث المغيرة له. وأم موسى هذه سُرية لعلي بن أبي طالب، ترجم لها الحافظ في «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٤٨١)، ونقل قول الدارقطني عنها: "حديثها مستقيم، يخرَّج حديثها اعتبارًا". وقول العجلي: "كوفية تابعية ثقة". وقد أخرج رواية المغيرة عنها: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري في الأدب المفرد. وتبدو رواية هُشيم أولى، وذلك لتصريحه بالتحديث، ولكونه أوثق من شريك، وجرير، ولكونه زاد في الإسناد زيادة مقبولة. وقد يكون إسقاط أم موسى من الطريقين الآخرين من قِبل المغيرة نفسه، فقد وُسم بالتدليس.
[ ٥٢ ]
وفعل عليٍّ - ﵁ - هذا مستَمدٌّ من فعل الأنبياء قبله، الذين كانوا يدعون بالذرية الصالحة قبل خروجها؛ كدعاء نبي الله إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^١).
ودعاء نبي الله زكريا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (^٢). ودعائه: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (^٣).
فتضمَّنت أدعية هؤلاء الأنبياء: طلب الذَّكر، وأن يكون تقيًّا صالحًا.
وذكر الله ﷿ في شأن صفات عباد الرحمن أنهم يرغبون إلى الله في دعائهم ومسألتهم بأن يقولوا: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا ما تقرّ به أعيننا من أن تريناهم يعملون بطاعتك؛ فقال عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (^٤).
_________________
(١) سورة الصافَّات (١٠٠).
(٢) سورة آل عمران (٣٨).
(٣) سورة مريم (٥، ٦).
(٤) سورة الفرقان (٧٤).
[ ٥٣ ]
يقول عبدالله بن عباس - ﵁ - في تأويل هذه الآية: "قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يعنون: من يعمل لك بالطاعة؛ فتقرّ بهم أعيننا في الدنيا والآخرة" (^١).
خُلاصة ما ذُكر:
ظهر اهتمام الصحّب والآل بالأولاد قبل خروجهم إلى هذه الحياة في تحسُّسهم لاختيار أزواجهم، وأمهات أولادهم، وكذا في الرغبة إلى الله بأن يهبهم ما تقرُّ به أعينهم.
_________________
(١) الطبري، «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» (١٩/ ٣١٨).
[ ٥٤ ]
الفصل الأول