لم يكن النبيُّ - ﷺ - مغلقًا مجلسه، أو قاصرًا تفاعله ومشاعره على الكبار فقط، بل كان للصغار والأطفال من ذلك نصيبٌ وافر، وحظٌّ حاضر، سواء ظهر ذلك بقوله، أو بفعله، أو بإقراره لفعل أصحابه وآله من حوله.
يُعلِّم أصحابه أن الرفق بالصغير، والشفقة عليه خصلة للمسلم لا تنفكُّ عنه؛ فيقول: «ليس منَّا من لم يرحم صغيرنا» (^١).
وكان يُؤتَى بالصغار إلى مجلسه، متفاوتة أعمارهم، مختلفةً اهتماماتهم وتصرفاتهم، فيتحمَّل - ﷺ - ما يصدر منهم، ولا تصدُّه هذه التصرفات عن استقبالهم، أو الإفساح لهم في مجالسه، لتخرج تربيتهم وتنشئتهم في محيط اجتماعي مخالطٍ لهم، غير منعزل عنهم.
يُؤتَى ﵊ بصبيٍّ صغير لم يأكل الطعام، فيجلسه في حجره، والصبي لا يدري شرف من يحمله، ولا قدر من يتعامل معه؛ فبحركة لا شعورية، وطبيعة لا إرادية، يبول الصبي في حجره الشريف - ﷺ -، فيا لحَرَج أمِّه!
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٦٧٣٣)، وأبو داود (٤٩٤٣)، والترمذي (١٩٢٠)، وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٤٤٤).
[ ١٤٥ ]
إلا أنه - ﷺ - لا يبدي ضَجَرًا، ولا يُظهِر تأفُّفًا؛ فضلًا عن أن يعاتب أو يلوم، بل في تواضعٍ ولينٍ «يدعو بماء، فينضح مكان بول الصبي، ولا يغسله» (^١)!
وفي مجلس آخر من مجالسه - ﷺ - مع أصحابه، يُؤتَى بثيابٍ فيها خميصة سوداء صغيرة، فيقول: «من ترون أن نكسو هذه؟» فسكت القوم، وترقبوا من سيدعو؟ هل سيدعو أحد أقاربه، وينحله هذه الخميصة لابنته؟ أو يلبسها هو لإحدى بناته؟
لا، لم يفعل، وإنما فاجأهم بقوله:
«ائتوني بأمِّ خالد».
وقد كان بإمكانه - ﷺ - أن يعطيها والدَها خالد بن سعيد - ﵁ - ليكسوَها إيَّاها، لكنه طلب إحضارها في مجلسه، فأُتي بها تُحمَل، وانتظر الجميع أن تنال الصغيرة شرف تسليم النبي - ﷺ - لها الخميصة بيده، وأن تنال ابتسامة ونظرة ودعوة منه، لكنَّ كرمَه النبوي كان فوق ما ينتظرون، وعطاءَه فوق ما يطمحون!
لقد فاجأهم أخرى فأخذ الخميصة بيده، فألبسها لأم خالد، وقال: «أَبْلِي وأَخْلِقِي، ثم أَبْلِي وأَخْلِقِي، ثم أَبْلِي وأَخْلِقِي»، وكان فيها علم أخضر أو أصفر، فقال: «يا أمَّ خالد، هذا سناه، هذا سناه» -وسناه
_________________
(١) مُتَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧).
[ ١٤٦ ]
بالحبشية: حسن-
أحضرها، وبيده الشريفة ألبسها، وبكلامه ودعائه جمَّلها ورفع ذكرها، فطمحت الصغيرة -وحُقَّ لها- فيما هو أكثر، فقامت تدور حوله، ورأت خاتم النبوة، فأطلقت ليدها العنان، لتتحسَّس هذا الذي لم تعهده على أحد، ولتلعب به كعادة الصغار.
أصاب الخجلُ خالدًا والدها، فذهب ينهرها ويزجرها، محاولًا أن يحفظ جانب نبيه الشريف عن عبث الصغيرة، وإن كانت ابنته، لكن مفاجآته لهم جميعًا هذا اليوم لم تنقضِ بعد؛ إذ ختمها بقوله لوالدها: «دعها» (^١)!
لنا أن نتساءل: إلى أي مدى سيكون هذا الموقف مؤثِّرًا في نفس الصغيرة، فيجعلها تشب متكيِّفة مع هذه البيئة التي احتضنتها؟ بل كيف تأثيره في نفوس الحاضرين من أصحابه، الذين كانوا منذ سنوات قليلة يئدون بناتهم، وبعضهم لا يعبأ بالصغير أصلًا؟!
ومن هذا الحديث والذي قبله: أخذ العلماء فائدة في التعامل مع الصغار، لتُعمَّم بعد ذلك؛ فقال الحافظ ابن حجر:
"ويستفاد منه: الرفق بالأطفال، والصبر على ما يحدث منهم، وعدم مؤاخذتهم لعدم تكليفهم" (^٢).
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٠٧١، ٥٨٢٣، ٥٩٩٣).
(٢) ابن حجر، «فتح الباري» (١٠/ ٤٣٤).
[ ١٤٧ ]
كذلك كان - ﷺ - إذا زار أحد أصحابه، ورأى طفله: خاطبه، وداعبه، وشاركه مشاعره، ولم يكن يهمله أو يتجاهله.
يقول أنس بن مالك، خادمه الصغير الذي خدمه عشر سنين، كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس خُلُقًا، وإن كان ليخالطنا (^١)، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه كان فطيمًا، قال: فكان إذا جاء رسول الله - ﷺ - فرآه، قال: «يا أبا عُمَيْر! ما فعل النُّغَيْر (^٢)؟» قال: فكان يلعب به (^٣).
وكان يرى أحفاده وآل بيته مع الصبيان يلعبون، فلا يُحجِّر عليهم، بل يمازحهم أمامهم، ليكون هذا ماثلًا في ذهن الآباء، فيحرصون على أن يُنشَّأَ صغارهم في جو جماعيٍّ بين الأطفال والصغار ممن هم في مثل عمرهم، غير منزوين أو منعزلين عنهم.
يخرج - ﷺ - مع أصحابه إلى طعام دُعُوا له، فإذا حسين يلعب مع الغلمان في الطريق، فاستمثل (^٤) أمام القوم، ثم بسط يده وطفق الصبي يفر هاهنا مرة وهاهنا، وجعل رسول الله - ﷺ - يضاحكه، حتى أخذه رسول الله - ﷺ - فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى تحت قفاه، ثم أقنع رأسه (^٥) رسول الله - ﷺ - فوضع فاه على فيه فقبله فقال: «حسين مني وأنا
_________________
(١) أي: يلاطفنا بطلاقة الوجه والمزح.
(٢) النُّغير: مصغر نغر، وهو طير كالعصفور محمر المنقار، يسميه أهلُ المدينة: البلبل.
(٣) متَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاري (٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٥٠).
(٤) أي: انتصب قائمًا، وقف، من: مثُل يمثُل، قام يقوم.
(٥) أي: رفعه.
[ ١٤٨ ]
من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط (^١)» (^٢).
هذا قبسٌ يسير من اهتمامه - ﷺ - بالتربية الاجتماعية للصغار، وسيأتي في تطبيقات آله وأصحابه ما يدل على المزيد مما عايشوه معه ﵊.
_________________
(١) أي: أمة من الأمم في الخير.
(٢) حسنٌ بطرقه: أخرجه أحمد (١٧٥٦١)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٣٦٤)، وابن ماجه (١٤٤)، والترمذي (٣٧٧٥) -مختَصرًا-، وقال: "هذا حديثٌ حسن". وحسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٢٢٧).
[ ١٤٩ ]