كانت رسالة نبينا محمد - ﷺ - هي الخاتمة، ولأنها الخاتمة فقد جاءت كاملة وشاملة، ومن جوانب شمولها: أنها لم تهتم بالتزكية النفسية والإصلاح القلبي فحسب، بل امتدت لتشمل الناحية الجسدية بالعناية، وفي عموم قوله ﵊: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير» (^١) ما يدلُّ على هذا المعنى.
قال النووي: «المراد بالقوة هنا: عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة، والصوم، والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظةً عليها، ونحو ذلك» (^٢).
ولا شكَّ أن قوة البدن مما يُعين الإنسان على الطاعة، مع قوة
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٦٦٤)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) النووي، «المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج» (١٦/ ٢١٥).
[ ١٦٧ ]
الإيمان، والمسألة مفروضة في حالة تساوي المنسوب الإيماني؛ فتُصبح القوة البدنية مصدر عون زائد لصاحبها.
وقد اهتم النبي - ﷺ - بصحَّة الجنين، مُذْ كان في بطن أمه، فأمر بقتل بعض أنواع الحيات، لأنها تصيب الحمل بالسوء وتسقطه؛ فقال يومًا على منبره: «اقتلوا الحيَّات، واقتلوا ذا الطُّفْيَتَيْن (^١)، والأبتر (^٢)، فإنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحَبَل (^٣)» (^٤).
ومن هذا الباب من الاهتمام: ترخيصه - ﷺ - للحامل والمرضع في الإفطار في رمضان (^٥)، وفي ذلك عون لهما على تغذية الطفل والجنين.
ومن رعايته - ﷺ - بتغذية الصغار والحفاظ على صحتهم: ما كان يقوم به من التبريك عليهم، وتحنيكهم (^٦).
_________________
(١) تثنية طُفْية، وهي نوع خبيث من الحيات، في ظهره خطان أبيضان.
(٢) الأبتر: مقطوع الذنب، وزاد النضر بن شميل: أنه أزرق اللون، لا تنظر إليه الحامل إلا ألقت.
(٣) قيل: معناه أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما وخافت؛ أسقطت الحمل -غالبًا-.
(٤) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري (٣٢٩٧)، ومسلم (٢٢٣٣)، من حديث عبدالله بن عمر - ﵁ -.
(٥) أخرج أحمد (١٩٠٤٧)، وابن ماجه (١٦٦٧)، وأبو داود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥) -وحسَّنه- والنسائي (٢٣١٥)؛ من حديث أنس بن مالك رجل من بني عبد الأشهل أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله - ﷿ - وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم، أو الصيام». وحكم عليه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٧/ ١٦٩) بأنه: "حسنٌ صحيح".
(٦) «صحيح مسلم» (٢٨٦) من حديث عائشة ﵂.
[ ١٦٨ ]
وقد أثبت الطبُّ الحديث ما في هذا التحنيك (^١) من تغذية للمولود، ونفعٍ صحيٍّ له (^٢).
كما كان - ﷺ - يلتمس للصغار الدواء إذا رأى بهم مرضًا، والرقية إذا رأى بهم عينًا أو حسدًا، فلكل حالة ما يخصها من الدواء.
بعد وفاة جعفر بن أبي طالب - ﵁ -، كان - ﷺ - يتفقَّد أحوال أبنائه، فرآهم ذات يوم وأجسادهم نحيفة، فأحسَّ فيها بالضعف والمرض، فسأل أمَّهم أسماء بنت عميس عن السبب؛ فقال لها: «ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟! أتصيبهم الحاجة (^٣)؟»
_________________
(١) التحنيك: أن يُمضَغ التمر، أو نحوه، ثم يدلك به حنك الصغير.
(٢) يقول الدكتور فاروق مساهل، في كتابه «تكريم الإسلام للإنسان»: "والتحنيكة معجزة طبية للنبي - ﷺ - لم تظهر الحكمة من ورائها إلا حديثًا، فالطفل بعد ولادته يجد نفسه وقد انفصل عن أمه، وانقطع سيل الغذاء الجاهز إليه، فليجأ للاعتماد على ما استطاع جسمه تخزينه من الطعام- وهذا ليس بالكثير- أثناء حمله في رحم أمه، لحين إفراز اللبن من ثدي والدته، ويستغرق إفراز اللبن وقتًا متفاوتًا، من ١ - ٣ أيام، وبما أن نشاط أجهزة الجسم عند المولود تكون في قمتها، في محاولة لملاءمة الوضع الجديد، فإن المخزون في جسمه يستهلك بسرعة، وقد تنخفض تبعًا لذلك نسبة السكر في الدم. وحيث أن الفترة الحرجة في إطعام الطفل تقع ما بين انتهاء ولادته، وبدء رضاعته، فإننا نجد في تكريم المولود على يدي النبي - ﷺ -، بتحنيكه بالتمر الممتلئ بالسكر، والذي يمتص في عروقه، فيحافظ على مستوى السكر في دمه لحكمة كبيرة". ومن هنا تتضح الأهمية العظمى للتحنيك في تغطية هذه الفجوة في تغذية المولود، بين ولادته وبدء رضاعته من ثدي أمه.
(٣) يعني: هل سبب هذا الفقر وقلة الطعام وغيره، لأن اليتم محل لذلك.
[ ١٦٩ ]
قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال: «ارقيهم».
قالت: فعرضتُ عليه، فقال: «ارقيهم» (^١).
على الجانب الموازي لهذا: راعى النبي - ﷺ - عاطفة الأطفال ونفسيتهم، فإذا به يقبِّل الصبيان، ويستنكر حال هؤلاء الذين لا يمدون أطفالهم بهذا الجانب العاطفي المهم.
أبو هريرة - ﵁ - حضر هذه الواقعة، ورأى المشهد فنقله؛ قال: قبَّل رسول الله - ﷺ - الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله - ﷺ - ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم» (^٢).
ولا شكَّ أن لهذه القبلة دورًا فعَّالًا في تحريك مشاعر الطفل وعاطفته، إضافة إلى الشعور بالارتباط الوثيق في تشييد علاقة الحب بين الكبير والصغير، وهي دليل رحمة القلب لهذا الصغير الناشئ، والنور الساطع الذي يبهر فؤاده، ويشرح نفسه، ويزيد من تفاعله مع من حوله (^٣).
بل في مشهد عظيمٍ يبيِّن رعايته - ﷺ - لمشاعر هؤلاء الصغار، وإشعارهم بقدرهم أمام الكبار، يؤتَى - ﷺ - بشراب، فيشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، وعن يساره أشياخ، وكان قد علمَّهم أن يبدؤوا
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٩١٨) من حديث جابر بن عبدالله - ﵁ -.
(٢) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨).
(٣) محمد نور بن عبدالحفيظ سويد، «منهج التربية النبوية للطفل» (ص/ ٣١٠).
[ ١٧٠ ]
باليمين، ولكنه يريد أيضًا أن ينزل الكبير منزلته، فراعى النبي - ﷺ - مشاعر الغلام، فقال له: «يا غلام! أتأذن لي أن أعطي هؤلاء الأشياخ؟»
فإذا بالغلام يستأثر لنفسه بحقه، ويرفض طلب النبي - ﷺ - بأدب؛ فيقول: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا يا رسول الله!
ولما كان استئذانه - ﷺ - من الغلام حقيقيًّا، لا -كما يفعل البعض- صوريًّا؛ فقد أجاب طلب الغلام، وأعطاه الشراب (^١)!
على مثل هذه التصرفات من المراعاة للبناء العاطفي، وقبله الجسدي؛ تربَّى صغار الصحابة في حضور آبائهم، فواصل هذه التربية الآباء، ونهض بها بعد البلوغ والكبر الأبناء، وفيما يلي صورٌ من هذه النماذج في تربيتهم لصغارهم.
_________________
(١) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري (٢٣٥١)، ومسلم (٢٠٣٠)، من حديث سهل بن سعد - ﵁ -.
[ ١٧١ ]