يختلف هذا الفعل عن سابقه: في أن الطريق السابق يعمد فيه المربي إلى الصبي ويقصده فيحضره ويريه الفعل، ويطلب منه أن يصنع مثله، أما هنا: فإنه لا يكلمه، ولا يطلب منه أن يقلده؛ إنما يكتفي فقط أن يفعل أمامه، ويتركه يشاهده، ثم إن بدا للصبي أن يسأل عن شيء سأل فأجابه.
والقدوة الصالحة من أعظم المعينات على تكوين العادات الطيبة، حتى إنها لتيسر معظم الجهد في كثير من الحالات، ذلك أن الطفل يحب المحاكاة من تلقاء نفسه، وأطفال المسلمين يحاكون أبويهم في الصلاة حتى من قبل أن يتعلموا النطق! فتصبح سهلة عليهم لاحقًا.
هذا جعفر الصادق، يرمق صلاةً معينة لوالده الباقر سنين عددًا،
_________________
(١) في إسناده ضعف: أخرجه أحمد (٢٢٩٠٦) -واللفظ له- وأبو داود (٦٧٧)، وفيه شهر بن حوشب، مع أن الحافظ قال عنه في «التقريب» (٢٨٣٠): "صدوق كثير الإرسال والأوهام"؛ إلا أن النفس لا تطمئن لتحسين حديث ينفرد به، فقد ضعَّفه عددٌ من العلماء كأبي حاتم، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم، في مقابل غيرهم. والحديث ضعَّفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (١/ ٢٣٤، رقم: ١٠٥)، وذكر هنالك الكلام في شهر مفصَّلًا.
[ ٩٣ ]
وهي صلاة ركعتي الفجر؛ ليعطي وصفًا بعد ذلك لمن بعده قائلًا: «ما رأيت أبي يصليهما قط، إلا وكأنه يبادر حاجة» (^١).
وهذا مصعب بن سعد بن أبي وقَّاص، يراقب أيضًا صلاة والده سعد - ﵁ -، فيلحظ اختلافًا في الهيئة بين حالها في المسجد، وحالها بينهم في بيته؛ فيسأل ليتعلَّم.
يقول مصعب: كان أبي إذا صلى في المسجد تجوز وأتم الركوع والسجود، وإذا صلى في البيت أطال الركوع والسجود والصلاة! قلت: يا أبتاه! إذا صليت في المسجد جوَّزت، وإذا خلوت في البيت أطلت؟ قال: «يا بني! إننا أئمة يقتدى بنا» (^٢).
وظاهرٌ من هذين الأثرين أن الآباء كانت لهم عبادة في بيوتهم، لا يراها إلا صغارهم وآل بيتهم، فيتعلمونها منهم، عن طريق القدوة والمشاهدة.
ولربما غفل الصغار عن المتابعة؛ فيحاول الوالد أن يلفت الانتباه لفعله، دون أن يناديهم أو يكلمهم.
كما كان يفعل عبدالله بن مسعود - ﵁ - في بيته، إذ كان «يُسمع
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٣٥٥) عن وكيع، عن أبي حميد، سمعه من جعفر؛ به. وأبو حميد هذا لم أهتدِ إليه!
(٢) إسناده صحيح: أخرجه عبدالرزاق (٣٧٢٩)، وابن أبي شيبة (٤٦٦٥)، والطبراني في «الكبير» (١/ رقم ٣١٧).
[ ٩٤ ]
قراءته أهل الدار من الليل» (^١).