فلم تتوقف مسؤلية الوالدين ولا المربين عند في التعليم عند إلقاء الأمر فقط؛ بل تمتد للنظر في الفعل وتقويمه وتصحيحه، والتدخل إن احتيج لهذا.
هذا عبدالله بن عمر - ﵁ -، يصلي ابنه ذات يوم بجواره فيقلِّده في شيء؛ لكن ابن عمر يتدخل ليعدِّل له فعله الذي قلَّده فيه، مبيِّنًا له سبب ذلك.
يقول عبدالله بن عبدالله بن عمر: صلى ابن عمر فتربَّع، ففعلتُ ذلك، وأنا حديث السن، فقال: «ولم تفعل ذلك؟» قلتُ: فإنك تفعله.
قال: «إنها ليست من سنة الصلاة، ولكن سنة الصلاة أن تثني اليسرى، وتنصب اليمنى». ثم بيَّن له سبب مخالفته لتلك السنة واعتذاره عنها بقوله: «إني لا يحملني رجلاي» (^١).
ويمر عمر بن الخطاب - ﵁ - على ابن له وهو يصلي، لكن يلفت
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه عبدالرزاق (٣٠٤٣).
[ ٩٧ ]
انتباه عمر فعلٌ خاطئ صنعه الابن، وهو: أن رأسه معقوص (^١) أثناء الصلاة؛ وقد نهى النبي - ﷺ - عن مثل هذا (^٢)،
فما كان من عمر إلا أن بادر بتغيير هذا الفعل، وتعديل هذا الخطأ؛ فجبذه حتى صرعه (^٣).
وشبيه بموقف عمر مع ولده، موقف حذيفة بن اليمان - ﵁ - مع ولده، فعن مجاهد أنه قال: مر حذيفة بابنه وهو يصلي، وله ضفرتان قد عقصهما، فدعا بشفرة فقطع بإحداهما، ثم قال: «إن شئت فاصنع الأخرى كذا، وإن شئت فدعها» (^٤).
_________________
(١) يُقال: عقَصتِ المرأةُ شعرَها: ضَفرته، ولوته، أو فتلته، فجعلت منه ضفيرةً مستديرةً على الرَّأس أو في مؤخّرته. أراد أنه إذا كان شعره منشورًا سقط على الأرض عند السجود، فيعطي صاحبه ثواب السجود به، وإذا كان معقوصًا صار في معنى ما لم يسجد. لذلك شبهه في الحديث -الآتي قريبًا- بالمكتوف، وهو المشدود اليدين، لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود.
(٢) في «صحيح مسلم» (٤٩٢) أن ابن عباس رأى عبدالله بن الحارث، يصلي ورأسه معقوص من ورائه، فقام فجعل يحله، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس، فقال: ما لك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - قال: «إنما مثل هذا، مثل الذي يصلي وهو مكتوف».
(٣) إسناده ضعيف: أخرجه عبدالرزاق (٢٩٩٢) من طريق مجاهد بن جبر، عن عمر، وهو منقطع؛ فمجاهد لم يسمع من عمر!
(٤) إسناده صحيح إلى مجاهد: أخرجه عبدالرزاق (٢٩٩٥)، لكن يبقى الانقطاع بين مجاهد وحذيفة، إذ لم يسمع منه!
[ ٩٨ ]
وتفاعلهم مع الأبناء والصغار وتصحيحهم لهم أثناء أدائهم الصلاة كثيرٌ منتشر، ومن ذلك أيضًا: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - مرَّ بفتى وهو يصلي، فقال له: «فتى، يا فتى» ثلاثًا، حتى رأى عمر أنه قد عرف صوته: «تقدَّم إلى السارية، لا يتلعب الشيطان بصلاتك، فلست برأي أقوله، ولكن سمعته من رسول الله - ﷺ -» (^١).