أَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ هِشَامٍ النَّحْوِيَّ، صَاحِبَ الْمَغَازِي، وَكَانَ بَصِيرًا بِالْعَرَبِيَّةِ، يَقُولُ: «الشَّافِعِيُّ مِمَّنْ تُؤْخَذُ عَنْهُ اللُّغَةُ» .
[ ١٠١ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، قَالَ: قَالَ أَبِي: «كَانَ الشَّافِعِيِّ ﵀ مِنْ أَفْصَحَ النَّاسِ، وَكَانَ مَالِكٌ يُعْجِبُهُ قِرَاءَتُهُ؛ لأَنَّهُ كَانَ فَصِيحًا»
أَنَا أبو الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: «كَانَ الشَّافِعِيُّ مِمَّنْ يُؤْخَذُ عَنْهُ اللُّغَةُ، أَوْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ»، الشَّكُّ مِنِّي.
أنا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: ثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: «كَانَ الشَّافِعِيُّ عَرَبِيَّ النَّفْسِ، عَرَبِيَّ اللِّسَانِ.
»
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ أَبِي: قَالَ َأَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْوَهَ وَلا أَنْطَقَ مِنَ الشَّافِعِيِّ»
[ ١٠٢ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «نُهِيَ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ»، قَالَ: هِيَ أَنْ تُرْمَى بَعْدَ مَا تُؤْخَذُ
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: " سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الاسْتِنْجَاءِ بِالرِّمَّةِ يَعْنِي حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ: " أَنَّهُ نَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ أَنْ يُسْتَنْجَى بِهِمَا، فَقَالَ: الرِّمَّةُ هِيَ الْعَظْمُ الْبَالِي ".
وَرَوَى هَذَا الْبَيْتَ:
بِهِ جِيَفُ الْحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا فَرَمٌّ وَأَمَّا لَحْمُهَا فَصَلِيبُ
[ ١٠٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: " سَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ، عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ «نَهَى أنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ وَرِمَّةٍ»، فَقُلْتُ: مَا الرِّمَّةُ؟ قَالَ: الْعَظْمُ الْبَالِي، فَنَزَعَ بِهَذِهِ الآيَةِ، قَالَ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَكَّةَ: «لا يُخْتَلَى خَلاهَا»، فَقَالَ: الاخْتِلاءُ: الاحْتِشَاشُ قَطْعًا وَنَتْفًا "
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سُئِلَ الشَّافِعِيّ عَنِ اللِّمَاسِ، فَقَالَ: هُوَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ، أَلا تَرَى أَنّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنِ الْمُلامَسَةِ»؟ ! "، وَالْمُلامَسَةُ: أَنْ يَلْمِسَ الثَّوْبَ بِيَدِهِ لِيِشْتَرِيَهِ، وَلا يُقَلِّبَ.
قَالَ
[ ١٠٤ ]
الشَّافِعِيُّ: قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَلْمَسْتُ كَفِّي كَفَّهُ أَطْلُبُ الْغِنَى وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي
فَلا أَنَا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الْغِنَى أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَبَدَّدْتُ مَا عِنْدِي
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يُفَسِّرُ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»، قَالَ: لأَنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ يَفْتِنُ فِي غَيْرِ صَلاةٍ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَكُونَ فِي الصَّلاةِ تَفْتِنُ النَّاسَ بِصَوْتِهَا
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: " سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ، وَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ أَحْرَمَ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ»، أَيْ: مَا يُؤْمَرُ بِهِ "
[ ١٠٥ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ: أنا الشَّافِعِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسْطَنْطِينَ يَعْنِي قَارِئَ مَكَّةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى شِبْلٍ يَعْنِي ابْنَ عَبَّادٍ، وَأَخْبَرَ شِبْلٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، وَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ، وَأَخْبَرَ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ، وَكَانَ يَقُولُ: الْقُرْآنُ اسْمٌ، وَلَيْسَ بِمَهْمُوزٍ، وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ قَرَأْتُ، وَلَوْ أُخِذَ مِنْ قَرَأْتُ، كَانَ كُلُّ مَا
[ ١٠٦ ]
قُرِئَ قُرْآنًا، وَلَكِنَّهُ اسْمُ الْقُرْآنِ، مِثْلَ التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ، وَكَانَ يَهْمِزُ قَرَأْتُ، وَلا يَهْمِزُ الْقُرَآنَ، كَانَ يَقُولُ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ﴾ [الإسراء: ٤٥] "
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: أُذَكِّرُ اللَّهَ امْرَأً سُمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنِينِ شَيْئًا، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ، فَقَالَ: «كُنْتُ بَيْنَ جَارَتَيْنِ لِي يَعْنِي
[ ١٠٧ ]
ضَرَّتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِمِسْطَحٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِغُرَّةٍ»
أنا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مِسْطَحٌ تَفْسِيرُهُ: عَمُودُ الْفُسْطَاطِ
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَذَكَرَ الْقُرَى الْعَرَبِيَّةَ، فَقَالَ: «كَانَتِ الْيَهُودُ فِي قُرَى الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ حَوْلَهُمْ وَهِيَ فَدَكُ وَخَيْبَرُ، وَهِيَ قُرَى الْيَهُودِ، بَنَوْهَا فِي بِلادِ الْعَرَبِ، وَهِيَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ، لأَنَّ الْعَرَبَ كَثِيرَةُ الْمَطْلَبِ» .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَعْنِي الْقُرَى الَّتِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلا خَيْلٍ، وَلا رِكَابٍ "
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
[ ١٠٨ ]
عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، قَالَ: «جَاءَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ ﵉ إِلَى عُمَرَ ﵁ يَخْتَصِمَانِ»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، فَهَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، قُرًى عَرَبِيَّةً: فَدَكُ، وَكَذَا وَكَذَا
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيَّ، ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
[ ١٠٩ ]
حُسَيْنٍ، فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الْوَاسِطِيُّ، ثَنا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُعْتَكِفًا، فَأَتَتْهُ صَفِيَّةُ، فَلَمَّا ذَهَبَتْ تَرْجِعُ مَشَى النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا، فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهَا صَفِيَّةُ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» .
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الأَدَبِ، لا عَلَى التُّهْمَةِ
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: فِي كِتَابِي عَنِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
[ ١١٠ ]
عَلْقمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَنْزِعُ عَلَى بِئْرٍ أَسْقِي فِي النَّوْمِ، جَاءَنِي ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِيمَا ضُعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَنَزَعَ حَتَّى اسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا، فَضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَهُ» .
زَادَ مُسْلِمٌ الزِّنْجِيُّ فِي حَدِيثِهِ: «فَأَرْوَى الظَّمِئَةَ، وَضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ» .
قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَوْلُهُ: وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، يَعْنِي قِصَرَ مُدَّتِهِ، وَعَجَلَةَ مَوْتِهِ، وَشَغْلَهُ بِالْحَرْبِ لأَهْلِ الرِّدَّةِ، عَنِ افْتِتَاحِ الْمُدُنِ، وَالتَّزَيُّدِ: الَّذِي بَلَغَهُ عُمَرُ فِي طُولِ مُدَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ لِعُمَرَ: فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، وَالْغَرْبُ: الدَّلْوُ الْعَظِيمُ الَّذِي إِنَّمَا تَنْزِعُهُ الدَّابَّةُ أَوِ الزُّرْنُوقُ، وَلا يَنْزِعُهُ الرَّجُلُ لِطُولِ مُدَّتِهِ، وَتَزَيُّدِهِ فِي الْإِسْلامِ، لَمْ يَزَلْ يَعْظُمُ أَمْرُهُ بِذَلِكَ، وَمَتَاحَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، كَمَا تَمْتَحُ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ
[ ١١١ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: «أَصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ جِنُّ الإِنْسِ، يُبْصِرُونَ مَا لا يُبْصِرُ غَيْرُهُمْ»
أَنَا أبو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ الْخَوْلانِيِّ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا» .
قَالَ: إِنَّ عِلْمَ الْعَرَبِ كَانَ فِي زَجْرِ الطَّيْرِ وَالْبَوَارِحِ، وَالْخَطِّ وَالاعْتِيَافِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا غَدَا مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ أَمْرًا، نَظَرَ أَوَّلَ طَائِرٍ يَرَاهُ، فَإِنْ سَنَحَ عَنْ يَسَارِهِ، فَاجْتَازَ عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ: هَذَا طَيْرُ الأَيَامِنِ، فَمَضَى فِي حَاجَتِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ مُسْتَنْجِحُهَا، وَإِنْ سَنَحَ عَنْ يَمِينَهَ، فَمَرَّ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: هَذَا طَيْرُ الأَشَائِمِ، فَرَجَعَ،
[ ١١٢ ]
وَقَالَ: هَذِهِ حَاجَةٌ مَشْئُومَةٌ.
قَالَ الْحُطَيْئَةُ، يَمْدَحُ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ:
لا يَزْجُرُ الطَّيْرَ شُحًّا إِنْ عَرَضْنَ لَهُ وَلا يُفِيضُ عَلَى قِسْمٍ بِأَزْلامِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قُلْتُ أنا: يَعْنِي أَنَّهُ سَلَكَ طَرِيقَ الإِسْلامِ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ﷿، وَتَرْكِ زَجْرِ الطَّيْرِ.
وَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ، يَمْدَحُ نَفْسَهُ:
وَلا أَنَا مِمَّنْ يَزْجُرُ هَمُّهُ أَصَاحَ غُرَابٌ أَمْ تَعَرَّضَ ثَعْلَبٌ.
[ ١١٣ ]
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا لَمْ يَرَ طَائِرًا سَانِحًا، فَرَأَى طَائِرًا فِي وَكْرِهِ حَرَّكَهُ مِنْ وَكْرِهِ لِيَطِيرَ، فَيَنْظُرُ أَيَسْلُكُ طَرِيقَ الأَشَائِمِ؟ أَوْ طَرِيقَ الأَيَامِنِ؟، فَيُشْبِهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا»، أَيْ: لا تُحَرِّكُوهَا، فَإِنَّ تَحْرِيكَهَا وَمَا تَعْمَلُونَهُ، مِنَ الطِّيَرَةِ لا يَصْنَعُ شَيْئًا، إِنَّمَا يَصْنعُ فِيمَا تَوَجَّهُونَ بِهِ، قَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الطِّيَرةِ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكَ فِي نَفْسِهِ، فَلا يَصُدَّنَّكُمْ»
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ الْخَوْلانِيِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْعَقِيقَةُ: مَا عُرِفَ لِلنَّاسِ، وَهُوَ ذَبْحٌ كَانَ يُذْبَحُ فِي الجاهلية عَنِ الْمَوْلُودِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الإِسْلامِ، وَقَدْ كَرِهَ مِنْهُ الاسْمَ.
[ ١١٤ ]
فَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي حَدِيثِهِ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ، فَقَالَ: " لا أُحِبُّ الْعُقُوقَ، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ الاسْمَ، فَقَالَ: مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسِكَ عَنْهُ، فَلْيَفْعَلْ "
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ الْخَوْلانِيِّ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْفَرَعَةِ: هُوَ شَيْءٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَةَ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَذْبَحُ بِكْرَ نَاقَتِهِ، يَعْنِي: أَوَّلَ نِتَاجٍ تَأْتِي بِهِ أَوْ شَاتِهِ، وَلا يَغْذُوهُ، رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِيمَا يَأْتِي بَعْدَهُ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْهُ، فَقَالَ: «فَرِّعُوا إِنْ شِئْتُمْ» .
أَيِ: اذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ.
وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوْفًا أَنْ يُكْرَهَ فِي الإِسْلامِ، فأعلَمَهُمْ أَنَّهُ لا مَكْرُوهَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَأَمَرَهُمُ اخْتِيَارًا أَنْ يُغَذُّوهُ، ثُّمَ يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ
[ ١١٥ ]
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، قَالَ: «الْفَرَعَةُ حَقٌّ» .
يَعْنِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاطِلٍ، وَلَكِنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ يَخْرُجُ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُرْوَى عَنْهُ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «لا فَرَعَةَ، وَلا عَتِيرَةَ» .
وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلافٍ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَإنَّما هُوَ: لا فَرَعةَ واجِبةٌ، ولا عَتِيرَةَ واجِبةٌ.
وَالْحَدِيثُ الآخَرُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى [ذَا [أَنَّهُ أَبَاحَ الذَّبْحَ، وَاخْتَارَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً، أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿.
وَالْعَتِيرَةُ هِيَ: الرَّجَبِيَّةُ، وَهِيَ ذَبِيحَةٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَرَّرُونَ بِهَا، يَذْبَحُونَهَا فِي رَجَبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا عَتِيرَةَ»، عَلَى مَعْنَى: لا عَتِيرَةَ لازِمَةٌ، وَقَوْلُهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْعَتِيرَةِ: «اذْبَحُوا لَهُ، فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبِرُّوا لِلَّهِ ﷿ وَأَطْعِمُوا» .
أَيِ: اذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ، وَاجْعَلُوا الذَّبْحَ لِلَّهِ ﷿، لا لِغَيْرِهِ، وَفِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، لا أَنَّهَا فِي رَجَبٍ، دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: الرَّوْعُ: الفَزَعُ، وَالرُّوعُ: الْقَلْبُ، بِضَمِّ الرَّاءِ.
[ ١١٦ ]
يَعْنِي تَفْسِيرَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ، نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ حَرَامًا عَلَى كُلِّ نَفْسٍ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»
أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلا حَرَجَ» .
أَيْ: لا بَأْسَ أَنْ تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ مِمَّا سَمِعْتُمْ، وَإِنِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، مِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ ثِيَابَهُمْ تَطُولُ، وَالنَّارَ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَتَأْكُلُ الْقُرْبَانَ، لَيْسَ أَنْ يُحَدَّثَ عَنْهُمْ بِالْكَذِبِ، وَمَا لا يُرْوَى
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، يَقْولُ فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَيْسَ
[ ١١٧ ]
مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»، قَالَ: يَسْتَغْنِي بِهِ
أنا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀، فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»، قَالَ: يَقْرَؤُهُ حَدْرًا وَتَحْزِينًا
أنا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، ثنا حَرْمَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، حَيْثُ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ» .
مَعْنَاهُ: اشْتَرِطِي عَلَيْهِمُ الْوَلاءَ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥]، يَعْنِي: عَلَيْهِمْ
[ ١١٨ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِ الأَنْفِ: «إِذَا أُوعِيَ جَدْعًا»، الْجَدْعُ: الْقَطْعُ