وَاحْذَرْ مَا يكره الله من عَمَلك ونيتك وسرك وعلانيتك فِي الصَّغِير كَمَا تحذره فِي الْكَبِير وَإِن كل شَيْء يفْسد عَلَيْك مِثْقَال ذرة قَدمته لله يفْسد عَلَيْك مائَة الف دِينَار وَالدُّنْيَا كلهَا مثل مَا افسد عَلَيْك مِثْقَال ذرة فَسَادًا سَوَاء لَا فضل بَينهمَا
ثمَّ هَكَذَا فِي سَائِر الاعمال يَأْتِي الْفساد على كثرتها كَمَا يَأْتِي على قلتهَا سَوَاء وارغب فِي الصَّغِير من الْخَيْر كَمَا ترغب فِي الْكَبِير رَغْبَة وَاحِدَة
[ ١٧٠ ]
لِأَنَّهُ يقبل الْقَلِيل من العَبْد كَمَا يقبل الْكثير قبولا وَاحِدًا سَوَاء وَهَكَذَا فِي سَائِر الاعمال
وَكفى بِقبُول الله الصَّغِير من عَبده لعَبْدِهِ فوزا مَعَ ان أَعمال بني آدم كلهَا صغَارًا إِلَّا مَا قبل الله مِنْهَا فَإِذا قبل مِنْهَا شَيْئا صَار عَظِيما وَإِن كَانَ قبل ذَلِك صَغِيرا
وَاعْلَم ان صغارها أسلم من كِبَارهَا فِي الرِّيَاء والاعجاب والامتنان فانتبه لذَلِك وَلَا تغفل عَنهُ
وَاعْلَم ان لَك فِي عَمَلك إِرَادَة وأملا فَانْظُر إرادتك فِي أعمالك كلهَا كإرادة أهل الشُّكْر وَالرِّضَا وأملك فِيهِ كأول المسرفين على انفسهم فَلَيْسَ شَيْء احب الى أهل الرِّضَا من شَيْء يرضى الله بِهِ وَلَا شَيْء أحب الى أهل الشُّكْر من شَيْء يشكرون الله عَلَيْهِ وَلَا شَيْء اولى بِأَهْل الاسراف على انفسهم من شَيْء يرجون بِهِ عَفْو الله
وَأعلم أَنِّي لست من قلَّة الْعَمَل اخاف عَلَيْك وعَلى مثلك وَلَكِن أَخَاف عَلَيْك من قلَّة الْمعرفَة وَضعف الارادة
لَا أجدني اخاف عَلَيْك وعَلى مثلك من قلَّة التَّطَوُّع وَلست اخاف من الْوَرع أَلا تنظر فِيهِ كَمَا ينظر غَيْرك أَو لَا تتْرك شهوات أحلهَا الله لَك توثر بهَا عَلَيْك غَيْرك
إِلَّا أَنِّي أَخَاف عَلَيْك ان تنَازع فِي أَمر يكرههُ الله وَلَا ينفعك قد خَفِي عَن النَّاس وَهُوَ عِنْد الله ظَاهر فَيفْسد عَلَيْك جَمِيع مَا أردْت اَوْ ترى ان لَك فضلا على غَيْرك فيحبط ذَلِك جَمِيع مَا كنت فِيهِ
[ ١٧١ ]
وأخاف عَلَيْك أَلا تقوم بصيانها كَمَا قُمْت بعلمها فيهدم ذَلِك جَمِيع مَا كنت فِيهِ وَمَا بنيت عَلَيْهِ اَوْ لَا تُؤدِّي مَا يجب عَلَيْك من الشُّكْر فِيهَا فيلزمك من الذَّم فِي كفران النعم أَكثر مِمَّا رَجَوْت من الْحَمد فِيهَا
أَو تكون تدل على الله ﷿ بعملك فيسقطك ذَلِك من عين الله
أَو تمن بِهِ على أحد اَوْ تؤذي بِسَبَبِهِ احدا فقد علمت مَا قَالَ الله ﷿ فِي ذَلِك ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى كَالَّذي ينْفق مَاله رئاء النَّاس وَلَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَمثله كَمثل صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وابل فَتَركه صَلدًا﴾
وَرُبمَا يعزم على الْعلم الَّذِي أَرَادَهُ فَلَا يجده كَمَا وجده بِغَيْر عزم عزم عَلَيْهِ