اتِّفَاق الْهوى والصدق على عمل الْبر
قلت الصدْق والهوى متفقان على عمل الْبر
قَالَ ان الله قَادر على ان يسخر الْهوى للصدق وان كَانَ فقليل وَالَّذِي يعرف هَذَا الْقَلِيل فِي النَّاس هم قَلِيل وَالَّذِي يجهله كثير لَان الارادة للْعَمَل قبل الْعَمَل والهوى والشهوة مِمَّا يَلِي الْعَمَل وَالنِّيَّة والصدق من ورائهما
فَكلما اراد العَبْد اَوْ هم بِالْعَمَلِ من قريب اَوْ بعيد ابتدر الْهوى والشهوة وَالنِّيَّة الصادقة فيهمَا الى الْقلب بِذكر مَا يُرْجَى وَمَا يؤمل من مثل ذَلِك الْعَمَل من حاجات الدُّنْيَا وشهواتها ومنافعها ومرافقها ولذاتها وَمَا يؤنس بِمثلِهِ من الاشياء وَمَا حسن موقعه من النَّاس وَذكرهمْ لَهُ بالثناء والمحمدة وَالْقدر والجاه والرفعة والرئاسة
والارادة الصادقة بعد غَائِبَة وَمَا دَامَت غَائِبَة فالقلب يقبل هَذِه
[ ١٣٩ ]
الاشياء لَا يرد مِنْهَا شَيْئا لانه لَا بُد ان يكون للقلب امل فِي هَذَا الْعَمَل الَّذِي اراده وهم بِهِ والانسان اكثر شَيْء نِسْيَانا واكثر النسْيَان فِي ذَلِك الْوَقْت لِأَن هَذِه الاشياء الَّتِي جَاءَت بهَا النَّفس والهوى الى الْقلب مِمَّا ذكرنَا من الثَّنَاء والمحمدة والرفق وَالْقدر والجاه والرئاسة والمنزلة كلهَا مِمَّا يتحلى بِهِ الْقلب ويشتهيه ويرغب فِيهِ فَلذَلِك تكْثر الْغَفْلَة وَالنِّسْيَان للارادة الصادقة
وَلَو كَانَ مَكَان الَّذِي يستحليه الْقلب ويشتهيه مرَارَة وكراهية لما كَانَ يقبل النسْيَان والغفلة وَلَكِن حَيْثُ جَاءَت الْمُوَافقَة سكن الْقلب الى هَذِه الْخلال
فَمن شَاءَ الله ﷿ ان ينعم عَلَيْهِ حَتَّى تكون الارادة الصادقة امام الْهوى وشهوة النَّفس وَحَتَّى يُرِيد بِالْعَمَلِ وَجه الله وَالدَّار الْآخِرَة فَفِي هَذَا يكون شغل الْقلب عِنْد ذَلِك وَفِيمَا يؤمل فِيهِ من رضى الله ﷿ وثوابه وَمَا جَاءَت بِهِ النَّفس والهوى مِمَّا ذَكرْنَاهُ لم يقبله الْقلب ورده عَلَيْهِم فَفِي هَذَا اعظم النعم وعَلى صَاحبه اكثر الشُّكْر