قلت فَبِأَي شَيْء ينْتَقل من دَرَجَة الصَّبْر الى دَرَجَة النَّعيم
قَالَ بِحسن الْمعرفَة
قلت مِمَّا حسن الْمعرفَة
قَالَ افتقار الْقلب الى الله واقترابه مِنْهُ وَمن دَار الْآخِرَة حَتَّى كَأَنَّهُمَا رَأْي الْعين وَيجْعَل الذُّنُوب الَّتِي سلفت مِنْهُ فِيمَا بَينه وَبَين الله نصب عَيْنَيْهِ وَيجْعَل النِّعْمَة الَّتِي قد انْعمْ الله عَلَيْهِ بهَا وَالَّتِي لَا يحصيها وَلَا يقدر على شكرها فِي اقرار قلبه بذلك واجلال الله وتعظيمه وَقدرته ووعيده واهوال الْقِيَامَة وَمَا بعْدهَا وَمَا قبلهَا من البرزخ وَالْمَوْت
فَإِذا اسْتَقر ذَلِك فِي قلبه وَسكن الْقلب الى ذَلِك كَذَلِك انار الْقلب وَعمر بعد الخراب واضاء بعد الظلمَة ثمَّ لانت المفاصل عِنْد ذَلِك
[ ١٥٥ ]
وتوثبت الْجَوَارِح الى الطَّاعَات فَعِنْدَ ذَلِك تسْقط مُؤنَة الصَّبْر وَيصير فِي دَرَجَة الْخَوْف والمحبة لِلْعِبَادَةِ وَعند ذَلِك يجد حلاوة مَا هُوَ فِيهِ فَتلك الْعِبَادَة بِحسن الْمعرفَة
فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يعرض لَهُ من دواعي الدُّنْيَا ووساوس النَّفس مَا ان مَال اليه قطعه عَن تِلْكَ الْحَلَاوَة ورده الى دَرَجَة الصَّبْر
ولساعة وَاحِدَة من تِلْكَ السَّاعَات خير من ايام كَثِيرَة من ايام الصَّبْر لَان فِيهَا الْخَوْف وفيهَا الْحبّ وفيهَا الشُّكْر وفيهَا النَّدَم وَهُوَ التَّوْبَة وتعظيم مَا عظم الله وتصغير الدُّنْيَا والانس بِاللَّه
فَلَا يلْحق صَاحب هَذِه الدرجَة صَاحب الصَّوْم الْكثير وَالصَّلَاة الْكَثِيرَة وَالْحج والغزو وَهَكَذَا الْعَمَل اذا كَانَ بالمعرفة القوية