اراك تحب اهل التَّوَاضُع والصدق والامانة حَتَّى لَو رَأَيْت قُبُورهم وآثارهم لاحببتها فِيمَا تزْعم وَتكره خصالهم الَّتِي بهَا نالوا الْحبّ مِنْك حَتَّى لَو قدرت ان تكون فِي اعدى عَدوك بعد ان تَزُول عَنْك لَكَانَ ذَلِك منيتك
[ ١٣١ ]
فإمَّا ان تكون تُرِيدُ مخادعة الله اذ علمت انه يطلع مِنْك على ذَلِك واما ان تكون لَا تحسن ان تطلب الْخَيْر
يَا أخي ان الجائع يحب الْخبز وان العطشان يحب المَاء وَلَو جعل الْخبز وَالْمَاء بَين ايديهما على مائدة اَوْ علق فِي اعناقهما مَا نفعهما علمهما بِأَن الْخبز وَالْمَاء مَعَهُمَا وَلَا ينفعهما قربهما مِنْهُمَا دون ان يأكلا من الطَّعَام ويشربا من الشَّرَاب
وَهَكَذَا انت لَا ينفعك علمك بِالْخَيرِ وَلَا قربه مِنْك وَلَا حبك لَهُ حَتَّى يكون فِيك وَتَكون من اهله بل لَا ازعم انك تحبه وَلَكِنَّك مخدوع اَوْ مخادع فِي دعواك انك تحبه
يَا أخي هَل رَأَيْت عطشان استمكن من المَاء الْبَارِد فَلم يشربه الا مُدع للعطش لَيْسَ بعطشان
أَو هَل رَأَيْت جوعان وجد طَعَاما قد امكنه فَلم يَأْكُلهُ الا مُدع للجوع لَيْسَ بجوعان
فَمَا ابين ابطال دعواك فِيمَا تزْعم انك تحب الْخَيْر واهله اذا قست مَا تحب من الدُّنْيَا بِمَا تحب من الْآخِرَة لاني اراك اذا احببت شَيْئا من الدُّنْيَا احببت الا يكون لَهُ مَالك غَيْرك هَذَا هُوَ الْحبّ الصَّادِق بِعَيْنِه فَإِذا احببت شَيْئا من اعمال الصَّالِحين فِيمَا تزْعم فَلَيْسَ شَيْء اثقل عَلَيْك من ان تكون انت صَاحبه وَلَو كنت محبا لَهُ لاحببت الا يكون اُحْدُ سَبَقَك وَلَا يملك مِنْهُ اكثر من الَّذِي تملك
يَا أخي اما آن لَك ان تمل وتشبع من الْكَذِب والاغترار بِاللَّه تَعَالَى اما آن لَك ان تحب ان يكون اسْمك يَوْمًا وَاحِدًا من جَمِيع عمرك مَعَ
[ ١٣٢ ]
اسماء الصَّالِحين المتواضعين المخلصين الناصحين الشَّاكِرِينَ الراضين الصابرين الْمُسلمين الواثقين المتوكلين المفوضين الْخَائِفِينَ المشتاقين العارفين الْعَالمين الموقنين
بِحَق اقول لَك لَو مَاتَ اُحْدُ من الْعجب كَانَ يَنْبَغِي لَك ان تَمُوت مَكَانك اذا نظرت فِيمَا انت فِيهِ من ايثارك للدنيا واقبالك عَلَيْهَا مَعَ استيقانك بِأَنَّهَا لَا شَيْء ورضاك بترك طَرِيق الصَّالِحين واهل الْخَيْر وصحبة مُحَمَّد ﷺ ومجاورته فِي الْجنَّة
فَلَو كَانَت صحبته فِي الدُّنْيَا ثمَّ تركت الدُّنْيَا كلهَا واثرت صحبته لَكَانَ الَّذِي تركت حَقِيرًا عِنْد الَّذِي نلْت فَكيف الصُّحْبَة فِي الْجنَّة مَعَ دوَام الْملك فِي جوَار الله وَجوَار احبابه مَعَ الَّذين انْعمْ الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن اولئك رَفِيقًا فِي الْحبرَة وَالنعْمَة وَالسُّرُور الدَّائِم الابدي
فراجع نَفسك يَا أخي وَانْظُر مَا فِي هَذِه المخادعة وَمَا الَّذِي قد غلبك وَغلب يقينك اَوْ مَا هَذِه الخدعة الَّتِي دخلت عَلَيْك
وفكر فِيمَا تصير اليه من موازنة عَمَلك وسؤال الله اياك عَن مَثَاقِيل الذَّر والخردل وَمَا فَوق ذَلِك وَدون ذَلِك
وفكر فِي سرعَة انْقِضَاء الاجل وَعَلَيْك بقصر الامل فَلَا تُفَارِقهُ وَلَا يفارقك طرفَة عين لَا فِي ليل وَلَا فِي نَهَار
يَا سُبْحَانَ الله كَيفَ لَا تدهش وَلَا يذهب عقلك تَعَجبا من امرك
فراجع امرك وَانْظُر مَا يُرَاد مِنْك فَإِنَّمَا يُرَاد مِنْك اذا عملت
[ ١٣٣ ]
عملا ان تُرِيدُ بِهِ وَجه الله اَوْ لَا تعمله فَهَل تكون اقل من هَذَا هَذَا فِي ذوفلك واما فرائضك فَإنَّك غير مَعْذُور فِي تَضْييع مِثْقَال ذرة مِنْهَا حَتَّى تعْمل بِمَا امرت بِهِ وتنتهي عَمَّا نهيت عَنهُ وَمَا كلفت امرا لَا تُطِيقهُ وَمَا كلفت مَا لم يُكَلف بِهِ غَيْرك
وَيُرَاد مِنْك مَعَ ذَلِك ان تُرِيدُ للنَّاس الْخَيْر وان لم ترد لَهُم الْخَيْر فَلَا ترد لَهُم الشَّرّ فَهَل تكون اقل من هَذَا اَوْ ترْضى لنَفسك ان النَّاس يُرِيدُونَ لَك الْخَيْر وانت تُرِيدُ لَهُم الشَّرّ
وَيُرَاد مِنْك الا تجْعَل نَفسك فَوق النَّاس فِي نَفسك لَا بقلبك وَلَا بلسانك افتكون اقل من هَذَا وَقد دعيت انت وَالنَّاس الى هَذَا لَا انت وَحدك