قلت فَمَا بَال الرجل يَأْتِيهِ الامر مِمَّا يحب من غير طلب وَلَا عزم عَلَيْهِ حَتَّى رُبمَا أَخَاف من عزمه ان يكون عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا يكون لَهُ
قَالَ هَذَا من الَّذِي قُلْنَا لَا يصلح الشَّيْء إِلَّا بِشَيْء قبله وَشَيْء بعده فَإِذا لم يكن عزم بِمَعْرِفَة كَانَ عاقبته نَحْو الَّذِي ذكرت
[ ١٧٢ ]
ومعرفته أَن يكون بدؤه بالافتقار الى الله ﷾ وَلَا يكون كالتألي على الله
والتوكل أَن ينْفَرد بإشعار قلبه فِي تَفْوِيض الْمقدرَة الى الله ﷾ والتبري من الْحول وَالْقُوَّة أَولا تسمع الى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَهَذَا زِيَادَة على التَّوَكُّل امْر أَمرك الله بِهِ وَقَوله تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله﴾ والمشورة من الْحَاجة لَا من الْغنى أَمر الله نبيه ﷺ أَن يَسْتَعِين بِمن لَيْسَ هُوَ مثله وَأَن تبقى سنته سنة لمن هُوَ بعده
فَكيف بِمن هُوَ مثلي وَمثلك إِذا سَهَا عَن الله فِيمَا لَا يَسعهُ إِلَّا التضرع اليه
أَولا تسمع الى قَوْله ﷿ فِي قصَّة يَعْقُوب ﴿إِن الحكم إِلَّا لله عَلَيْهِ توكلت﴾ فَكَانَ عَاقِبَة يَعْقُوب تَمام مَا أَرَادَ
وَقَول يُوسُف ﴿قَالَ رب السجْن أحب إِلَيّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن﴾ وَتمّ لَهُ أمره حِين أخرج نَفسه من الْقُدْرَة واقر بالافتقار وفوض الامر الى ربه
[ ١٧٣ ]
وَقَول الآخر ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ فَسَأَلُوهُ وَلم يفرضوا اليه امرهم لَا قبل الْمَسْأَلَة وَلَا بعْدهَا قَالَ ﴿فَلَمَّا أنجاهم إِذا هم يَبْغُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ وَلم يتمم لَهُم امرهم
وَقَول الاخر أَيْضا ﴿لَئِن آتيتنا صَالحا لنكونن من الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتاهما صَالحا جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما﴾
ثمَّ انْظُر الى قَول آدم حِين تقدم على حمل الامانة بِغَيْر افتقار وَلَا استكانة فَلم يتمم لَهُ امْرَهْ وعير بِالْجَهْلِ وَالظُّلم
وماذا يُغني الْعَزْم من الَّذِي لَيْسَ بِيَدِهِ الامر
[ ١٧٤ ]