وَاعْلَم يَا أخي أَنه لَا يكَاد يحسن الشَّيْء إِلَّا بِشَيْء قبله وَشَيْء بعده
فَأَما مَا تحسن بِهِ المراقبة قبلهَا فالانقطاع الى الله وَلُزُوم طَاعَته بالمراقبة لَهُ فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة
وَأما مَا يحسن بِهِ الِانْقِطَاع الى الله قبل الِانْقِطَاع فَأَرْبَعَة أَشْيَاء
[ ١٦٧ ]
التَّوْبَة وإيثار مَا يحب الله على مَا يكره وَأَن تكون بِهِ انس مِنْك بخلقه وَلَا تفرح بِمَا زادك من الدُّنْيَا وَلَا تحزن على مَا نقصك مِنْهَا وَهِي دَرَجَة اهل الْوَرع والقنوع
وَالَّذِي يقويك على ذَلِك التَّصْدِيق بوعد الله تَعَالَى والثقة بضمانه والترجي بِمَا يَكْفِيك مِنْهَا وَلُزُوم سرعَة الِانْتِقَال عَن الدُّنْيَا
وَأما إِيثَار مَا يحب الله على مَا يكره فسبحانه لَيْسَ أحد أَحَق وَلَا اولى بذلك مِنْهُ تبَارك اسْمه وَهُوَ إِيثَار محبته على هَوَاك وَهُوَ فرض على المدبرين عَنهُ والاباق أَن يرجِعوا اليه ويعاملوه وَكَيف لَا يؤثره من تعود الْقرب مِنْهُ والانقطاع اليه
أما الانس بِهِ فَهُوَ أَن تكون بِهِ أَشد انسا مِنْك بخلقه فَمن عرفه وَعرف لطفه وَكَثْرَة اياديه وَحكمه وبره وَعطفه وتفضله أنس بِهِ
وَكَيف يراقب العَبْد من لَا يعرفهُ وَكَيف يَنْقَطِع الى من لَا يَثِق بِهِ وَلَا يأنس بِهِ
[ ١٦٨ ]
وَأما الَّذِي يحسن الشَّيْء بعده فالشكر وَأشْهد انك لَو عقلت مَا تقْرَأ وَكنت مرِيدا لهَذِهِ الْمنزلَة لنظرت اليه بِعَين المحزونين الْخَائِفِينَ أَلا يقبلك وَأَن يستقذر إرادتك وسيرتك وَأَن يردك عَن بَابه وَأَن تقدم عَلَيْهِ وانت كَذَلِك