قلت إِذا اردت أَن اعْمَلْ الْعَمَل وقفت قبل الِافْتِتَاح فراجعت نيتي وإرادتي فَرَأَيْت الرِّيَاء قد سبق الصدْق وَرَأَيْت الصدْق غَائِبا عني فَأَرَدْت أَن انقل الاراة بحقيقتها الى الصدْق وَالصِّحَّة وَحسن النِّيَّة وَأَن اتقِي الْهوى بحليته وريائه وشهوته فَمَتَى أعلم أَنِّي قد فعلت ذَلِك واتيت مِنْهُ على مَا أردْت وَقد ذكرت أَن ذكر النِّيَّة والصدق لَا يَنْفَعنِي حَتَّى يكون بتحقيق الارادة
قَالَ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قلب وَاحِد ثمَّ قَالَ رُبمَا اجْتمع اسمهما
[ ١٤٦ ]
وَلَا يجْتَمع انفسهما فَإِذا لم ترد النَّفس وتشتهي مَا كنت انت تُرِيدُ وتشتهي من إِرَادَة الله تَعَالَى بذلك الْعَمَل وَالدَّار الْآخِرَة فقد علمت أَن هَذَا قد حضر وَذَاكَ قد غَابَ كَمَا كنت تعلم ان الرِّيَاء حَاضر وَالنِّيَّة غَائِبَة
وَإِن اشْتبهَ عَلَيْك الَّذِي وصفت لَك فانقض الامر كَأَنَّك لَا تُرِيدُ أَن تعمله الْبَتَّةَ واصدق فِيهِ فَإِن علمت أَنَّك قد صدقت بنقضك لَهُ فابتدئه من الرَّأْس فَإِن وجدت من نَفسك الرِّضَا والسكون بِنَقْض الْعَمَل وَالتّرْك لَهُ فَاعْلَم أَنه عَلامَة حُضُور الصدْق وغيبة الْهوى والرياء وَإِن وجدت كَرَاهِيَة والنقض وَالتّرْك فَاعْلَم أَن الْهوى بعد فِيهِ
قلت اضْرِب لي فِيهِ مثلا يكون أبين من هَذَا
قَالَ مثل رجل هم أَن يتَّخذ طَعَاما يَدْعُو اليه اقواما فراجع نَفسه وعزمه فَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو فلَانا لشئ كَانَ وَافقه مِنْهُ وَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو الآخر يُرِيد ضربا من الاستطالة وَأَن يستخدمه ويخضع لَهُ وَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو الآخر ليستعين بِهِ على ظلم وَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو الآخر ليصيب مِنْهُ عرضا من الدُّنْيَا وَإِذا هُوَ يُرِيد ان يَدْعُو الاخر فيحمده ويثني عَلَيْهِ ويبسط ذكره وَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو الاخر ليجالسه ويزاوره ويدع مجالسة ومزاورة غَيره وَإِذا هُوَ يُرِيد أَن يَدْعُو الاخر لحسن لِقَاء يلقاه بِهِ وَأَشْبَاه ذَلِك مِمَّا لَيْسَ لله ﷾ فِيهِ شئ وَإِنَّمَا هُوَ كُله للدنيا
[ ١٤٧ ]
فَلَمَّا استبان لَهُ من نَفسه هَذَا وَلم تكن إِرَادَته وَجه الله وَمَا يَرْجُو من ثَوَاب الله على طعامهم قَالَ فِي نَفسه لما تبين لَهُ ذَلِك لَا وَلَكِنِّي اترك الارادة الاولى واحضر إِرَادَة ثَانِيَة أُرِيد بهَا وَجه الله تَعَالَى وَحده وَالدَّار الاخرة
ثمَّ قَالَ فلعلي اخدع فِي هَذَا وَأَنا لَا اشعر وَلَكِنِّي أَدْعُو مَكَان هَؤُلَاءِ قوما اخرين اقدم فيهم النِّيَّة والارادة الصَّحِيحَة امام الطَّعَام أَو لَا ادعو احدا
فَإِن رأى نَفسه عِنْد ذَلِك تنازعه الى ان يَدعُوهُم فكراهية النَّفس لترك دعوتهم ومحبتها لدعوتهم عَلامَة انه غير صَادِق وَأَنه مخدوع
وَإِن سكنت الى التّرْك ورضيت بِهِ فَهُوَ من عَلامَة الْخَيْر فَيَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ ان يعمله وان يمْضِي فِيهِ فَإِن شَاءَ دعاهم وَإِن شَاءَ دَعَا غَيرهم بنية جَدِيدَة