وَإنَّهُ لَيْسَ شئ أولى بِالْعَبدِ بعد معرفَة الله من معرفَة مَا يكره الله وَهُوَ الَّذِي نَهَاهُ عَنهُ وَتقدم فِيهِ بالوعيد والزجر والتحذير
ثمَّ معرفَة مَا أحب الله وَهُوَ الَّذِي أَمر بِهِ وَرغب فِيهِ
فأبلغ الاعمال إِلَى رضوَان الله مُفَارقَة مَا يكره الله ثمَّ مُبَاشرَة مَا يحب الله تَعَالَى وَمَا رغب فِيهِ
فَانْظُر يَا أخي إِذا اصبحت فَلَا يكن شئ أهم اليك من أَن تميت خصْلَة
[ ١٦٣ ]
تهواها نَفسك مِمَّا يكره الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يحيا لَك مَكَانهَا خصْلَة مِمَّا يحب الله وَلَك بعد ذَلِك التَّضْعِيف من النُّور الساطع فِي قَلْبك والفهم
وَاعْلَم يَا أخي ان الدُّنْيَا مِنْهَا حَلَال مُبَاح وَمِنْهَا شُبُهَات وَمِنْهَا حرَام
فَإِذا كَانَ فِي قلب العَبْد عقدَة متمكنة من عقد حب الْحَلَال الْمُبَاح لم تَنْقَطِع عَنهُ مواد نوازع الشُّبُهَات والمكروهات
وَإِذا كَانَ فِي قلبه عقدَة متمكنة من عقد حب الشُّبُهَات والمكروهات لم تَنْقَطِع عَنهُ مواد نوازع الْحَرَام وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ من وَقع فِي الشُّبُهَات فَأوشك ان يواقع الْحَرَام كَالرَّاعِي يرْعَى حول الْحمى يُوشك ان يَقع فِيهِ
فَكل من تمكنت الشُّبُهَات من قلبه وَاطْمَأَنَّ إِلَى اخذها وَقع فِي الْحَرَام لَان الشُّبُهَات اقْربْ الى الْحَرَام مِنْهَا الى الْحَلَال
قلت فَكيف يصنع النَّاس بمرافقهم وحوائجهم
فَقَالَ إِنِّي لم أَنْهَك عَن كسبك وحوائجك وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا وَإِنَّمَا أحذرك أَخذ مَا لَا تحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا ونهيك عَن اعْتِقَاد الْحبّ لما تحْتَاج اليه مِنْهَا حَتَّى تكون تأخذها من الْمُبَاح وَهِي راغمة وَأَنت عَالم بهَا وبصغر قدرهَا عِنْد خَالِقهَا إِذْ يَقُول لنَبيه ﷺ ﴿قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى﴾
[ ١٦٤ ]
وَإِذ يَقُول نبيه ﷺ لَو عدلت الدُّنْيَا عِنْد الله جنَاح بعوضة مَا سقى كَافِرًا مِنْهَا شربة مَاء
وَاعْلَم ان المعتقد لحبها وَهُوَ عَالم بهَا لَا يُؤمن عَلَيْهِ أَن تستولي على قلبه فتملكه فَيَأْخُذ بعد الْحَلَال الشُّبُهَات وَبعد الشُّبُهَات الْحَرَام
وَاعْلَم أَن المعتقد لحبها وَغير المعتقد يأتيان على حاجتهما واعتقاد حب الدُّنْيَا من الْحَلَال وَهن فِي قُلُوب العارفين وَلَا يزِيد ذَلِك فِي رزق المعتقد وَلَا ينقص من رزق الَّذِي لَا يعْتَقد الْمحبَّة
وَاعْلَم ان الْعباد إِنَّمَا أمروا بالاشتغال بِالْعلمِ من الْجَهْل وبالعمل بالاخلاص وَلَا تنَال هَذِه الدرجَة حَتَّى تكون بِحَالَة لَو قدرت ان تتْرك مَا تحْتَاج اليه مِنْهَا لتركته