وَمن النَّاس من يرى أَنه يكره المحمدة وَالثنَاء اشفاقا على عمله وخوفا
[ ٩٦ ]
من فتنته فَلَا يعبأ بِمَا يخيل إِلَيْهِ من ذَلِك ويظن لِأَن كَثْرَة مَا يظنّ النَّاس من ذَلِك لَيْسَ كَمَا يظنون حَتَّى ينْظرُوا الى تَحْقِيق صدقه عِنْد الْبَيَان
فَليُرَاجع العَبْد نَفسه اذا اثْنَي عَلَيْهِ اَوْ مدح اَوْ ذموه اَوْ نسبوه الى مَا يكره فَإِن كَانَ مَا اعجبه من الثَّنَاء والمدحة انما أعجبه لِمَعْنى مَا قُلْنَا من السّتْر والرجاء فِي الثَّنَاء الْحسن وَالْقَوْل الْجَمِيل لمثل قَوْله تَعَالَى ﴿وألقيت عَلَيْك محبَّة مني﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ أجره فِي الدُّنْيَا﴾ قَالَ الثَّنَاء وَقَالَ ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ قَالَ الثَّنَاء الْحسن وَقَوله ﴿وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين﴾ قَالَ الثَّنَاء الْحسن
وَقَالَ النَّبِي ﷺ فِي الرجل يعْمل الْعَمَل يُرِيد بِهِ وَجه الله فيحمده عَلَيْهِ النَّاس ويثنون عَلَيْهِ بِهِ فَقَالَ تِلْكَ عَاجل بشرى الْمُؤمن وَقَوله ﷺ فِي العَبْد اذا احبه الله لم يُخرجهُ من الدُّنْيَا حَتَّى يملا مسامعه مِمَّا يحب وَقَوله انتم شُهَدَاء الله فِي الارض واشباه ذَلِك فِي الْكتاب وَالسّنة
فَإِن كَانَ سروره بِمَا ذكر بِهِ من الْخَيْر شكرا لستر الله عَلَيْهِ وحمدا
[ ٩٧ ]
مِنْهُ لله اذ جعله الله ﷿ مِمَّن يذكر بعلامة الْخَيْر فَلَيْسَ ذَلِك بسرور فَاسد وَلكنه شكر وَطلب لامزيد
وعلامة سَلامَة نِيَّته فِي ذَلِك ان يزْدَاد لله تواضعا ولآلائه شكرا وَفِي طَاعَته اجْتِهَادًا وَمَعَ ذَلِك يَنْبَغِي ان يرد نَفسه الى طَرِيق المخافة من الاستدراج وَيكون مَا خَفِي من عمله احب إِلَيْهِ مِمَّا ظهر مَخَافَة مَا يلْحق اهل الصّلاح من الْفِتْنَة فِيمَا يَسْتَمِعُون من المدحة وَالثنَاء وَلما جَاءَ من النَّهْي وَالْكَرَاهَة والتزكية والمدحة ان يسمع صَاحبه وَذَلِكَ مثل قَوْله ﷺ من مدح اخاه فِي وَجهه فَكَأَنَّمَا أَمر على حلقه مُوسَى رميضا وَمثل قَوْله ﵇ لَو سَمعك مَا أَفْلح وَمثل قَوْله ﷺ عقرت الرجل عقرك الله وَهَذَا نَحوه كثير
فَإِذا كَانَ مذْهبه وَنِيَّته شكر الله على ستره وَحمد الله على نعْمَته وَيكون مَا سبق من السرُور الى قلبه فِي ثَنَاء اذا سَمعه رَجَاء الْقدْوَة بِهِ اذا كَانَ مِمَّن يصلح ان يقْتَدى بِهِ لقَوْل الله ﷿ ﴿واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾ يَقُول أَئِمَّة فِي الْخَيْر يقْتَدى بِنَا
فَإِن كَانَ كَذَلِك رَجَوْت الا يضرّهُ ذَلِك وَلَا يفْسد عَلَيْهِ عمله
وَقد ذكر عَن مطرف انه قَالَ مَا سَمِعت ثَنَاء اَوْ مِدْحَة الا تصاغرت الي نَفسِي
[ ٩٨ ]
وَقَالَ زِيَاد بن ابي مُسلم لَيْسَ اُحْدُ مسمع ثَنَاء اَوْ مِدْحَة الا ترَاءى لَهُ شَيْطَان وَلَكِن الْمُؤمن يُرَاجع فَقَالَ ابْن الْمُبَارك صدق كِلَاهُمَا
اما مَا ذكر زِيَاد فَذَلِك قلب الْعَوام واما مَا ذكر مطرف فَذَلِك قلب الْخَواص
وان كَانَ مذْهبه وَنِيَّته اذا سمع ذَلِك وسر بِهِ طلب الرّفْعَة والمنزلة عِنْد النَّاس فَمَا أَسْوَأ حَاله فِي احباط عمله