القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي كله. والقرآن هو "كلام الله الذي نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله - ﷺ - محمد
[ ٤٠١ ]
بن عبد الله بألفاظه العربية، ومعانيه الحقة، ليكون حجة للرسول على أنه رسول الله، ودستورًا للناس يهتدون بهديه، وقربة يتعبدون بتلاوته" (١). وقد حث ابن الجوزي على التمسك به فقال في ذلك: "عليكم بالكتاب والسُّنّة ترشدوا" (٢)، ثم بيَّن المراد منه قائلًا: "تقويم ألفاظه، ثم فهمه، ثم العمل به، ثم الإقبال على ما يصلح النفس، ويطهر أخلاقها" (٣). وذلك لما له من أثر عظيم في النفس البشرية، والرسول - ﷺ - أول من أثر فيه القرآن الكريم، وضح ذلك ابن الجوزي بقوله: "وقد سئلت عائشة -﵂- عن خلق رسول الله - ﷺ -: فقالت: كان خلقهُ القرآنُ. تعني: كان على ما أمره الله به في القرآن" (٤). ثم يبين أثره التربوي في السلف الصالح، من خلال فهمهم الصحيح للمراد من القرآن الكريم فقال: "تشاغلوا بالقرآن والعلم، فدلّهم على إصلاح البواطن وتصفيتها" (٥).
وقد لوحظ أن هناك -فيما درست- (٢٧) رأيًا لابن الجوزي وثّقها بالآيات القرآنية الكريمة، أو استقى من لفظها ومعناها بعض آرائه، وأعرض هنا ..
أ - الآراء التي وثَّقها بالآيات القرآنية:
١ - قال ابن الجوزي في التبذير: "التبذير مما يأمر به الهوى، وينهى عنه العقل (٦)، وأحسن الأدب في هذا الباب تأديب الحق ﷾ حين قال: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٧).
٢ - وثّق ابن الجوزي فضل كظم الغيظ فقال: "ثم يتفكر في فضل
_________________
(١) مرجع سابق، خلّاف، عبد الوهاب. علم أصول الفقه. ص ٢٣.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٧٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. تلبيس إبليس. ص ١١٢.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. زاد المسير في علم التفسير. الجزء الثامن، ص ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٤٤.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٣.
(٧) سورة الإسراء، الآية ٢٦.
[ ٤٠٢ ]
كظم الغيظ، فقد مدح الله سبحانه القوم فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (١).
٣ - ووثّق ابن الجوزي رأيه في المنهج التعليمي للطفل في أهمية السيرة النبوية فقال: "وأنفع العلوم النظر في سيرة الرسول - ﷺ - وأصحابه". ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢).
٤ - استخدم ابن الجوزي أسلوب الوصية التربوية لابنه محمد فقال فيها: "ثم رأيت منه نوع توانٍ عن الجِدّ في طلب العلم، فكتبت له هذه الرسالة أحثه بها وأحرضه على سلوك طريقي في كسب العلم، وأدله على الإلتجاء إلى الموفق -﷾-، مع علمي أنه لا خاذل لمن وفق، ولا مرشد لمن أضل، قد قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣)، وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (٤).
٥ - وثّق ابن الجوزي رأيه في غرس مراقبة الله تعالى في نفس البالغ بقوله: "وليعلم البالغ أنه من يوم بلوغه قد وجبت عليه معرفة الله تعالى بالدليل والتقليد ويكفيه من الدليل رؤية نفسه وترتيب أعضائه، فيعلم أنه لابد لهذا الترتيب من مرتّب، ولابد لهذا البناء من بانٍ، وليعلم أنه قد نزل ملكان يصحبانه طول عمره، يكتبان عمله، ويعرضانه على الله. قال ﷾: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٥).
٦ - وثق ابن الجوزي رأيه في ماهية الروح بقوله: "رأيت كثيرًا من الخلق وعالِمًا من العلماء لا ينتهون عن البحث عن أصول الأشياء التي
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٩، سورة آل عمران، الآية ١٣٤.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٦٦، سورة الأنعام، الآية ٩٠.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٢، سورة العصر، الآية ٣.
(٤) سورة الأعلى، الآية ٩.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي، تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر، ص ٥٩، سورة الانفطار، الآيات ١٠ - ١٢.
[ ٤٠٣ ]
أُمروا بعلم جُلها ومن غير بحث عن حقائقها، كالروح مثلًا (١)، فإن الله تعالى سترها بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٢)، فلم يقنعوا، وأخذوا يبحثون عن ماهيتها ولا يقعون بشيء".
٧ - وثق ابن الجوزي رأيه في تربية الإرادة للوقاية من الوقوع في المعصية بقوله: "فكم يتعلق بالزنى من محن لا يفي معشار عشرها بلذة لحظة، منها هتك العرض بين الناس وكشف العورات المحرمة. وخيانة الأخ المسلم في زوجته إن كانت متزوجة وفضيحة المزني بها وهي كأخت له أو بنت. فإن علقت منه ولها زوج الحقته بذلك، وكان هذا الزاني سببًا في ميراث من لا يستحق، ومنع من يستحقّ. ثم يتسلسل ذلك من ولد إلى ولد. وأما سخط الحق سبحانه فمعلوم (٣). قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٤).
٨ - قال ابن الجوزي في معنى المغفرة وما يتبعها من ندم: "مثل أن يعرض له مستحسن فيغلبه الطبع، فيطلق النظر ويتشاغل في حال نظره بالتذاذ الطبع عن تلمُّح معنى النهي، فيكون كالغائب أو كالسكران، فإذا انتبه لنفسه ندم على فعله، فقام الندم بغسل تلك الأوساخ التي كانت كأنها غلطة لم تُقصد .. فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٥). فاما المداوم على تلك النظرة المردّد لها، المصرّ عليها، فكأنه في مقام متعمد للنهي، مبارز بالخلاف، فالعفو يبعد عنه بمقدار إصراره. ومن البعد أن لا يرى الجزاء على ذلك" (٦).
٩ - وثق ابن الجوزي رأيه في العلاج التربوي للذنوب والمعاصي بالآيات وذلك في قوله (٧): "قد أمر الله ﷾ بالتوبة فقال:
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٧٥.
(٢) سورة الإسراء، الآية ٨٥.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤١٦.
(٤) سورة الإسراء، الآية ٣٢.
(٥) سورة الأعراف، الآية ٢٠١.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٩.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٢٤.
[ ٤٠٤ ]
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (١). ووعد بالقبول، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٢). وفتح باب الرجاء فقال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٣).
١٠ - وثق ابن الجوزي رأيه في خلق الإِنسان بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (٤). المراد بالإِنسان هاهنا آدم -﵇-. . . ." (٥).
١١ - وثق ابن الجوزي علاجه التربوي للفرح الضارّ بالآية في قوله: "ومتى قويت غفلة الفرح حملت إلى الأَشر والبطر، ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٦)، يعني الأشرين الذين خرجوا بالفرح إلى البطر" (٧).
١٢ - وثّق ابن الجوزي رأيه التربوي للإعلاء من الحاجة الفطرية للبالغ بالآية الكريمة فقال: ويغضّ طرفه (٨)؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٩).
١٣ - قال ابن الجوزي في عاطفتي الحب والخوف: "تأملت قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١٠). فإذا النفس تأبى إثبات محبة للخالق توجب قلقا، وقالت: محبته طاعته، فتدبرت ذلك، فإذا بها قد جهلت ذلك لغلبة الحس. وبيان هذا: أن محبة الحسّ لا تتعدى الصور الذاتية، ومحبة العلم والعمل ترى الصور المعنوية فتحبها" (١١).
_________________
(١) سورة النور، الآية ٣١.
(٢) سورة الشورى، الآية ٢٥.
(٣) سورة الزمر، الآية ٥٣.
(٤) سورة المؤمنون، الآية ١٢.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ١٥٨.
(٦) سورة القصص، الآية ٧٦.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢٥ - ١٢٦.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". من كتاب التحفة البهية والطرفة الشهية. ص ٦٠.
(٩) سورة النور، الآية ٣٠.
(١٠) سورة المائدة، الآية ٥٤.
(١١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٤.
[ ٤٠٥ ]
١٤ - قال ابن الجوزي في مقامات المحبة: "وعلى قدر رؤية الصانع في المصنوع يقع الحب له، فإن قوي أوجب قلقًا وشوقًا. وإن مال بالعارف إلى مقام الهيبة أوجب خوفًا. وإن انحرف به إلى تلمح الكرم أوجب رجاء قويًّا" (١) ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (٢).
١٥ - قال ابن الجوزي في الردّ على شبهة الكافرين بشأن وجود الله -﷿-: ". . . . والعجب أن الذي أوصل إليها اليبس في أكنة لا يلقى جرمها، والذي رطَّبها يلقى جرمها، ثم أنها تبيض ورد الخشخاش وتحمر الشقائق وتحمّض الرمان، وتحلى العنب والماءُ واحد (٣)، وقد أشار المولى إلى هذا بقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ (٤).
١٦ - قال ابن الجوزي في الطهارة المعنوية: "والضرب الثاني: تطهير الجوارح عن الآثام " (٥). قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٦).
١٧ - قال ابن الجوزي في الأخلاق: "قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٧) فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: دين الإِسلام، قاله ابن عباس.
والثاني: أدب القرآن، قاله الحسن.
والثالث: الطبع الكريم" (٨).
١٨ - قال ابن الجوزي في الوسائل المعينة على الصبر: "ومما يقوي الصبر على الحالتين النقل والعقل. أما النقل فالقرآن والسُّنّة، أما القرآن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٥.
(٢) سورة البقرة، الآية ٦٠.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. تلبيس إبليس. ص ٤٣.
(٤) سورة الرعد، الآية ٤.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢١٩.
(٦) سورة الإسراء، الآية ٣٦.
(٧) سورة القلم، الآية ٤.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. زاد المسير في علم التفسير. الجزء الثامن، ص ٣٢٨.
[ ٤٠٦ ]
فمنقسم إلى قسمين، أحدهما بيان سبب إعطاء الكافر والعاصي (١)، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (٢)، ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ (٣). ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ (٤). والقسم الثاني: ابتلاء المؤمن بما يلقى كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (٥)، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ (٦)، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (٧).
١٩ - استدل ابن الجوزي برأيه في التوبة بقول ابن مسعود: التوبة النصوح تكفر كل سيئة (٨). وقرأ الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٩).
٢٠ - وثّق ابن الجوزي رأيه في الوسائل الإيحائية لتقوية الإرادة بآيتين كريمتين وذلك في قوله: "إن يونس -﵇- لما كانت ذخيرته خيرا نجا بها من الشدة. قال الله -﷿-: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٠). أما فرعون فلما لم تكن له ذخيرة خير لم يجد في شدته مخلصًا فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ (١١)، فاجعل لك ذخائر خيرٍ من تقوى تجدْ تأثيرها" (١٢).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٢.
(٢) سورة آل عمران، الآية ١٧٨.
(٣) سورة الزخرف، الآية ٣٣.
(٤) سورة الإسراء، الآية ١٦.
(٥) سورة آل عمران، الآية ١٤٢.
(٦) سورة البقرة، الآية ٢١٤.
(٧) سورة التوبة، الآية ١٦.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٩) سورة التحريم، الآية ٨.
(١٠) سورة الصافات، الآيتان ١٤٣ - ١٤٤.
(١١) سورة يونس، الآية ٩١.
(١٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥٥.
[ ٤٠٧ ]
ب - الآراء التربوية المستقاة من الآيات القرآنية
١ - قال ابن الجوزي في حب التمتع بمتاع الدنيا المتنوع: "وقد يقع الشره في فنون ما يُلتذ به من الأبنية المنقوشة، والخيل المسومة، والملابس الفاخرة، وغير ذلك. وهذا مرض أصله موافقة الهوى" (١).
وهذا المعنى استقاه من قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٢).
٢ - قال ابن الجوزي في أسلوب تهذيب وتقويم النفس البشرية: "ويحبسها -يقصد النفس- في مقام المداراة كالزوجة التي مبني عقلها على الضعف والقلة، فهي تدارَى عند نشوزها بالوعظ، فإن لم تصلح فبالهجر، فإن لم تستقم فبالضرب، وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم" (٣).
وقد اشتق هذا المعنى التربوي والتهذيبي للنفس البشرية من قول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٤).
٣ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التأمل والتفكر في الكون: "ثم اخفض بصرك إلى الأرض تر فجاجها مذللة للتسخير، فامشوا في مناكبها وتفكروا في شربها بعد جدبها بكأس القطر، وتلمّح خروج النبات، يرفُل في ألوان الحلل على اختلاف الصور والطعوم والأراييح" (٥).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٠.
(٢) سورة آل عمران، الآية ١٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٦٧.
(٤) سورة النساء، الآية ٣٤.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٦٠.
[ ٤٠٨ ]
وقد استخدم ابن الجوزي الأسلوب القرآني في الدعوة إلى التأمل والتفكر في الكون وفي مخلوقات الله تعالى، فجاء قوله مشتقًا من قول الله تعالي: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) ونحو ذلك من الآيات الكريمة.
٤ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التفكر في مخلوقات الله: "وانظر إلى انقسام الحيوانات ما بين طائر وماشٍ، وإلهامها ما يصلحها" (٣). وقد اشتق هذا المعنى من قول الله تعالي: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥). ونحوهما من الآيات الكريمة.
٥ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التفكر في الكون: "وانظر بفكرك إلى سعة البحر وتسخير الفُلْك فيه وما فيه من دابة" (٦). وقد اشتق هذا المعنى من قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٨).
_________________
(١) سورة الملك، الآية ١٥.
(٢) سورة النحل، الآيتان ١٠ - ١١.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٦٠.
(٤) سورة النور، الآية ٤٥.
(٥) سورة الأنعام، الآية ٣٨.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٦٠.
(٧) سورة الجاثية، الآية ١٢.
(٨) سورة البقرة، الآية ١٦٤.
[ ٤٠٩ ]
٦ - قال ابن الجوزي في الدعوة إلى التفكر في خلق النفس البشرية: "من أكبر الأدلة على وجود الخالق ﷾ هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها فقد دبّرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع في المصنوع" (١).
وقد اشتق هذا المعنى من دعوة الله تعالى الناس للنظر في خلق النفس البشرية كما في هذه الآية الكريمة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢). وهناك آيات أُخرى في هذا المعنى.
٧ - قال ابن الجوزي في طبيعة خلق الإنسان: "أنشأ الله الأبدان من النطف، وحفظ فيها المهج، ونَوَّرَ العيون فأحَسن في تركيبها الدَّعج، وأنطق اللسان، فأبان سبل المراد ونهج، وعلم الإِنسان البيان، فإذا خاصم فلج" (٣).
وقد اشتق هذه المعاني من قول الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٥) ونحوهما من الآيات الكريمة.
جـ - الآراء التربوية المستقاة من قصص الأنبياء:
قال ابن الجوزي: "ونوح سأل في ابنه فلم يُعطَ مراده، والخليل ابتُلي بالنار، وإسماعيل بالذبح، ويعقوب بفقد الولد، ويوسف بمجاهدة الهوى، وأيوب بالبلاء، وداود وسليمان بالفتنة، وجميعُ الأنبياء على هذا" (٦).
وقد بنى ابن الجوزي قوله هذا على القصص القرآني، الذي قصّ
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٥٣.
(٢) سورة فصلت، الآية ٥٣.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ١٥٧.
(٤) سورة عبس، الآيات ١٧ - ١٩.
(٥) سورة الرحمن، الآيات ١ - ٤.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٨٨.
[ ٤١٠ ]
ابتلاء الأنبياء -﵈-. قال الله تعالى في نوح -﵇-: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١).
وقال تعالى في إبراهيم -﵇-: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢).
وقال الله تعالى في ذبح إسماعيل -﵇-: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ (٣).
وقال الله تعالى في يعقوب -﵇-: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٤).
وقال الله تعالى في مجاهدة يوسف للهوى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٥).
وقال الله تعالى في أيوب -﵇-: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٦).
وقال الله تعالى في فتنة داود -﵇-: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٧).
_________________
(١) سورة هود، الآيتان ٤٥ - ٤٦.
(٢) سورة الأنبياء، الآيتان ٦٨ - ٦٩.
(٣) سورة الصافات، الآيات ١٠٢ - ١٠٦.
(٤) سورة يوسف، الآية ٨٤.
(٥) سورة يوسف، الآية ٣٣.
(٦) سورة الأنبياء، الآية ٨٣.
(٧) سورة ص، الآية ٢٤.
[ ٤١١ ]
وقال تعالى في فتنة سليمان -﵇- ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (١).
وهكذا رأينا كيف برزت ثقافة ابن الجوزي القرآنية في أسلوبه واضحة متلونة، حيث ظهرت الآيات القرآنية وسيلة من وسائل الاستدلال على صحة الفكرة وعمقها، فتارة تبرز لنا ألفاظ القرآن بحللها القشيبة تزدان بها سطور الكلام بشكلٍ مباشرٍ وصريح، وتارة يستقي من روح القصص القرآني ما تغني فيه الإشارة عن العبارة، والإجمال عن التفصيل -كما مر بنا- في ذكره لإشاراتٍ مقتضبةٍ إلى قصص الأنبياء، ورابعةً يكون أسلوبه بطرقٍ قرآنيةٍ بديعةٍ في لفت النظر، وتوجيه الفكر كما رأينا في التوجيه إلى التأمل في السموات والأرض، أو الإشارة إلى مناحي التعامل مع الزوجة الناشز، كل ذلك استقاء من روح الآيات لا استدلالًا صريحًا وكل ذلك بأسلوب واضحٍ بسيطٍ.