إن السبب الرئيسي في ضعف العقيدة الإِسلامية لدى الناشئة، وانعدام تأثيرها في سلوك وخلق المسلمين، ناتج من ضعف التلقي والتلقين لهذه العقيدة ومبادئها، فتفقد بذلك روحها وجوهرها المؤثر في النفوس، ويغلب عليها الطابع الآلي الجامد، فتتحول العبادات الحيوية إلى عادات تقليدية لا روح فيها. قال ابن الجوزي: "تأملت على أكثر الناس عباداتهم فإذا هي عادات" (٢). قال أيضًا: "رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع، فهم يستوحشون من فعل الشيء لعدم جريان العادة لا لنهي الشرع" (٣).
ومن أهم أسباب انتشار التلقين الصوري، الخالي من المعاني الحقيقية للعبادات والقيم الإِسلامية، هم الآباء الذين يلقنون أبناءهم تلك الشعائر من دون استشعار لما فيها من المعاني السامية، والحكم البليغة، وفي ذلك ينتقدهم ابن الجوزي بقوله: "ورأيت أحد العوام يشغل ولده حين ينشأ بالمعاش، ولا يعلّمه واجبات العبادات ولوازم المعاملات، فيتقلب الولد
_________________
(١) مرجع سابق، يالجن، د. مقداد. جوانب التربية الإسلامية الأساسية. ص ١٤٤.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٩٧.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٣٠.
[ ٣٢٤ ]
في طلب الدنيا، ولا يعلم أخبار الآخرة، ولا يعرف فرضًا من الفرائض" (١).
ونتيجة هذا الفهم القاصر لظاهر المنهج الإسلامي كله، وانحصاره في عبادات تقليدية لا روح فيها، ولا خلق ولا سلوك، نشأت في الأُمّة الإِسلامية أجيال ضعيفة الإيمان، سطحية التفكير، تافهة الاهتمامات، تعيش حياتها في حيرة واضطراب وخواء. لذلك لابد من تغيير هذه الطريقة التقليدية العقيمة، التي تعطل طاقات الأفراد، وتسلبهم الاستمتاع بنعمة الإيمان، ويجب أن يستبدل بها طريقة عملية فعالة توقظ القلوب، وتحرك العقول، وتهذب السلوك، وهذا لن يتم إلا من أصحاب الهمم العالية الذين فهموا حقيقة الإيمان واستشعروا ما فيه من حيوية وعظمة وسمو.