تأثر ابن الجوزي بالشيوخ الذين تلقى عنهم مختلف العلوم، ولاسيما العامل بعلمه منهم، فقال: "أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه وإن كان غيره أعلم منه" (١)، لذلك كان لا يهتم بكثرة عدد المشايخ، بل يهتم بدرجة إتقانهم وتمكنهم من العلم، وقد عبر عن رأيه ذلك قائلًا: "حملني شيخنا ابن ناصر إلى الأشياخ في الصغر وأسمعني العوالي، وقد أثبتَ سماعاتي كلها بخطه، وأخذ لي إجازات منهم، فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم وأوثر من أرباب النقل أفهمهم، فكانت همتي تجويد العُدَد لا تكثير العدد" (٢)، وعلى الرغم من ذلك، فإن ابن الجوزي أخذ عن "ستة وثمانين شيخًا وثلاث شيخات من النساء" (٣)، إلا أنه تأثر بشخصية اثنين من العلماء منهم الشيخ عبد الوهاب الأنماطي (٤)، الذي قال فيه ابن الجوزي: "إنه كان على قانون
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٤٣.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. مشيخة ابن الجوزي. (تحقيق) محفوظ، محمد، ص ٥٣.
(٣) المرجع السابق، ص ١٩٧ - ٢٠١.
(٤) هو عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي، الحافظ أبو البركات، محدِّث بغداد، ولد في رجب سنة (٤٦٢ هـ)، وذكره ابن السمعاني، فقال: حافظ ثقة، واسع الرواية، جمع الفوائد وخرَّج التخاريج، لعله ما بقى جزء مروي إلا وقد قرأه، وحصل نسخته، ونسخ الكتب الكبار مثل الطبقات لابن سعد، وتاريخ الخطيب وكان متفرغًا للتحديث: إما أن يقرأ عليه أو ينسخ شيئًا، وتوفي في سنة (٥٣٨ هـ). انظر ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ٢٠٢.
[ ٨٩ ]
السلف لم تُسمع في مجلسه غيبة ولا كان يطلب أجرًا على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه فكان -وأنا صغير السن حينئذ- يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل" (١).
أما الشخصية الثانية فهو الشيخ أبو منصور الجواليقي (٢)، الذي قال بشأنه ابن الجوزي: "فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول، متقنًا محققًا. وربما سئل المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن. وكان كثير الصوم والصمت، فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما" (٣).
كما تأثر ابن الجوزي بالإمام الغزالي، على الرغم من أنه توفي سنة ٥٠٥ هـ قبل ولادته بخمس سنوات تقريبًا. وتأثر ابن الجوزي بالغزالي جاء نتيجة قراءته واطلاعه على مؤلفاته التي قال عنها: "وصنف الكتب الحسان في الأصول والفروع التي انفرد بحسن وضعها وترتيبها وتحقيق الكلام فيها حتى إنه صنف في حياة أستاذه الجويني (٤)، فنظر الجويني في كتابه المسمى بـ المنخول فقال له: دفنتني وأنا حي هلا صبرت حتى
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٤٣.
(٢) سبق ترجمته في الباب الثاني، الفصل الأول، ص ٥٦.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٤٣.
(٤) هو عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه، أبو المعالي الجويني، وجوين من قرى نيسابور، الملقب بإمام الحرمين، لمجاورته بمكة أربع سنين، كان مولده في سنة (٤١٩ هـ)، سمع الحديث وتفقه على والده الشيخ أبي محمد الجويني، ودرَّس بعده في حلقته، وتفقه على القاضي حسين، ودخل بغداد وتفقه بها، وروى الحديث وخرج إلى مكة فجاور فيها أربع سنين، ثم عاد إلى نيسابور فسلم إليه التدريس والخطابة والوعظ، وصنف نهاية المطلب فى دراية المذهب. والبرهان في أصول الفقه، وغير ذلك في علوم شتى. توفي في الخامس والعشرين من ربيع الأول من سنة (٤٧٨ هـ). انظر ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثاني عشر، ص ١٢٨.
[ ٩٠ ]
أموت؟ وأراد أن كتابك قد غطى على كتابي" (١).
وقد سار ابن الجوزي في تأليف بعض كتبه على نهج الإمام الغزالي، مثال: رسالته لابنه لفتة الكبد إلى نصيحة الولد، ورسالة الغزالي أيها الولد، وكما في كتابه تلبيس إبليس الذي قال عنه الغزالي: "ولعلنا إن أمهل الزمان صنفنا فيه كتابًا على الخصوص نسميه تلبيس إبليس، فإنه قد انتشر الآن تلبيسه في البلاد والعباد لاسيما في المذاهب والاعتقادات حتى لم يبق من الخيرات إلا رسمها، كل ذلك إذعانًا لتلبيسات الشيطان ومكايده" (٢)، على الرغم من أن ابن الجوزي لم يشر إلي ذلك. ولم يكتف ابن الجوزي بالسير على النهج نفسه في التأليف بل كان يقتبس بعض الآراء بعباراتها الحرفية دون إسنادها إلى الإمام الغزالي، كما حصل عند بيان رأيه في الروح: "إن الروح في ذاته جوهر لا يتجزأ ولا يموت، وقدره جوهر لا قيمة له، وإنما آلات البدن خادم له تعين على السفر، له في زجاجة القلب نار كالسراج، الحياة ضوؤها والدم دهنها، والحركة نورها، والشهوة حرارتها، والغضب دخانها، وقد اتخذ من مقدم الدماغ حارسًا، ومن وسطه وزيرًا، ومن مؤخره حافظًا، وجعل العقل أستاذًا، والحس تلميذًا، وفرق الأعضاء في خدمته رجالًا وركبانًا" (٣).
ولبيان مدى التشابه في اقتباس الفكرة والألفاظ، نعرض كلام الغزالي، فهو يقول: "والروح الحيواني جسم لطيف، كأنه سراج مشتعل، والحياة هي السراج، والدم دهنه، والحس والحركة نوره، والشهوة حرارته، والغضب دخانه، والقوة الطالبة للغذاء الساكنة في الكبد خادمه وحارسه ووكيله. وهذا الروح يوجد عند جميع الحيوانات. لأنه مشترك
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتطم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء التاسع، ص ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) الغزالي، الإمام أبو حامد، محمد بن محمد. إحيا علوم الدين. بيروت، دار الفكر، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، الجزء الثالث، ص ٣٣.
(٣) ابن الجوزي. كتاب اللطف فى الوعظ. بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٤ م، ص ٨١ - ٨٢.
[ ٩١ ]
بين البهائم وسائر الحيوانات والإنسان" (١).
تأثر ابن الجوزي بالغزالي واضح إلا أنه نقد طريقته في التصوف عندما ترجمه في المنتظم مع ذكر فضائله (٢) ونقده كذلك في كتابه تلبيس إبليس قائلًا: "وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب الإحياء على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه وقال: "إن المراد بالكواكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله -﷿- ولم يرد هذه المعروفات. وهذا من جنس كلام الباطنية" (٣). كذلك نقده ابن الجوزي في موضوعات عدة منها العزلة، السياحة والتجرد عن الأموال، محاربة النفس، الغناء والتشبب بالجمال، والتوكل وترك الأسباب، وقد ردَّ عليها بما يتفق مع الكتاب والسنة. ولا يسعنا في هذا المجال أن نوضح ذلك بالتفصيل ومن أراد التفصيل والزيادة يمكنه الرجوع إلى رسالة الدكتوراه للباحثة آمنة محمد نُصير، بعنوان: أبو الفرج ابن الجوزي آراؤه الكلامية والأخلاقية (٤).