ناقشنا في الفصل الأول من هذا الباب، رأي ابن الجوزي في الطبيعة البشرية من جوانب عدة، وفي هذا الفصل سنتابع رأيه في مراحل النمو الإنساني، ثم نقوم بتحليلها وتقويمها من حيث المنظور التربوي الإِسلامي، ومن حيث ما أثبته العلم الحديث وذلك حسب ما تقتضيه الدراسة.
وقد قسم ابن الجوزي مراحل النمو الإنساني إلى ست مراحل هي:
المرحلة الأولى: تبدأ من حدوث الحمل وتنتهي بالولادة. وهذه المرحلة لم يذكرها ابن الجوزي بصراحةٍ، ولكنه تعرض لذكرها في مواضع مختلفةٍ من مؤلفاته، ستذكر في حينها.
أما المراحل الخمس الباقية، فقد أسماها بالمواسم، وهي كما أوردها ابن الجوزي:
"الموسم الأول: من وقت الولادة إلى زمن البلوغ.
والموسم الثاني: من زمن البلوغ إلى خمسٍ وثلاثين سنةٍ وهي زمن الشباب.
والموسم الثالث: من ذلك الزمن إلى تمام الخمسين سنة، وذلك زمن الكهولة، وقد يقال كهل لما قبل ذلك.
[ ١٩٣ ]
والموسم الرابع: من بعد الخمسين إلى تمام السبعين، وذلك زمن الشيخوخة.
والموسم الخامس: ما بعد السبعين إلى تمام العمر وهو زمن الهرم" (١).
وهذا التقسيم الذي وضعه ابن الجوزي لمراحل النمو الإنساني، يتفق إلى حدٍ كبيرٍ مع معظم تقسيمات المربين المسلمين وغيرهم من الغربيين، لذلك سأورد التقسيمات الأساسية لمراحل النمو، بناءً على تقسيم ابن الجوزي، وما يقابله في علم النفس التكويني الحديث أو يختلف عنه.
أولًا: المرحلة الأُولى: تبدأ من حدوث الحمل وتنتهي بالولادة. اتفق في هذا التحديد ابن الجوزي مع علم النفس التكويني (٢).
ثانيا: المرحلة الثانية: وتمثل الموسم الأول عند ابن الجوزي وزمنها: من وقت الولادة إلى زمن البلوغ، ويتضمن مرحلة الطفولة، ويقسم علم نفس النمو هذه المرحلة إلى:
١ - مرحلة الطفولة المبكرة وتتضمن:
أ - مرحلة المهد: من الولادة إلى أسبوعين
ومرحلة الرضاع: من الولادة إلى نهاية السنة الثانية.
ب - مرحلة الحضانة: من السنة الثانية إلى نهاية العام الخامس أو السادس.
٢ - مرحلة الطفولة المتوسطة: من ٦ - ٩ سنوات، الثلاث سنوات الأولى من المرحلة الابتدائية.
٣ - مرحلة الطفولة المتأخرة: من ٩ - ١٢ سنة، الثلاث سنوات
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". من كتاب التحفة البهية والطرفة الشهية. ص ٥٧ - ٥٨.
(٢) زهران، د. حامد، عبد السلام. علم نفس النمو. القاهرة، عالم الكتب، الطبعة الرابعة، ١٩٧٧ م، ص ٩٩.
[ ١٩٤ ]
الأخرى من المرحلة الابتدائية.
ثالثًا: المرحلة الثالثة: وتمثل الموسم الثاني عند ابن الجوزي، ووقتها من زمن البلوغ إلى خمس وثلاثين سنة، وهو زمن الشباب، ويُفهم من هذا أنه قسم هذه المرحلة إلى قسمين:
المرحلة الأُولى: مرحلة البلوغ.
المرحلة الثانية: مرحلة الشباب.
ويقسم علم نفس النمو (١) هذه المرحلة إلى:
أ - مرحلة المراهقة المبكرة من ١٢ - ١٣ - ١٤ (المرحلة الإعدادية).
ب - مرحلة المراهقة الوسطى من ١٥ - ١٦ - ١٧ (المرحلة الثانوية).
جـ - مرحلة المراهقة الأخيرة من ١٨ - ١٩ - ٢٠ - ٢١ (المرحلة الجامعية).
وقد أضاف ابن الجوزي إلى هذه المرحلة، مرحلة الشباب من ٢١ - ٣٥ سنة وإن كانت مرحلة الشباب في علم النفس من ٢١ - ٤٠ سنة، وهي مرحلة مستقلة عن مرحلة المراهقة.
رابعًا: المرحلة الرابعة: وتمثل الموسم الثالث عند ابن الجوزي، ووقتها كما قال: "من ذلك الزمن إلى تمام الخمسين سنة، وذلك زمن الكهولة". أي من ٣٥ - ٥٠ سنة.
وتقسيم هذه المرحلة حسب علم نفس النمو (٢) من ٤٠ - ٦٠ سنة، وتمثل مرحلة الكهولة، وهذا التقسيم يختلف عن تقسيم ابن الجوزي.
خامسًا: المرحلة الخامسة: وتمثل الموسم الرابع عند ابن الجوزي،
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٦٢.
(٢) السيد، د. فؤاد، البهي. الأسس النفسية للنمو. الطبعة الرابعة، ١٩٧٥ م، دون ناشر ص ٣٣٥.
[ ١٩٥ ]
ووقتها من بعد الخمسين إلى تمام السبعين وذلك زمن الشيخوخة. وتقسيم هذه المرحلة حسب علم نفس النمو (١) من ٦٠ إلى الموت، وتمثل مرحلة الشيخوخة. وفي هذه المرحلة يختلف تقسيم ابن الجوزي عن علم نفس النمو.
سادسًا: المرحلة السادسة: وتمثل الموسم الخامس عند ابن الجوزي، ووقتها من بعد السبعين إلى تمام العمر وهو زمن الهرم. وهذه المرحلة تقع في علم نفس النمو ضمن مرحلة الشيخوخة المتأخرة، وتمتد من ٧٥ سنة إلى نهاية العمر" (٢).
وهكذا نجد أن هناك اختلافًا من وجهة نظر ابن الجوزي عن علم نفس النمو وذلك في بعض المراحل، ولاسيما في مرحلة الشباب والشيخوخة والهرم.
وسنناقش مراحل النمو كما حددها ابن الجوزي في ضوء المنهج التربوي الإسلامي وهي كما يأتي:
أ - رأي ابن الجوزي في مرحلة ما قبل الولادة:
وهذه المرحلة هي التي لم يذكرها ابن الجوزي تصريحًا في رسالته تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر ولكنه تعرض لذكرها في بعض مؤلفاته، ومن المعروف أن هناك عوامل تؤثر في نمو الطفل الجسمي والنفسي والخلقي وهو في بطن أمه، وهذه العوامل قد تكون إيجابية وقد تكون سلبيةً، منها على سبيل المثال: الاهتمام بجميع النواحي النفسية والصحية والعلاقات الاجتماعية بالأم حتى لا ينعكس شيء من المؤثرات الضارة على الجنين، وهذه المؤثرات التربوية والنفسية لم يذكرها ابن الجوزي، لأنه كتب عن التربية بعمومياتها ولم يكتبها بدقة كما حددها بعض علماء التربية المسلمين أمثال الغزالي وابن قيم الجوزية .. الخ. لذلك سنعرض الآراء التي ذكرها.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٣٥.
(٢) المرجع السابق، ص ٣٣٥.
[ ١٩٦ ]
وقد قسم ابن الجوزي هذه المرحلة إلى مرحلتين:
١ - مرحلة اختيار الزوجة الصالحة.
٢ - مرحلة تكوين الجنين.
وسنناقش كلَّ مرحلةٍ في ضوء آراء ابن الجوزي.
١ - مرحلة اختيار الزوجة الصالحة:
لأهمية وخطورة دور المرأة المسلمة في تربية الأجيال، فقد ألف ابن الجوزي كتابًا أسماه أحكام النساء، وذكر فيه ما يتعلق بالأحكام الخاصة بالمرأة من عقائد وعباداتٍ ومعاملاتٍ وآداب، وسيرة وقد دفعته الرغبة في بيان العلم الصحيح الخاص بالنساء، لحاجتهن لذلك، فقال: "رأيت النساء أحوج إلى التنبيه من هذه الرفدة من الرجال، لبعدهن عن العلم، وغلبة الهوى عليهن بالطبع، فإن الصَّبِيَّة في الغالب تنشأ في مخدعها لا تلقن القرآن ولا تعرف الطهارة من الحيض، ولا تعلم أيضًا أركان الصلاة، ولا تحُدَّث قبل التزويج بحقوق الزوج. . . الخ" (١).
ونتيجةً لجهل الآباء والأمهات بالحقوق والواجبات والأحكام الشرعية، فقد أثر ذلك في تربيتهم لأبنائهم، فقال ابن الجوزي في ذلك: "ورأيت أحد العوام يشغل ولده حين ينشأ بالمعاش، ولا يعلّمه واجبات العبادة ولوازم المعاملات، فيتقلب الولد في طلب الدنيا، ولا يعلم أخبار الآخرة، ولا يعرف فرضًا من الفرائض، ولا يردّ لجامَه عن الهوى ألفُ رائض، فإن أفلح وحضر مجلسًا من مجالس القُصَّاص، فربما سمع منهم أحاديث الرخص الباطلة، فخرج مصرًّا على الذنوب، ويقول: ربي كريم .. الخ" (٢).
وحتى ينشأ الأبناء في بيئةٍ أسريةٍ صالحةٍ، عارفةٍ بالأحكام، ملمةٍ بالأركان، مدركةٍ للواجبات الإِسلامية، كان لابد من الاختيار السليم
_________________
(١) ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. أحكام النساء. بيروت، دار الكب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، ص ٤.
(٢) المرجع السابق، ص ٣.
[ ١٩٧ ]
للزوجة الصالحة الواعية المتفهمة لأمور دينها من جميع الجوانب، حتى تستطيع أن تربي أبناءها على علمٍ وهدى وبصيرة.
وقد أكد ابن الجوزي أهمية اختيار الزوجة على أساس الدين، مستشهدًا بقول الرسول - ﷺ -: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (١). وقوله - ﷺ -: "ثلاث من السعادة وثلاث من الشقاوة، فمن السعادة المرأة تراها تعجبك وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك والدابة تكون وطية فتلحقك بأصحابك والدار تكون واسعة كثيرة المرافق ومن الشقاوة المرأة تراها فتسوءك وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك والدابة تكون قطوفًا، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركبها لم تلحقك بأصحابك والدار تكون ضيقة قليلة المرافق" (٢).
كذلك أكد أثر عاملي الفطرة والوراثة في تربية الطفل وتأديبه، فبين أن كل إنسان يولد على فطرته السليمة التي خلقه الله تعالى عليها، ما يطرأ عليها بعد ذلك ناتج من عوامل البيئة والوراثة، فقال: "الأصل في الأمزجة الصحة، والعلل طارئة، وكل مولود يولد على الفطرة" (٣). وقد اشتق هذا المعنى من قول الرسول - ﷺ -: "ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة. فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه، كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمةً جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء" (٤).
_________________
(١) مرجع سابق، النيسابوري، أبو الحسين، مسلم. صحيح مسلم. (تحقيق) عبد الباقي، محمد، فؤاد، الجزء الثاني، ص ١٠٨٦، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، حديث رقم ١٤٦٦.
(٢) النيسابوري، أبو عبد الله، الحاكم. المستدرك على الصحيحين. وبذيله. التلخيص. للحافظ الذهبي (إشراف) المرعشلي، د. يوسف، عبد الرحمن، بيروت: دار المعرفة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م، الجزء الثاني، ص ١٦٢، كتاب النكاح، باب ثلاث من السعادة وثلاث من الشقاوة.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣١.
(٤) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠٤٧، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يرلد عل الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، حديث رقم ٢٦٥٨. معنى "كما تنتج البهيمة بهيمة: كما تلد البهيمة
[ ١٩٨ ]
وقد رأى ابن الجوزي أن التربية لن تثمر ما لم يكن الطبع والاستعداد موجودين في الطفل، فقال: "والله ما ينفع تأديب الولد إذا لم يسبق اختيار الخالق لذلك الولد" (١).
كذلك بيَّن أن الخصائص الوراثية الجيدة، تساعد في عملية التربية وإكساب الطفل القيم والأخلاقيات بأقل جهدٍ وبسهولةٍ ويسر، فيقول في ذلك: "وأقل الرياضة فيه يؤثر، كما ينفع المسنُّ الفولاذ ولا ينفع الحديد" (٢). أما إذا كانت الصفات الوراثية ضعيفةً، فإن التربية لا تستطيع أن توجد أو تغير من هذه الصفات، فإن مهمة التربية مساعدة كل فرد حسب نموه وخصائصه المختلفة التي يتصف بها على الوصول إلى أفضل مستوى يمكن أن يصله من خلال ما هو كائن. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إن الرياضة [بمعنى التربية] لا تصلح إلا في نجيب، والكودن (٣) لا تنفعه الرياضة، والسبع وإن ربِّي صغيرًا لا يترك الافتراس إذا كبر" (٤) وقوله يدل على أن التربية -مهما حاولت- بكل أساليبها وطرقها، أن تجعل من السبع حيوانًا أليفًا، فإنها لا تستطيع أن تغير أصل طبيعته من كونه حيوانًا مفترسًا، لأنه بعد عملية التربية في صغره يعود إلى أصله في الافتراس إذا كبر. وهذا الرأي يحتاج إلى تفصيل لأن فكرته غير سليمة تربويًّا.
كذلك رغَّب ابن الجوزي في اختيار المرأة البكر، فقال: "فأصلح
_________________
(١) = بهيمة جمعاء، أي مجتمعة الأعضاء، سليمة من نقص. لا توجد فيها جدعاء، وهي مقطوعة الأذن أو غيرها من الأعضاء. ومعناه أن البهيمة تلد بهيمة كاملة الأعضاء لا نقص فيها. وإنما يحدث فيها الجدع والنقص عند ولادتها". المرجع نفسه.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٥٢.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٨.
(٤) الكودن: "قيل البغل، البرذون. والكودني من الفيلة أيضًا. الجوهري: الكودن البرذون يُوصف ويشبه به البليد" مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثالث عشر، ص ٣٥٦.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣١.
[ ١٩٩ ]
الأمور أن يتزوج الرجل البكر التي لم تعرف سواه" (١)، وهذا موافق لقول الرسول - ﷺ - وإن لم يستشهد به هنا ابن الجوزي. عندما سأل جابرَ بنَ عبد الله عمن تزوجَ: أبكرًا أم ثيبًا؟ فأجابه: ثيبًا فقال - ﷺ -: فهلا جاريةً تلاعبُها وتلاعبُك" (٢). وقوله - ﷺ - عندما سألتِ السيدهُ عائشةُ -﵂-: يا رسولَ الله لو نزلتَ واديًا وفيه شجرةٌ قد أُكلَ منها، ووجدت شجرًا لم يؤكَل منها، في أيِّها كنت تُرتعُ بعيرَك؟ قال: في التي لم يُرتعْ مِنها. يعني أن رسولَ الله - ﷺ - لم يتزوجْ بكرًا غيرَها (٣).
كذلك على المرأة أن تختار الزوج الصالح -وهذه لم يذكرها ابن الجوزي- ولكن ذُكرت هنا لتكملة الاختيار الصحيح من الطرفين على أن يكون المعيار الصلاح والخلق لا المال والجاه لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤). وقوله - ﷺ -: "إذا جاءكم من ترضون دينَه وخلقَه فأَنكِحوه إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرضِ وفساد" (٥).
فإذا تم الاختيار على أساس صحيح من جميع النواحي الدينية، والاجتماعية، والخلقية والعقلية، والنفسية، تم الزواج على حسب الشريعة الإِسلامية الغراء، ومنها نصل إلى المرحلة الثانية.
٢ - مرحلة تكوين الجنين:
وتبدأ هذه المرحلة من حدوث الحمل، وتنتهي بالولادة. وقد
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٣٥.
(٢) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء التاسع، ص ١٢١، كتاب النكاح، باب تزويج الثيبات، حديث رقم ٥٠٧٩.
(٣) المرجع السابق، الجزء التاسع، ص ١٢٠، كتاب النكاح، باب نكاح الأبكار، حديث رقم ٥٠٧٧.
(٤) سورة النور، الآية ٣٢.
(٥) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح. وهو. سنن الترمذي. الجزء الثالث، ص ٣٨٦، كتاب النكاح، باب ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، حديث رقم ١٠٨٥.
[ ٢٠٠ ]
وصف ابن الجوزي مراحل خلق الإنسان في بطن أمه، وصفًا علميًّا في مجمله، مستندًا إلى الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وإن كان يفتقد الدقة العلمية في بعض ألفاظه ومعلوماته. وهذا شيء يعذر فيه لأن كثيرًا من الحقائق العلمية في هذا المجال لم تكتشف في عصره، وإن كان تدبر القرآن الكريم وفهمه العميق من قبل ابن الجوزي -وغيره من العلماء المسلمين- قد صحح معلوماتهم وأوصلهم إلى معلومات علمية في مجملها، تتفق مع ما وصل إليه العلم الحديث من خلال مشاهداته الدقيقة المستمرة المتتابعة بواسطة الأجهزة المكبرة ذات القدرة العالية جدًا على التكبير.
والآن سنقوم بعرض مراحل نمو الجنين، من خلال آراء ابن الجوزي مقارنة بالكتابات العلمية في هذا المجال.
قال ابن الجوزي: "أول الأحوال الحادثة في المني أن يكون له زبد، ثم يوجد النفخ مندفعًا إلى وسط الرطوبة، إعدادًا لمكان القلب، ثم تتميز الأعضاء، ويتنحى بعضها عن مماسة بعض، ويحيط بالجنين ثلاثة أغشيةٍ: غشاء تنسج فيه العروق، وغشاء ينصب فيه بول الجنين، وغشاء يجمع الرطوبة التي ترشح من الجنين" (١).
ولتحليل هذا الرأي في ضوء علم الأجنة، من خلال قول ابن الجوزي: "أول الأحوال الحادثة في المني أن يكون له زبد ثم يوجد النفخ مندفعًا إلى وسط الرطوبة، إعدادًا لمكان القلب، ثم تتميز الأعضاء ويتنحى بعضها عن مماسة بعض".
يغلب على عبارة ابن الجوزي البعد عن الدقة العلمية في لفظة يوجد النفخ، لأن المني يكون له زبد أو رغوة، ويكون مندفعًا ليس له نفخ، وفي ذلك يقول د. محمد البار: "فالحيوان المنوي صغير الحجم يشبه القذيفة الصاروخية، وله رأس مصفح مدبب، وله ذيل طويل
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى، الجزء الثاني، ص ١٥٩.
[ ٢٠١ ]
يساعده على السباحة في بحر المني .. وهو سريع الحركة، قوي الشكيمة، شديد البأس، وهو ينطلق عبر المفاوز والمخاطر غير هياب ولا وجل، حتى يصل إلى بغيته ومقصده أو يموت" (١). فإذا وصل إلى بغيته ومقصده وهو الوصول إلى بويضة المرأة والاتحاد معها، وبذلك يتم التلقيح "تنقسم البويضة الملقحة إلى خليتين، والخليتان إلى أربع، وهكذا حتى تصبح مثل التوتة في خلال (٧٢) ساعة منذ بداية التلقيح وتسمى مرحلة الانقسام هذه مرحلة الانشقاق فإذا وصلت إلى مرحلة التوتة، كبرت الكرة قليلًا وصار ما بداخلها مجوفًا وبه سائل رقيق، وعندئذ تعرف باسم الكرة الجرثومية" (٢).
أما قول ابن الجوزي: "ويحيط بالجنين ثلاثة أغشيةٍ: غشاء تُنسج فيه العروق، وغشاء ينصب فيه بول الجنين، وغشاء مجمع الرطوبة التي ترشح من الجنين". فقد أكد ذلك علم الأجنة الحديث، فقال في ذلك د. محمد البار: "وإذا دققنا النظر في الأغشية المحيطة بالجنين وجدناها ثلاثة:
١ - غشاء السلي أو الأمنيون: ويحيط بالجنين مباشرة.
٢ - غشاء الكوريون. (الغشاء المشيمي).
٣ - غشاء الساقط" (٣).
وقد بين ابن الجوزي وظيفة كل غشاء وفائدته للجنين، فقال: "غشاء تنسج فيه العروق"، ويوافقه حسب علم الأجنة من حيث الوظيفة غشاء الكوريون (الغشاء المشيمي)، وهذا الغشاء يحيط بالجنين، "ويتوسط بين غشاء الساقط من الخارج والغشاء الأمنيوسي من الداخل، ويتركب هذا الغشاء من ورقتين هما:
_________________
(١) البار، د. محمد، علي. خلق الإنسان بين الطب والقرآن. جدة، الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ -١٩٨٠ م، ص ٨٠.
(٢) البار، د. محمد، علي. الوجيز في علم الأجنة القرآني. جدة، الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، ص ٣٤.
(٣) مرجع سابق، البار. خلق الإنسان بين الطب والقرآن. ص ٢٠٣.
[ ٢٠٢ ]
١ - خارجية: وبها زغابات وخملات كثيرة تنتقل بواسطتها الأغذية والأوكسجين من الأم إلى الجنين كما ينتقل غاز ثاني أكسيد الكربون والبولينا من الجنين إلى دم الأم.
٢ - داخلية: تغطي كيس المح أو الصفار وتشمل فيما تشمل مبدأ ظهور الأوعية الجنينية الخارجية" (١).
ولا تقتصر وظيفة هذا الغشاء على امتصاص الغذاء من البرك الدموية المحيطة بالجنين، بل "تنتقل المضادات للأجسام الغريبة من الأم إلى الجنين، لتكون للجنين جهاز مناعته، وفي الوقت نفسه تمنع عنه انتقال السموم والميكروبات" (٢).
أما بالنسبة للغشاءين الثاني والثالث، اللذين ذكرهما ابن الجوزي، فلم يكن دقيقًا في تحديد وظيفة كل منهما، وذكر الوظائف نفسها، وإن كان أكثر تحديدًا ودقة في قوله: "وغشاء ينصب فيه بول الجنين"، وهذا ما أثبته علم الأجنة في غشاء السلي أو الأمنيون الذي يحيط بالجنين مباشرةً فينصب فيه بول الجنين، الذي يتغذى منه، لأن من فوائد السائل الأمنيوني أنه "يحتوي على مواد زلالية وسكرية وأملاح غير عضوية، يمتصها الجنين مما يساعد على تغذيته ونموه" (٣).
ومع بداية التلقيح وحدوث الحمل، يمر الإنسان بأطوار ومراحل متعددةٍ:
١ - مرحلة النطفة.
٢ - مرحلة العلقة.
٣ - مرحلة المضغة.
٤ - مرحلة العظام.
٥ - مرحلة اللحم الذي يكسو العظام.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٠٥.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٠٦.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٠٤.
[ ٢٠٣ ]
٦ - مرحلة الخلق الآخر ويتضمن التصوير، والتسوية، ونفخ الروح.
وهذه المراحل مستمدة من قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١).
وقد فسر ابن الجوزي هذه الآيات الخاصة بمراحل نمو الإنسان بقوله: معنى "قوله تعالى: ثم جعلناه: يعني: ابن آدم.
نطفة في قرار: وهو الرحم.
مكين: أي: حريز، قد هُيئ لاستقراره فيه" (٢).
ثم جاء تفسيره لمراحل التخليق على الوجه الآتي:
١ - النطفة
قال ابن الجوزي في تفسيرها: "فأما النطفة فهي المني" (٣). وقد وردت في القرآن الكريم بأسماء عدة منها: الماء المهين، والماء الدافق، والمني.
وقد وضح معناها د. محمد علي البار بقوله: "ويطلق لفظ المني على الإفرازات التناسلية للرجل، والتي تفرزها الخصية والبروستات والحويصلة المنوية .. والمني مكون من شقين:
الأول: هو الحيوانات المنوية التي تتكون في القنوات المنوية في الخصية، وهي ذاتها المسماة بالنطفة.
والثاني: هو السائل المنوي الذي يحمل هذه الحيوانات ويغذيها والتي تسبح فيه حتى تصل إلى الرحم" (٤).
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآيات ١٢ - ١٤.
(٢) ابن الجوزي. زاد المسير في علم التفسير. دمشق، بيروت، المكتب الإِسلامي، للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٣٨٤ هـ -١٩٦٤ م، الجزء الخامس، ص ٤٦٢.
(٣) المرجع السابق، الجزء الخامس، ص ٤٠٦.
(٤) مرجع سابق، البار. خلق الإنسان بين الطب والقرآن. ص ٤٨.
[ ٢٠٤ ]
٢ - العلقة
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ (١) قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ (٢).
والعلقة في علم الأجنة الحديث هي: "المرحلة التي تعلق فيها الكرة الجرثومية بجدار الرحم، وتنتهي بظهور الكتل البدنية، إذ تدلف حينئذ إلى مرحلة المضغة" (٣).
وقد فسر ابن الجوزي معناها بقوله: "والعلقة: دم عبيط. جامد. وقيل: سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، فإذا جفت فليست علقة" (٤).
ولتوضيح رأي ابن الجوزي في معنى العلقة وأنها دم عبيط، فقد وافقه المفسرون القدامى على المعنى نفسه، أما الأطباء المحدثون فقد خالفوه، لأن العلقة ليست دمًا جامدًا، بل هي "المرحلة التي تعلق فيها النطفة الأمشاج (التوتة) بجدار الرحم وتنشب فيه" (٥).
أما قوله: "وسميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به .. "فقد اتفق معه جميع العلماء والأطباء على أن: "لفظ العلقة يطلق أساسًا على كل ما ينشب ويعلق .. وكذلك تفعل العلقة إذ تنشب وتعلق في جدار الرحم وتنغرز فيه. ." (٦).
وكذلك قال د. دياب ود. قرقوز: "وتعلق الكتلة الخلوية علوقًا وليس التصاقًا، بواسطة تلك الاستطالات التي غرستها في مخاطية الرحم" (٧).
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآية ١٤.
(٢) سورة غافر، الآية ٦٧.
(٣) مرجع سابق، البار. الوجيز فى علم الأجنة القرآني. ص ٢٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. زاد المسير في علم التفسير. الجزء الخامس، ص ٤٠٦.
(٥) مرجع سابق، البار. خلق الإنسان بين الطب والقرآن. ص ١٠٦.
(٦) المرجع السابق، ص ١٠٧.
(٧) مرجع سابق، د. دياب، عبد الحميد وقرقوز، د. أحمد. مع الطب في القرآن الكريم. ص ٨١.
[ ٢٠٥ ]
وسبب تفسير ابن الجوزي العلقة بالدم الجامد، لأن "حجم العلقة عند انغرازها لا يزيد على ربع مليمتر" (١) لا تكاد ترى بالعين المجردة، وإمكانيات علمائنا في ذلك الوقت لا تسمح برؤيتها بالمجهر لذلك بعدوا عن الصواب في وصفها.
٣ - المضغة
بين معناها د. محمد علي البار بقوله: "هي مرحلة في علم الأجنة يشبه الجنين فيها في مظهره لقمة ممضوغة، ولكأنما تظهر فيه آثار الأسنان مغروزة" (٢) وقد فسر ابن الجوزي معناها بقوله: "والمغضة: لحمة صغيرة. قال ابن قتيبة: وسميت بذلك، لأنها بقدر ما يمضغ" (٣).
وقد جاء في علم الأجنة، أن هذه المرحلة تعتبر بداية التكوين العضوي، الذي تتميز فيه الأعضاء على شكل كتل بدنية صغيرة، ولاسيما في منطقة الرأس والجذع، وبداية الفقرات والأطراف "وعندما تظهر الكتل البدنية، يبدو الجنين فعلًا مضغة صغيرةً، ويشبه شيئًا ممضوغًا عليه آثار الأسنان" (٤).
٤ - العظام:
٥ - اللحم:
لم يفسر ابن الجوزي مرحلة العظام واللحم كما فعل في المراحل الثلاث السابقة التي طرأت على الجنين، وربما لم يوضح هاتين المرحلتين بسبب تداخلهما، ولأنه كما ثبت من خلال الأبحاث العلمية "أن العظام تبدأ في الظهور في الوقت الذي لا زال الوصف الغالب على الجنين هو المضغة، وتظهر العضلات والعظام لا زالت لم تكتمل بعد، ويظهر الجلد
_________________
(١) مرجع سابق، البار. خلق الإنسان بين الطب والقرآن. ص ١٠٧.
(٢) مرجع سابق، البار. الوجيز في علم الأجنة القرآني. ص ٣٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. زاد المسير في علم التفسير. الجزء الخامس، ص ٤٠٦.
(٤) عز الدين، توفيق، محمد. دليل الأنفس بين القرآن الكريم والعلم الحديث. القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ -١٩٨٦ م، ص ١٣٣.
[ ٢٠٦ ]
ولم يكتمل نمو العضلات" (١). بالإضافة إلى أن "الكتب الطبية لا تميز مرحلة المضغة والعظام واللحم، وتكتفي بتصنيف يعتمد على الأسابيع والأيام، ويقسم النمو الجنيني إلى مرحلتين: مرحلة الجنين، ومرحلة الحميل، ولكننا عندما نتابع في ضوء علم الأجنة الترتيب الذي تحصل به التغيرات خلال الأسبوع الرابع، نجد اتفاقًا مع الترتيب القرآني" (٢).
ومعلومات ابن الجوزي في علم الأجنة -كما سبق أن ذكرنا- تستند إلى فهمه لتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ولم تخضع معلوماته للتجربة العلمية التي وضحت بعض التفصيلات الدقيقة جدًا من خلال مشاهداتها المتعددة. وهذا لا يعني أن القرآن لم يذكرها، بل ذكرها، وإنما حدود تفسيرهم للآية القرآنية، يقف على المعنى الظاهري لها، ولا تظهر التفصيلات الدقيقة إلا من خلال المشاهدات المعملية المتكررة، التي تؤكد ما جاء في الآية من إعجاز علمي سابق، قد يذهب بالمفسر إلى الخطأ غير المقصود. وهذا البروفسور جيليت الذي لم يقرأ قول الله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (٣)، ولكنه من خلال تجاربه العلمية أكد ما جاء فيها فقال: "إنه فى الشهر الثالث تبدأ الأظافر، ونقط تكوين العظام ثم تكسى العظام باللحم" (٤).
وقد وضح د. محمد علي البار هذه المرحلة بقوله: "ففي مرحلة العلقة يظهر الحبل الظهري وهو المحور الهيكلي، ويعرف بالعضو سابق العمود الفقري؛ إذ إنه يسبق ظهور العمود الفقري ويمر بثلاثة أطوار:
أولها: حبل متصل وسط النسيج الغضروفي.
وثانيها: يتخذ شكل المسبحة.
والدور الثالث: الضمور والاختفاء.
فالمرحلة الأُولى تعرف بالمرحلة الغشائية (النسيج سابق العظام)،
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٣٦.
(٢) المرجع السابق، ص ١٣٥.
(٣) سورة المؤمنون، الآية ١٤.
(٤) مرجع سابق، البار. خلق الإنسان بين الطب والقرآن. ص ١٣٦.
[ ٢٠٧ ]
وتظهر في الأسبوع الخامس والسادس الرحمي، ثم تليها المرحلة الغضروفية، وتبدأ في أواخر الأسبوع السادس، ثم تظهر في الأسبوع السابع الرحمي (بداية المضغة) مراكز تمعظم في جسم الفقرات الغضروفية، وفي الأسبوع الثامن تظهر مراكز تمعظم في أقواس الفقرات، وتبدأ الأضلاع عندئذ في الظهور، ثم تتكون العضلات حول العظام وتكسوها باللحم كما ذكرته الآية الكريمة" (١).
وقال الرسول - ﷺ -: "إذا مرَّ بالنطفةِ ثنتان وأربعون ليلةً، بعثَ الله إليها ملكًا. فصورها وخلقَ سمعَها وبصرَها وجلدَها ولحمَها وعظامَها" (٢).
وهكذا تثبت الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف مرحلة العظام واللحم.
٦ - مرحلة "خلق آخر": ويتضمن التصوير والتسوية ونفخ الروح:
من المعلوم أنه في هذه المرحلة تتم المراحل النهائية من نمو الجنين بصفةٍ عامةٍ على المستوى الجسمي، فتتميز الأعضاء مثل بصمات الجنين وأظافره، كما يستقر عمل القلب، وينمو الجهاز العصبي، كذلك تتضح خصائص الأنوثة أو الذكورة (٣).
وقد قال ابن الجوزي بشأن هذه المرحلة -في تفسير قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (٤)، "وفي محل هذا الإنشاء قولان أحدهما: أنه في بطن الأم. ثم في صفة الإنشاء قولان أحدهما: أنه نفخ الروح فيه، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية، والشعبي، ومجاهد وعكرمة والضحاك وآخرين. والثاني: أنه جعله ذكرًا أو أنثى. قاله الحسن.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٤٨.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي، في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله، وشقاوته وسعادته، ص ٢٠٣٧، حديث رقم ٢٦٤٥.
(٣) خلاصة القراءة من: مرجع سابق، عز الدين. دليل الأنفس بين القرآن الكريم والعلم الحديث. ص ١٥٣.
(٤) سورة المؤمنون، الآية ١٤.
[ ٢٠٨ ]
والقول الثاني: أنه بعد خروجه من بطن أمه" (١).
ففي معنى "خلقًا آخر" أي خلقًا متميزًا عن الخلائق من الصورة الظاهرة والبناء الروحي والعقلي، نجد قيمة تربوية من حيث إنه رد على نظرية التطور.
ويتضح لنا من تفسير ابن الجوزي أنه قسم هذه المرحلة مرحلتين:
١ - أثناء وجوده في بطن أمه، ولها جانبان:
أ - الجانب الأول: نفخ الروح.
ب - الجانب الثاني: جعله ذكرًا أو أنثى.
وهذا الجانب -وهو مرحلة الخلق الآخر الذي يتضمن التصوير والتسوية ونفخ الروح- هو الذي يبرز الصورة المتميزة لخلق الإنسان والقدرات المميزة له عن باقي المخلوقات، تلك الصورة التي خلقه الله عليها ليكون عبدًا مستخلفًا لله -﷿-، يقوم بواجب العبودية له كما أمره، وهذا الجانب لم يتعرض له ابن الجوزي، رغم أهميته التربوية، عند إعداد الإنسان لمهمة الاستخلاف.
٢ - بعد خروجه من بطن أمه. سنناقش هذه المرحلة في الفصول القادمة.
وقد أكد الباحث توفيق محمد عز الدين هذين الجانبين "أثناء وجوده في بطن أمه" فقال: "والتغيرات الجديدة التي تحصل في هذه المرحلة، لها جانبان:
الجانب الأول: يراقبه العلم التجريبي بوسائله، وهو التميز الذي يظهر به الجنين، وقد اكتسب صفاته الإنسانية، وظهرت ذكورته أو أنوثته، وبدأ يتحرك.
الجانب الثاني: جاء به الوحي، وهو نفخ الروح فيه" (٢).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. زاد المسير في علم التفسير. الجزء الخامس، ص ٤٦٢ - ٤٦٣.
(٢) مرجع سابق، عز الدين. دليل الأنفس بين القرآن الكريم والعلم الحديث. ص ١٥٣.
[ ٢٠٩ ]
وقد استشهد ابن الجوزي بحديثين للرسول - ﷺ - قال فيهما: "إذا مرَّ بالنطفةِ ثنتان وأربعون ليلةً، بعث الله إليها ملكًا. فصَورها وخلقَ سمعَها وبصرَها وجلدَها ولحَمها وعظامَها. ثم قال: يا رب! أذكرٌ أم أنثى. فيقضي ربُك ما شاء. ويكتبُ الملك. ثم يقول: يا رب! أجلُه فيقول ربُك ما شاء. ويكتبُ الملكُ. ثم يقول: يا رب! رزقُه. فيقضي ربُك ما شاء. ويكتبُ الملك، ثم يخرجُ الملكُ بالصحيفةِ في يدهِ. فلا يزيدُ على ما أُمر ولا ينقص" (١). وقوله - ﷺ - في نفخ الروح: "إن أحدَكم يجمع خلقُه في بطنِ أمه أربعين يومًا نطفةً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكونُ في ذلك مضغةً مثل ذلك، ثم يُرسل الملكُ فينفخُ فيه الروحَ. ويؤمرُ بأربع كلماتِ: بكتب رزقهِ، وأجلهِ، وعملهِ، وشقي أو سعيدُ. فوالذي لا إلهَ غيرهُ إن أحَدكَم ليعملُ بعمل أهل الجنةِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب. فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار. حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع. فيسبق عليه الكتاب فيعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ فيدخلَها" (٢).
وقد ناقش د. شرف القضاة مسألة نفخ الروح في الجنين مستدلًا بالحديثين نفسهما اللذين استشهد بهما ابن الجوزي وبغيرهما من خلال:
١ - ترجيح أحاديث الروح ومحاولة التوفيق بينها ثم ربطها بالطب فقال: "لاحظ العلماء وجود تعارض بين حديث ابن مسعود كما رواه البخاري وغيره (الحديث الثاني الذي استشهد به ابن الجوزي)، وبين الحديث ذاته كما رواه مسلم، وروايات حديث حذيفة وحديث جابر. (الحديث الأول الذي استشهد به ابن الجوزي هو حديث حذيفة).
فظاهر الحديث الثاني يبين أن نفخ الروح وكتابة قدر الإنسان يكون بعد الأربعين الثالثة، أي في بداية الشهر الخامس، في حين أن الأحاديث
_________________
(١) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠٣٧، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي، في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله، وشقاوته وسعادته، حديث رقم ٢٦٤٥.
(٢) المرجع السابق، الجزء الرابع، ص ٢٠٣٦، كتاب القدر، الباب نفسه، حديث رقم ٢٦٤٣.
[ ٢١٠ ]
الأُخرى كلها تبين أن ذلك يكون بعد الأربعين الأُولى، أي في حوالى منتصف الشهر الثاني تقريبًا، وهذا ما يسميه علماء الحديث (مختلف الحديث).
ويقرر علماء الحديث في مثل هذه الحالة أنه لابد من محاولة التوفيق بين الأحاديث المختلفة أولًا ثم الترجيح، فإن لم يمكن ذلك لجأنا إلى الترجيح بين هذه الأحاديث، فيؤخذ الراجح ويترك المرجوح" (١).
وبعد مناقشة ما ورد من أقوال العلماء في ذلك ثم ربطها بالطب الحديث، نجد حقائق تؤكد الآتي:
١ - "أن مرحلة النطفة والعلقة والمضغة والعظام والعضلات كلها تكون في الأربعين الأولى، أو بعدها بأيام قليلة.
٢ - كما أنه لا شك علميًا بأن الجنين يتحرك حركات إرادية في الشهر الثالث، بل في نهاية الشهر الثاني.
ولعل ما سبق يرجح القول بأن نفخ الروح يتم بعد بدء مرحلة اللحم (العضلات) وهو رأي كثير من المفسرين، لا بعد مرحلة المضغة وقبل مرحلة العظام واللحم، كما يذكر آخرون، لأن مرحلة المضغة هي الأسبوع الرابع، وهذه الفترة لا روح في الجنين فيها باتفاق، أما مرحلة العضلات فهي في الأربعينات وهذا يوافق روايات حذيفة وجابر وإحدى روايتي ابن مسعود" (٢).
أما تحديد يوم نفخ الروح بشكل دقيق فلم يثبت، أما من حيث الأحاديث النبوية، فقد وفق د. شرف القضاة بين الأحاديث ووصل إلى أن "الروح تنفخ في الجنين بعد الليلة الثانية والأربعين من استقرار النطفة في الرحم، لا من لحظة التلقيح للبويضة، أي من بداية مرحلة العلقة لا من بداية مرحلة النطفة، لأن النطفة لا تستقر إلا في اليوم السابع تقريبًا عندما تتعلق بجدار الرحم، وعلى هذا فيكون نفخ الروح بعد الليلة
_________________
(١) القضاة، د. شرف. متى تنفخ الروح في الجنين. الأردن، دار الفرقان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م، ص ٣٥.
(٢) المرجع السابق، ص ٦١ - ٦٢.
[ ٢١١ ]
التاسعة والأربعين أي في بداية الأسبوع الثامن، وهذا الرأي الذي أراه راجحًا، لأنه وفق بين الروايات ولا يهمل شيئًا منها" (١).
ولمزيد من التفصيل يمكن الرجوع إلى الكتب المذكورة في الهامش (٢).
وبعد تحديد نوع الجنين من قبل الله تعالى -ﷻ- ونفخ الروح فيه، يكون قد استكمل مكوناته وصفاته الإنسانية، ويستمر في النمو حتى يأذن الله تعالى بخروجه إلى الدنيا.
والذي يبدو -مما سبق- أن ابن الجوزي -في حدود ما أطلعت عليه- ركز على مراحل تكوين الجنين، وأغفل التوجيهات والإرشادات التربوية الإسلامية للمرأة الحامل، من جميع جوانبها النفسية والصحية والخلقية والاجتماعية، حتى تنجب ذرية صالحة سليمة قوية، تستطيع القيام بعمارة الأرض، لأن هذه الأمور تؤثر تأثيرًا كبيرًا في نمو الجنين وهو في بطن أمه.