يرى ابن الجوزي أن الله تعالى أوجد شهوة الطعام في الإنسان لحكمةٍ جليلةٍ، وغايةٍ نبيلةٍ وهي عبادته ﷻ كما أمر، وفي ذلك يقول: "وأما المطعم فالمراد منه تقوية هذا البدن لخدمة الله -﷿-، وحق على ذي الناقة أن يكرمها لتحمله" (٣).
وقد بيَّن ابن الجوزي أهمية العناية بالجسم الإنساني، حتى يستطيع أن يقوم بالعبودية المطلقة لله تعالى، فقال: "البدن مطية، والمطية إذا لم يرفق بها لم تصل براكبها إلى المنزل" (٤). وهذه العناية تتمثل في إشباع حاجة الإنسان للطعام باعتدالٍ دون إسرافٍ أو تقتير قال الله تعالى:
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٨٢.
(٢) المرجع السابق، ص ٨٣.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٧.
(٤) المرجع السابق، ص ٨٢.
[ ٢٦٠ ]
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١). وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "ثم ينبغي له أن يرفق ببدنه الذي هو راحلته، ولا ينقص من قوتها فتنقص قوته. ولست آمرًا بالشبع الذي يوجب الجشاء (٢)، إنما آمر بالتوسط، فإن قُوى الآدمى كعين جاريةٍ كم فيها من منفعةٍ لصاحبها ولغيره" (٣). وقوله: "فمقتضى العقل الذي حرك على طلب هذه المصالح أن يكون التناول للمطعم والمشرب مقدار الحاجة والمصلحة، ليقع الالتذاذ بالعافية. ومن البلية طلب الالتذاذ بالمطعم، وإن كان غير صالح، والشره في تناوله" (٤).
وقد استقى ابن الجوزي من قول الرسول - ﷺ - الذي استشهد به: "ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطن، حَسْب ابن آدم أُكُلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (٥)، أما عن أهمية الاعتدال في الأكل فقال: "وإنما يكره الأكل فوق الشبع" (٦). وقال في التقلل من الأكل: "فإن المتقلل لا يزال يتقلل إلى أن يعجز عن النوافل ثم الفرائض ثم يعجز عن مباشرة أهله وإعفافهم، وعن بذل القوى في الكسب لهم، وعن فعل خيرٍ قد كان يفعله" (٧). ثم بيَّن ابن الجوزي بعض أضرار الشبع فقال: "فأما التوسع في المطاعم، فإنه سبب النوم، والشبع يعمي القلب، ويرهل البدن ويضعفه [يقصد به ضعف الصحة رغم السمنة] فافهم ما أشرت إليه، فالطريق هي الوسطى" (٨) أما
_________________
(١) سورة الأعراف: الآية ٣١.
(٢) معنى كلمة الجشاء: "وجشأ فلان عن الطعام: إذا أُتخم فكرِه الطعامَ. والتجشؤ: تنفس المعدة عند الامتلاء. وجشأت المعدة وتجشأت: تنفست". مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الأول، ص ٤٨ - ٤٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٦٠.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٥٢.
(٥) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح. وهو سنن الترمذي. (تحقيق) عوض، إبراهيم، عطوة. الجزء الرابع، ص ٥٩٠، كتاب الزهد، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل حديث رقم ٢٣٨٠.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٧.
(٧) المرجع السابق، ص ٣١.
(٨) المرجع السابق، ص ٤٤٦.
[ ٢٦١ ]
أضرار قلة الطعام فقال فيها: "لقد عرفت أن أقوامًا دام بهم التقلل واليبس إلى أن تغير فكرهم، وقوى الخلط السوداوي عليهم، فاستوحشوا من الناس، ومنهم من اجتمعت له من المآكل الردية أخلاط مجة، فبقي اليوم واليومين والثلاثة لا يأكل وهو يظن ذلك من إمداد اللطف به، وإذا به من سوء الهضم، وفيهم من ترقى به الخلط إلى رؤية الأشباح فيظنها الملائكة" (١). وهذا ما أقره الطب الحديث فقال: "أن يكون -الطعام- كافيًا أي بالكمية اللازمة لاحتياج الجسم وما يبذله من طاقةٍ، فلا إقلال للحد الذي يسبب الهزال والضعف، ولا إكثار إلى الحد الزائد الذي يسبب السمنة "البدانة" وما يصاحبها من مشكلاتٍ" (٢).
ثم بيَّن ابن الجوزي حدود تقليل الطعام والحكمة منه فقال: "فإن تقلل من الطعام فبعقلٍ، وحدّ التقلل ترك فضول المطعم، وما يخاف شره من شبهةٍ أو شهوةٍ يحذر تعودها. وأما زيادة التقلل مع القدرة فليس لعقلٍ ولا شرعٍ، إلا أن يكون الفقر عمّ، فيتقلل ضرورةً" (٣) ثم تابع قوله مبينًا منهج الرسول - ﷺ - وأصحابه الكرام في هذا الشأن، فقال: "ومن تأمل حال رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وجدهم يأخذون بمقدارٍ ولا يتركون حظوظ النفس التي تصلحها" (٤).
ثم بيَّن ابن الجوزي ضابطًا آخر من ضوابط تناول الطعام والشراب، أن يكون حلالًا، دون ربا أو سرقةٍ أو غشٍ أو خداعٍ، فقال: "وتحقق الحلال في المطعم" (٥) وقوله: "فإن النظر ينبغي أن يكون في حل المطعم وأخذ ما يصلع بمقدار" (٦). وقد استقى ابن الجوزي رأيه هذا من قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٨٢.
(٢) نصر، د. عبد اللطيف، أحمد. غذاؤك في الصحة والمرض. جدة، الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، دون تاريخ، ص ١٠١.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٣١.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٣١.
(٥) المرجع السابق، ص ٨٣.
(٦) المرجع السابق، ص ١٦٠.
[ ٢٦٢ ]
أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (١) كما ينبغي أن لا يكون الطعام هدفًا لذاته، ولا يكون الأكل للالتذاذ به، كأن الغاية من وجود الإنسان الأكل فقط. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فالجاهل يطلبها لذاتها أو لنفسِ لذَّاتها" (٢). ويقول: "ولا تظننَّ أني آمر بإشباع الشهوات، ولا بالإكثار من الملذوذ، وإنما آمر بتناول ما يحفظ النفس، وأنهى عما يؤذي البدن" (٣).
وبعد أن وضّحنا رأي ابن الجوزي في التربية الجسمية، نذكر أنه يحذرنا من اتباع المتزهدين الذين فهموا عكس المقصود من تناول الطعام، كما حددته الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، وقلدوا الرجال وأهملوا اتباع سنة الرسول - ﷺ -، وقد قال فيهم: "ولا يهولنَّك ما تسمعه من الأحاديث، التي تحثُّ على الجوع، فإن المراد بها إما الحث على الصوم، وإما النهي عن مقاومة الشبع. فأما تنقيص المطعم على الدوام، فمؤثر في القُوى، فلا يجوز. ثم في هؤلاء المذمومين من يرى هجر اللحم، والنبي - ﷺ - كان يودّ أن يأكله كل يوم" (٤). ثم خاطبهم بقوله: "لا تحتجنَّ عليَّ بأسماء الرجال، فتقول: قال بشر، وقال إبراهيم بن أدهم، فإن من احتج بالرسول - ﷺ - وأصحابه -رضوان الله عليهم- أقوى حجَّة. على أن لأفعال أولئك وجوهًا نحملها عليها بحسن الظن" (٥). ثم يرد ابن الجوزي أسباب ذلك إلى جهلهم مقاصد الشريعة الإِسلامية، فقال: "قلة العلم أوجبت هذا التفريط، الذي قصد به الخير وهو شر" (٦).
ثم يتناول ابن الجوزي كالطبيب الخبير بطبيعة النفس البشرية التي خلقها الله تعالى، ويبين أن هناك فروقًا بين الأفراد في إشباع هذه الحاجة الفطرية، فقال: "وليس كل الأبدان تتساوى في الإطاقة، ولقد حمل أقوام من المجاهدات في بداياتهم أشياء أوجبت أمراضًا قطعتهم عن
_________________
(١) سورة المائدة، الآية ٨٨.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٣١.
(٣) المرجع السابق، ص ٤٤٦.
(٤) المرجع السابق، ص ٣١.
(٥) المرجع السابق، ص ٣١.
(٦) المرجع السابق، ص ٣٣.
[ ٢٦٣ ]
خير، وتسخطت قلوبهم بوقوعها" (١).
كما يلفت نظرنا إلى مبدأ تربويِّ ونفسيِّ مهمِّ، وهو أن كل فرد كيان مستقل عن غيره، لا ينبغي مقارنته بغيره في قدراته وطاقاته ودوافعه، فقال: "ولا ينبغي أن يطالب الإنسان بما يقوى عليه غيره، فيضعف هو عنه، فإن الإنسان أعرف بصلاح نفسه" (٢).
كذلك ينبه ابن الجوزي إلى إشارةٍ تربويةٍ جليلةٍ، يبين فيها أن الحكمة من تناول الطعام والشراب، لا تعتمد على تطبيق مبدأ الخشونة أو مبدأ التنعم، وإنما من أيهما تحصل له المصلحة عند إشباع حاجة الطعام والشراب، والتي بهما توصلانه إلى مرضاة الله تعالى، فقال: "فربَّ متنعم لا يريد التنعم، وإنما يقصد المصلحة. وليس كل بدنٍ يقوى علىَ الخشونة، خصوصًا من قد لاقى الكدَّ وأجهده الفكر، أو أمضَّه الفقر، فإنه إن لم يرفق بنفسه، ترك واجبًا عليه من الرفق بها" (٣)، وقد استشهد ابن الجوزي بقول رابعة العدوية لتأكيد رأيه، فذكر ما قالته: "إن كان صلاح قلبك في الفالوذج (٤) فكُلْه" (٥).
ثم عرض ابن الجوزي قصص بعض النماذج البشرية، ممن وجدت الزهد في الاستمتاع بالطيبات التي أباحها الله تعالى، وقدوتهم في ذلك الرسول - ﷺ -. ثم قص تجربته في هذا المجال فقال: "فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمكنه. وقد عرفت هذا من نفسي، فإني ربيت في ترفٍ، فلما ابتدأت في التقلل وهجر المشتهى، أثر معي مرضًا قطعني عن كثير من التعبد. حتى أني قرأت في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن، فتناولت يومًا ما لا يصلح فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها. فقلت: إن لقمة تؤثر في قراءة خمسة أجزاء بكل حرفٍ عشر حسنات، إن تناولها لطاعة عظيمة" (٦). وقد انتهت به تجربته إلى هذا
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٨٣.
(٢) المرجع السابق، ص ٣٤.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٤.
(٤) الفالوذج: حلوى تعمل من الدقيق والماء والعسل.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٤.
(٦) المرجع السابق، ص ٤٤٦.
[ ٢٦٤ ]
الرأي، الذي عبر عنه قائلًا: "وإن مطعمًا يؤذي البدن فيفوته فعل خير ينبغي أن يهجر .. ثم أضاف .. فالعاقل يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه كما ينقّي الغازي شعير الدابة. ولا تظنن أني آمر بأكل (بإشباع) الشهوات، ولا بالإكثار من الملذوذ، إنما آمر بتناول ما يحفظ النفس، وأنهى عما يؤذي البدن" (١).
إن الهدف من عرض تجربة ابن الجوزي التربوية في مجال التربية الجسمية، هو الوقوف على المعنى الحقيقي لتربية هذا الجانب دون إسرافٍ أو تعطيلٍ لطاقات البدن عن دورها الفعلي في الحياة. وهو بعرضه لهذه الآراء، إنما يدل على فهمه العميق، ونظرته الصائبة لإشباع هذه الحاجة الفطرية الأساسية باعتدالٍ، وهي معتمدة على الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة.