قبل أن نوضح خلق الإنسان، لابد من التعرض لخالق هذا الإنسان، ولا نُرجع خلق الإنسان إلى الصدفة أو الطبيعة أو غيرها كما فعَل أصحاب المذاهب المختلفة. بل نقول كما قال ابن الجوزي إن هذه الطبيعة "من أكبر الأدلة على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، فقد دبرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع في المصنوع" (٢).
هذا وإيمان الإنسان بوجود الله تعالى مركوز في أصل خلقته وفطرته، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (٣).
ولبيان وجود الإيمان بالله تعالى في أصل فطرة الإنسان، فقد عرف الإمام الجرجاني الفطرة بقوله: "الجبلة المتهيئة لقبول الدين" (٤)، وفسر الإمام القرطبي قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٥). بقوله: "وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقه يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خلقةً مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته.
_________________
(١) سورة الملك، الآية ١٤.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. صيد الخاطر. ص ٢٥٣.
(٣) سورة الأعراف، الآية ١٧٢.
(٤) الجرجاني، علي، محمد، علي. كتاب التعريفات. (حققه وقدم له ووضع فهارسه) الأبياري، إبراهيم، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ- ١٩٨٥ م، ص ٢١٥.
(٥) سورة الروم، الآية ٣٠.
[ ١٠٧ ]
واحتجوا على أن الفطرة الخلقة، والفاطر الخالق؛ لقول الله -﷿-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) يعني خالقهن، وبقوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (٢) يعني خلقني، وبقوله: ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ (٣) يعني خلقهن. قالوا: فالفطرة الخلقة، والفاطر الخالق؛ وأنكروا أن يكون المولود يُفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار. قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقةً وطبعًا وبنيةً ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة؛ ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا. واحتجوا بقوله - ﷺ - في الحديث: "كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء -يعني سالمة- هل تحسون فيها من جدعاء، يعني مقطوعة الأذن. فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه بحائر وهذه سوائب. يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلّهم" (٤).
وقد عبّر ابن الجوزي عن هذه الفطرة المتجهة نحو الله تعالى بداهةّ بقوله: "إن الله -﷿- وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل، فالنفوس تعلمها ضرورة وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها؛ فإنه وضع في النفس أن المصنوع لابدّ له من صانع" (٥).
إن أمر النشأة الأُولى غيب لم يطلع الله -﷿- البشر عليه؛ فإنه يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٦)، وابن الجوزي يقول في ذلك "ولا يُعرف مع هذا ماهيتها ولا كيفيتها ولا جوهرها
_________________
(١) سورة فاطر، الآية ١.
(٢) سورة يس، الآية ٢٢.
(٣) سورة الأنبياء، الآية ٥٦.
(٤) القرطبي، أبو عبد الله، محمد، الأنصاري. الجامع لأحكام القرآن. (تحقيق) البردوني، أحمد، عبد العليم، الطبعة الثانية، ١٣٧٢ هـ-١٩٥٢ م، الجزء الرابع عشر، ص ٢٧.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج. صيد الخاطر. ص ٢٤٩.
(٦) سورة الكهف، الآية ٥١.
[ ١٠٨ ]
ولا محلها. ولا يُفهم من أين جاءت، ولا يُدرَى أين تذهب ولا كيف تعلقت بهذا الجسد وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبرًا وخالقًا وكفى بذلك دليلًا عليه" (١).
ومع أن الله تعالى هو خالق البشر وموجدهم، فإنه لم يخلقهم عبثًا، بل خلق الإنسان لأمر عظيم يتجلى في عبادته المطلقة له، فهو "مطالب بمعرفة خالقه بالدليل، ولا يكفيه التقليد" (٢) حتى يستشعر عظمة الله تعالى من خلال مخلوقاته في الكون والنفس ويعبده وهو أعلم بقَدْرِه وسلطانه وجلاله، فيدفعه ذلك لإقامة المطالب الشرعية التي أوجبها الله عليه، واجتناب المحارم (٣)، ولن يقوم بعبوديته الكاملة لله تعالى إلا إذا وقر الإيمان في قلبه وأدرك عظم مسؤوليته وأنه محاسب أمام الله تعالى على أداء ما وكل إليه أو التفريط فيه.