تميزت الفترة التي عاشها ابن الجوزي من سنة ٥١٠ هـ - ٥٩٧ هـ، بوجود اتجاهين متضادين -نتيجة للظروف السياسية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية- وهذان الاتجاهان يتمثلان فيما يأتي:
١ - "اتجاه إلى كبت الفكر وطمس المعرفة والضيق بكل رأي مبناه العلم والحقيقة.
٢ - واتجاه نقيض له يفتح الطريق أمام الثقافات على اختلافها ويعطي كل ذي رأي فرصة إظهار رأيه والدفاع عنه" (١).
ويؤيد الاتجاه الأول ما ظهر من بعض الخلفاء وما حدّث عنه ابن الجوزي من منع الناس من قراءة الحديث (٢)، ومن اضطهاد الفقهاء وضربهم ونفيهم من الدار (٣)، ومن منع الوعاظ من الوعظ والإرشاد (٤).
_________________
(١) نُصير، آمنة، محمد أبو الفرج، ابن الجوزي آراؤه الكلامية والأخلاقية. القاهرة، دار الشروق، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، ص ٣٠
(٢) ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن، بن علي. المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم. حيدرآباد، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، ١٣٥٨ هـ، الجزء العاشر، ص ١٩٢.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم. الجزء العاشر، ص ١٩٩.
(٤) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٢٥٩.
[ ٥٣ ]
أما الذي يؤيد الاتجاه الثاني فهو ما ظهر من اهتمام الخلفاء بالعلم والعلماء، ومنهم المستنجد بالله (١) الذي كان صاحب نظم بديع، ونثر بليغ، ومعرفة بعمل آلات الفلك والاسطرلاب (٢)، وكذلك الخليفة المستضيء بأمر الله (٣) الذي كان يحضر مجالس ابن الجوزي الوعظية من وراء الستر، والذي أهدى إليه ابن الجوزي كتابه النصر على مصر (٤)، والخليفة المقتفي لأمر الله (٥) الذي "كان في أول أمره متشاغلًا بالدين ونسخ العلوم وقراءة القرآن" (٦).
وتميز بعض وزراء ذلك العهد بالعلم والتأليف مثل الوزير "أبي المظفر بن هبيرة الذي قرأ بالقراءات، وسمع الحديث الكثير، وكانت له معرفة حسنة بالنحو واللغة والعروض والفقه، وصنف في تلك العلوم،
_________________
(١) المستنجد بالله، أبو المظفر يوسف بن المقتفي، خامس الخلفاء الذين عاصرهم ابن الجوزي. ولد سنة (٥١٨ هـ). خطب له أبوه بولاية العهد سنة (٥٤٧ هـ). وبويع له يوم موت أبيه سنة (٥٥٥ هـ). وكانت مدة خلافته من (٥٥٥ هـ - ٥٦٦ هـ) وكان موصوفًا بالعدل والرفق، وكان شديدًا على المفسدين. مات في ٨ ربيع الآخر سنة (٥٦٦ هـ). انظر السيوطي، الحافظ جلال الدين. تاريخ الخلفاء. بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دون تاريخ، ص ٤٠٧ - ٤٠٨.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٠٨.
(٣) المستضيء بأمر الله، الحسن أبو محمد بن المستنجد بالله. ولد سنة (٥٣٦ هـ). وكانت مدة خلافته من (٥٦٦ هـ- ٥٧٥ هـ) بويع له بالخلافة يوم موت أبيه. وكان دائم البذل للمال. ذا حلم وأناة ورأفة. وفي خلافته انقضت دولة بني عبيد، وخطب له بمصر، وضربت السكة باسمه، وصنف ابن الجوزي كتابًا له سماه النصر على مصر توفي في سنة ٥٧٥ هـ، انظر مرجع سابق، السيوطي. تاريخ الخلفاء. ص ٤٠٩ - ٤١٢.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ٢٣٧.
(٥) المقتفي لأمر الله، أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله. ولد في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة (٤٨٩ هـ). وبويع له بالخلافة عند خلع ابن أخيه وعمره أربعون سنة، قال الذهبي: كان المقتفي من سروات الخلفاء، عالمًا، أديبًا، شجاعًا، حليمًا، لا يجري في دولته أمر -وإن صغر- إلا بتوقيعه. وفي أيامه عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء ولم يبق له منازع. توفي في سنة (٥٥٥ هـ). أنظر مرجع سابق، السيوطي. تاريخ الخلفاء. ص ٤٠٥ - ٤٠٦.
(٦) المرجع السابق، ص ٤٠٦.
[ ٥٤ ]
وكان متشددًا في اتباع السنة وسير السلف" (١) وله مؤلفات قيمة منها كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح في مجلدات عدة، وكتاب في النحو سماه المقتصد وكتاب العبادات الخمس على مذهب الإمام أحمد -﵀- (٢).
كما كانت تلك الفترة غنية بالمكتبات الخاصة والعامة، وقد ساعدت على انتشار العلم، وقد ذكر ابن الجوزي "ثمان وثلاثين مكتبة" (٣) في كتابه المنتظم، وهي تشمل المكتبات العامة والخاصة والملحقة بالمدارس والمؤسسات الاجتماعية في بغداد. وقد بلغ عدد الكتب في المدرسة النظامية "نحو ستة آلاف مجلد" (٤). وهذا يدل على ثراء المكتبات بالمؤلفات العلمية.
كذلك قامت الجوامع الإسلامية بمهمة العلم والتعليم، ومن أهمها جامع المنصور (٥) وجامع القصر (٦) وجامع نيسابور (٧) وجامع الترمذي (٨).
يضاف إلى ذلك انتشار المدارس التعليمية على المذاهب الأربعة، من هذه المدارس المدرسة النظامية (٩)، التي بناها الوزير السلجوقي نظام
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ٢١٤.
(٢) ابن رجب، زين الدين، أبي الفرج، عبد الرحمن بن شهاب الدين، أحمد، البغدادي. كتاب الذيل على طبقات الحنابلة. بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، ١٣٧٢ هـ - ١٩٥٢ م المجلد الأول ص ٢٥٢.
(٣) الحكيم، حسن، عيسى، علي. كتاب المنتظم لابن الجوزي. بيروت، عالم الكتب، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م، ص ١٦٦.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. صيد الخاطر. ص ٤٤٠.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ٢٨٤.
(٦) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٧) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٨٠.
(٨) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ١٥٤.
(٩) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٥.
[ ٥٥ ]
الملك، "والمدرسة التي بناها صاحب المخزن بباب العامة" (١) "المدرسة التي بناها ابن الأبري بباب الأزج" (٢) والمدرسة التتشية على شاطئ دجلة بباب الأزج" (٣)، و"مدرسة ابن الجوزي بدرب دينار" (٤) إلي غير ذلك من المدارس.
وقد تميزت تلك الفترة بوجود عدد كبير من العلماء الذين عُرفوا بتبحرهم في العلوم المختلفة، وبكثرة مؤلفاتهم القيمة، منهم على سبيل المثال: أبو حامد الغزالي، حجة الإسلام وأبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي (٥)، وأحمد بن محمد الدينوري صاحب كتاب التحقيق في مسائل التعليق (٦) وموهوب بن أحمد الجواليقي (٧) الذي صنف كتاب أدب الكاتب وكتاب المعرب وتتمة درة الغواص للحريري.
وقد تميزت هذه الفترة بكثرة الاتجاهات الفكرية، التي كانت نتيجة طبيعية للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية المتقلبة، وما
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٨٩.
(٢) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ١١٦.
(٣) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٢٢٦.
(٤) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٢٥٠.
(٥) هو شيخ الحنابلة ببغداد وصاحب (الفنون) وغيرها من التصانيف المفيدة، ولد سنة (٤٣١ هـ)، وتوفي سنة (٥١٣ هـ). انظر: ابن كثير، أبو الفداء الحافظ. البداية والنهاية. بيروت، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى، ١٩٧٧ م، الجزء الثاني عشر، ص ١٨٤. ومرجع سابق، ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ١٤٢.
(٦) أحمد بن محمد أبو بكر بن أبي الفتح الدينوري الحنبلي، سمع الحديث وتفقه على أبي الخطاب الكلوذاني، وأفتى ودرس وناظر، توفي في سنة (٥٣٢ هـ). انظر: ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثاني عشر، ص ٢١٣. وابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ١٩٠. وابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم الجزء العاشر، ص ٧٣ ..
(٧) موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر، أبو منصور الجواليقي، شيخ اللغة في زمانه، باشر مشيخة اللغة بالنظامية بعد شيخه أبي زكريا التبريزي، ولد سنة (٤٦٥ هـ) وتوفي سنة (٥٤٠ هـ). انظرت ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثاني عشر، ص ٢٢٠. وابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ٢٠٤. وابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ١١٨.
[ ٥٦ ]
سببته تلك الاتجاهات للمجتمع العباسي من فوضى أو بلبلة أو تناقض.
ومن أبرز هذه الاتجاهات، الاتجاه المذهبي المتمثل في التعصب للمذهب الحنبلي، الذي وجد دعمًا وتشجيعًا من بعض خلفاء الدولة العباسية مثل المستضيء بأمر الله (١). ومن الكثير من العلماء منهم ابن الجوزي الذي كان معتدلا في تمسكه بهذا المذهب، كذلك ذكر ابن الجوزي ظهور "أقوام يتكلمون بالبدع ويتعصبون بالمذاهب" (٢)، ومن هؤلاء فرقة الشيعة التي قال عنها "وظهر في هذه الأيام من الروافض أمر عظيم من ذكر الصحابة وسبهم وكانوا في الكرخ إذا رأوا مكحول العين ضربوه" (٣)، ثم تجدد الخلاف بين السنة والشيعة بعد موت محمود بن زنكي (٤).
كما كانت فرقة الباطنية من الفرق التي هددت السلطة وعامة الناس بما كانت ترتكبه من قتل وسرقة وغيرها من أعمال الرعب (٥).
ولم يخل المجتمع العباسي "من شرّ اليهود وما سببوه من فتن واضطرابات وفوضى بين الناس" (٦).
ونتيجة لشيوع الفرق والمذاهب المختلفة، وازدياد الترف الحضاري، وُجدت فرقة المتصوفة التي نقدها ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ٢٨٣ - ٢٨٤.
(٢) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ١٩٤.
(٣) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٢١٧.
(٤) هو محمود بن زنكي بن آفسنقر السلطان الملك العادل نور الدين، صاحب بلاد الشام، ولد سنة (٥١١ هـ). وتوفي في سنة (٥٦٩ هـ). كان مجاهدًا في بلاد الفرنج، آمرا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، محبًا للعلماء والفقراء والصالحين، مبغضًا للظلم. . . الخ. وكانت ولايته ثمان وعشرين سنة وأشهرًا. انظر: ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثاني عشر، ص ٢٨٦.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٦) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٢٧٥.
[ ٥٧ ]