أ - معنى الخُلق في اللغة:
ورد معنى الخُلق في لسان العرب: "الخُلْقُ: بضم اللام وسكونها: هو الدينُ والطبعُ والسجيةُ، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة" (١).
أما الإمام الجرجاني فقد عرَّفه بقوله: "الخلقُ: عبارةٌ عن هيئةٍ للنفسِ راسخة تصدرُ عنها الأفعالُ بسهولةٍ ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويةٍ، فإن كانت الهيئةُ بحيث تصدرُ عنها الأفعالُ الجميلة عقلًا وشرعا بسهولةٍ، سميت الهيئةُ: خلقًا حسنًا، وإن كان الصادرُ منها الأفعالُ
_________________
(١) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد العاشر، ص ٨٦.
[ ٣٦٥ ]
القبيحةَ، سميتِ الهيئةُ خلقًا سيئًا" (١).
وقد أورد ابن الجوزي في تفسير معنى الخلق في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) ثلاثة أقوال:
"أحدها: دين الإسلام، قاله ابن عباس.
والثاني: آداب القرآن، قاله الحسن.
والثالث: الطبع الكريم. وحقيقته "الخُلُقُ": ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب، فسمي خُلُقًا، لأنه يصير كالخِلْقة في صاحبه. فأما ما طُبع عليه، فيسمى: "الخِيْم"، فيكون الخِيم: الطبع الغريزي، والخلق: الطبع المتكلف، هذا قول الماوردي" (٣).
وقد أورد ابن الجوزي معنى آخر للخلق، من خلال استشهاده بحديث السيدة عائشة -﵂-، عندما سُئِلت عن خلقه - ﷺ - فقالت: كان خلقُه القرآن. "تعني: كان على ما أمره الله به في القرآن" (٤).
ونستنبط من قول ابن الجوزي، أن مقياس الأخلاق الفاضلة اتباع ما أمره الله به، والتأدب بآدابه، لأن القرآن الكريم المصدر الأول الذي نستقي منه الخلق الفاضل. وقد ميز ابن الجوزي بين بعض الألفاظ التي تدخل على الخلق، ففرق بين الخَلق والخُلق، وبين الخُلق والطبع، وبين صورة البدن وصورة الباطن. فقال أولًا: في الفرق بين الخَلق والخُلق: "فصورة البدن تسمى خَلْقًا، وصورة الباطن تسمى خُلْقًا" (٥). أما دليل كمال صورة البدن والباطن فهو كما عبر عنه بقوله: "ودليل كمال صورة البدن حسن الصمت (السمت)، واستعمال الأدب، ودليل صورة الباطن
_________________
(١) مرجع سابق، الجرجاني. التعريفات. ص ١٣٦.
(٢) سورة القلم، الآية ٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير. الجزء الثامن، ص ٣٢٨.
(٤) المرجع السابق، الجزء الثامن، ص ٣٢٩.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٨٩.
[ ٣٦٦ ]
حسن الطبائع والأخلاق" (١).
أما الفرق بين الخلق والطبع فيتضح مما يأتي؛ فقد عرفنا الخُلُقَ، أما الطبعُ فهو: "ما يقع على الإِنسان بغير إرادةٍ، وقيل: الطبعُ، بالسكون: الجبلةُ التي خُلقَ الإنسان عليها" (٢). وقد قال ابن الجوزي فيهما: "فَالَطبائع العفة والنزاهة، والأنفة من الجهل، ومباعدة الشره. والأخلاق: الكرم، والإيثار، وستر العيوب، وابتداء المعروف، والحلم عن الجاهل" (٣). ولم يفصل ابن الجوزي فيهما القول فيما درست من كتبه.
ب - طبيعة الخلق من الناحية الفطرية والاكتسابية:
من خلال المعنى اللغوي والتفسير البياني للخلق، نرى أن الخلق فطري ومكتسب، فبين ابن الجوزي أن بعض الأخلاق فطرية والأخرى مكتسبة، فقال في ذلك: "إذا كانت الهمة الدنية طبعًا لم ينجح فيها العلاج، فإن كانت مكتسبة بصحبة الأدنياء أو لغلبة الطبع والهوى فعلاجها قريب" (٤).
وفي هذا الرأي يبين أن الدناءة إذا كانت طبعًا وخلقًا فطريًا فصعب علاجه، أما إذا كانت مكتسبة بصحبة الأدنياء وغيره .. فممكن علاجها. ورأي ابن الجوزي في أن الدناءة خلق فطري يعارض قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (٥) فالدناءة ليست من طبيعة الإنسان التي خلقه الله بها. لذلك تعتبر من الأخلاق المكتسبة.
قال ابن الجوزي في فطرية الخلق "فرأيت أن الأدب وحسن العشرة، يتبع لطافة البدن وصفاء الروح" (٦). وقال أيضًا: "ولا تلتفت
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٨٩. وتحقيق الطنطاويان، ص ٢٥٥.
(٢) مرجع سابق، الجرجاني. التعريفات. (تحقيق الأبياري، إبراهيم)، ص ١٨٢.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٨٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢٩.
(٥) سورة التين، الآيتان ٤ - ٥.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٦٥.
[ ٣٦٧ ]
إلى بكاء طفل الطبع لفوات غرضه، فإنك إن رحمت بكاءه لم تقدر على فطامه، ولم يمكنك تأديبه، فيبلغ جاهلًا، فقيرًا" (١).
أما الأخلاق الحسنة، فلا يكتسبها الإنسان، إلا ببذل الجهد في تطويع نفسه لسلوكها، والمجاهدة المستمرة لذلك، قال ابن الجوزي في هذا المعنى: "إن الفضائل لا تنال بالهوينا، وأن يسير التفريط يشين وجه المحاسن" (٢). وقال: "نيل الشرف بالكرم والجود، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل المحبوب، وربما آل إلى الفقر" (٣). وقال: "وكذلك الشجاعة، فإنها لا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس" (٤).
جـ - الأخلاق في نظر ابن الجوزي:
لم يتوسع ابن الجوزي في موضوع الأخلاق الحسنة والسيئة، ولكنه ذكر من الأخلاق السيئة خلق الكذب فقط، ومن الأخلاق الباطنية المذمومة: الحسد، والغضب، والحقد، والكبر والعُجب، وهذه الأخلاقيات الباطنية المذمومة، عرضنا لها في الفصل الأول من الباب الثالث وعدَدناها من الانفعالات لذلك لن نكرر معالجتها في هذا المبحث.
أما الخلق السيئ الذي ذكره ابن الجوزي وهو الكذب فقد عدّه من العوارض التي يدعو إليها الهوى وحب الدنيا، فقال: "هذا من العوارض التي يدعو إليها الهوى، وذلك أن الإنسان لمحبته الرياسة، يؤثر أن يكون مخبِرا مُعلِمًا؛ لعلمه بفضل المخبِر على المخبَر" (٥).