أ - معنى العقل في اللغة:
ورد معنى العقل في اللغة بمعانٍ عدة، سنختار منها ما يناسب هذا البحث، فقد جاء في لسان العرب بهذه المعاني: "العقل: الحجرُ والنهي ضد الحمقِ، والجمعُ عقولٌ. وعَقَلَ، فهو عاقلُ وعقولٌ من قوم عقلاء. والعقل: التثبتُ في الأمورِ. والعقلُ: القلبُ، والقلبُ العقلُ، وسمي العقلُ عقلًا: لأنه يعقلُ صاحبَه عن التورطِ في المهالِك أي يحبسهُ. وقيل: العقلُ هو التمييزُ الذي به يتميزُ الإنسانُ من سائرِ الحيوانِ" (١).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. الجزء الحادي عشر، ص ٤٥٨ - ٤٥٩.
[ ٢٧٩ ]
ب - مفهوم العقل في القرآن الكريم:
لقد أعلى القرآن الكريم من شأن العقل الإنساني، ولكنه لم يوضح ماهيته ومكوناته، بل إنه بيَّن وظائفه وهي التفكر والتدبر والتأمل، والقدرة على التعلم، والإدراك، والتذكر والتخيل .. إلى غير ذلك من العمليات العقلية.
وقد وردت الآيات القرآنية التي فيها "مادة عقل"، "بصيغة فعل المضارع على سبيل الاستفهام" أفلا تعقلون "أو الترجي" لعلكم تعقلون "أو التقرير" لقوم يعقلون "أو النفي" لا يعقلون (١).
كما أن هناك مرادفاتٍ للعقل في القرآن مثل: "أولي الألباب" و"أولي النهى". . . الخ. والآيات التي وردت بهذه الصيغ لطرح مختلف القضايا والأحكام التي يحتاجها الإنسان في حياته، ويطالب فيها بتحكيم العقل للوصول إلى الحكمة من تشريعها، حتى لا تغلب عليه الشهوة أو الهوى أو الشيطان. قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
والآيات القرآنية التي ورد فيها لفظ العقل أو لفظٍ بمعناه، كثيرة لا مجال لذكرها حتى لا يطول البحث.
جـ - مفهوم العقل في السنة النبوية المطهرة
وردت أحاديث نبوية في العقل وفضله، منها قوله - ﷺ -: "رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائمِ حتى يستيقظ، وعن الصبيِ حتى يشبَ، وعن المعتوهِ حتى يعقلَ" (٣).
_________________
(١) الجوزو، محمد، علي. مفهوم العقل والقلب في القرآن والسُّنَة. بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، ١٩٨٠ م، ص ٥٥.
(٢) سورة الأنعام، الآية ١٥١.
(٣) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح. وهو سنن الترمذي. الجزء الرابع، ص ٣٢، كتاب الحدود، عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، حديث رقم ١٤٢٣.
[ ٢٨٠ ]
وقوله - ﷺ -: "يا معشرَ النساءِ تصدقن فإني أُريتكن أكثرَ أهلِ النارِ. فقلن: وبم يا رسولَ اللهِ؟ قال: تكثرنَ اللعنَ وتكفرنَ العشيرَ، ما رأيتُ من ناقصات عقلٍ ودينٍ أذهبَ للبّ الرجلِ الحازمِ من إحداكن قلن: وما نقصان ديننا وعَقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثلَ نصف شهادةِ الرجلِ؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصمْ؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصانِ دينها" (١).
وعلى الرغم من صحة هذه الأحاديث النبوية الشريفة، إلا أن ابن الجوزي نفى صحة الأحاديث المتعلقة بالعقل بقوله: "المنقول عن رسول الله - ﷺ - في فضل العقل كثير إلا أنه بعيد الثبوت" (٢). وقد ذكر في كتابيه ذم الهوى والأذكياء الأحاديث الموضوعة والضعيفة التي استشهد بها في فضل العقل، وهذه الأحاديث سأذكرها في باب التقويم من هذا البحث.
د - مفهوم العقل عند ابن الجوزي:
بيَّن ابن الجوزي أن هناك اختلافًا بين العلماء في تحديد ماهية العقل، فقال: "اختلف الناس في ماهية العقل اختلافًا كثيرًا" (٣). وقد حدده ابن الجوزي في معانٍ عدة مجملةٍ في قوله: "العقل يُطْلَق بالاشتراك على أربعة معانٍ أولها الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية، وهو الذي أراده من قال هو غريزة وكأنه نور يُقذف في القلب يُستعدُّ به لإدراك الأشياء.
والثاني: ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات. والثالث: علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلًا. والرابع: أن منتهى قوّته الغريزية إلى أن تقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة" (٤). وقوله أيضًا في العقل: "فإن أجل الأشياء موهبة العقل فإنه
_________________
(١) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ٤٠٥، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، حديث رقم ٣٠٤ ..
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. ص ٧.
(٣) المرجع السابق، ص ٥.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. الأذكياء. ص ٥.
[ ٢٨١ ]
آلة في تحصيل معرفة الإله، وبه تضبط المصالح، وتلحظ العواقب، وتدرك الغوامض، وتجمع الفضائل" (١).
وهذا تفصيل لهذه المعاني:
المعنى الأول: الاستعداد الفطري للإدراك، وقال فيه ابن الجوزي: "الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم، وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية، وهو الذي أراده من قال هو غريزة وكأنه نور يُقذف في القلب يستعدّ به لإدراك الأشياء" (٢). ويقصد به أن العقل هو الذي تميز به الإنسان عن الحيوان، وهو الاستعداد الفطري الذي يمكِّن الفرد من إدراك ما يحيط به من كل شيء.
المعنى الثاني: القدرة على التمييز، وقال فيه: "ما وُضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات" (٣). والمقصود به العلم الذي وضعه الله تعالى في النفس البشرية للتمييز والإدراك.
المعنى الثالث: العلوم المستفادة من التجارب، وقال فيه: "علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلًا" (٤). وقد صحح د. حسن عبد العال هذا المعنى الذي أورده ابن الجوزي بقوله: "وردت في القرآن الكريم الألفاظ التي تدل على النشاط العقلي بصفة عامة مثل التفكر والتدبر والعلوم والنظر والتبصّر والتذكر مئات المرات. وفي الحقيقة لا يعرف العلم كائنًا موجودًا بذاته يسمى عقلًا يمكن إجراء التجارب عليه أو ملاحظته" (٥)، لأن هناك فرقًا بين القدرة على التعلم وبين العلوم.
المعنى الرابع: الغريزة التي تقمع الشهوة. وقال فيه: "منتهى قوته الغريزية إلى أن تقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة" (٦). ويقصد بها
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١.
(٢) المرجع السابق، ص ٥.
(٣) المرجع السابق، ص ٥.
(٤) المرجع السابق، ص ٥.
(٥) مرجع سابق، عبد العال، د. حسن، إبراهيم. مقدمة في فلسفة التربية الإِسلامية. ص ١١٥.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. الأذكياء. ص ٥.
[ ٢٨٢ ]
قدرة العقل الفطرية، التي تميزت بالإدراك والوعي لعواقب الأمور، الضابطة لشهوات الإنسان ودوافعه من الانجراف في تيار اللذة الوقتية العاجلة.
المعنى الخامس: الوسيلة لمعرفة الله تعالى، وقال فيه: هو "الآلة في تحصيل معرفة الإله، وبه تضبط المصالح، وتلحظ العواقب، وتدرك الغوامض، وتجمع الفضائل" (١). بمعنى أن العقل هو الأداة والوسيلة لمعرفة الله -﷿-، ثم اتباع شرعه، واجتناب نهيه.
ويمكن جمع المعاني التي تدل على العقل في نظر ابن الجوزي في تعريفٍ موجزٍ يدل عليه، وهو أن العقل: هو القوة والطاقة الفطرية التي تميز الإنسان عن الحيوان، في معرفته لله تعالى وما يترتب على هذه المعرفة من الإلمام بالأحكام والتكاليف الشرعية، وإدراك العواقب المترتبة على عدم تحكيم شرع الله وتنفيذه. كما أن العقل الواعي المدرك المميز، يستطيع أن يتعلم ويكتسب السلوكيات الفاضلة، ويضبط دوافع الإنسان وشهواته من الزلل.
هـ - درجات العقل عند ابن الجوزي:
لقد كرّم الله تعالى الإنسان بالعقل البشري، الذي يعتبر وسيلة إرسالٍ واستقبالٍ لكل ما يدور في حياته، وما يحيط به في الكون. والناس يختلفون في قدراتهم العقلية، كل حسب ما أعطاه الله تعالى، وقد قال ابن الجوزي في ذلك: "الناس يتفاوتون في العقل وجوهره ومقدار ما أُعطُوا منه" (٢) وقوله أيضًا: "العقلاء يتفاوتون في موهبة العقل ويتباينون في تحصيل ما يَثقَفه من التجارب والعلم" (٣).
ونظرًا إلى وجود هذه الفروق الفردية بين الناس، فقد رأى ابن الجوزي ضرورة مراعاتها في التعليم فقال: "من المخاطرات العظيمة تحديث العوامّ بما لا تحتمله قلوبهم أو بما قد رسخ في نفوسهم
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. أخبار الحمقى والمغفلين. ص ٢٥.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. الأذكياء. ص ١.
[ ٢٨٣ ]
ضده" (١)، وقوله أيضًا: "وقد تكلم قوم من النحويين بالإعراب مع العوامّ، فكان ذلك من جنس التغفيل، وإن كان صوابًا، لأنه لا ينبغي أن يُكلّم كل قوم إلا بما يفهمون" (٢).
وقد حدد ابن الجوزي درجات العقل المرتفعة على الوجه الآتي: الفطنة، ثم الذكاء، ثم الفهم، ثم الذهن. ودرجات العقل المنخفضة على الوجه الآتي: الحمق، ثم التغفيل، ثم البله، ثم الجنون. ولم يكتف ابن الجوزي بتحديد هذه الدرجات المرتفعة والمنخفضة بل عرَّفها وبيَّن الفروق بينها، ولكنه لم يبيِّنها بالأرقام العددية كما يبينها علماء النفس اليوم، وسأقوم بتوضيح ذلك.