الحمدُ لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، يليق بعظمته تعالى، والصلاة والسلام على نبينا محمد النبي العربي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد، فقد ثبت للأمة الإسلامية -خلال تاريخها الطويل- أنها تحتاج دائمًا وأبدًا إلى الرجوع إلى قرآنها المجيد وسُنة نبيها الكريم محمد - ﷺ -، باعتبارهما المنبع الصافي. . . والمنهل العذب والنور الذي تسترشد به في تسيير أمور حياتها كلها وخصوصًا تملك الأمور التي تتصل بتربيتها وتعليمها وتزكيتها النفس البشرية، وتكوين شخصية الإنسان الصالح المستخلَف بما يتوافق وفطرته البشرية، والمعرفة الصحيحة بالإنسان مستمدة من كتاب خالقها، لأنه خالقه وموجده ومكونه، وهو سبحانه أعلم بما يصلحه ويهبه القوة والقدرة لعمارة الأرض وفق منهجه وشرعه، ليكون الكون كله قانتًا له ﷻ، فتتحقق العبودية المطلقة لله تعالى.
وبعد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، كان لعدد من العلماء المسلمين، دور كبير في استخلاص العديد من الأسس والمبادئ التي تقوم عليها التربية الإِسلامية من خلال دراستهم تعاليم القرآن الكريم وسُنة الرسول - ﷺ -، ومن خلال تطبيقهم مناهج الفكر الإسلامي في التربية.
وقد تمكن هؤلاء العلماء من تسجيل هذه الآراء في كتاباتهم وترجموها في سلوكياتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم، فكانت أعمالهم خير برهان على أصالة التربية الإسلامية وتكاملها، لهذا فنحن بحاجة إلى دراسة التراث التربوي لأولئك العلماء، للاستفادة من تراثهم ولتأصيل
[ ١٩ ]
التربية التي نحن أحوج ما نكون إليها في وقتنا الحاضر لأنها خير وسيلة لتسير الأمةُ على نهجها، ولإنقاذ أبنائها من ضياع الشخصية، ومن الانحرافات التي نشاهدها في الشباب، لهذا "إذا جاز لأُمة أن تتعثر في وضع أسس تربوية تنشئ عليها أبناءها، أو تضطرب في البحث عن أهداف تربوية تحمي أجيالها من الزلل، فإنه لا يغتفر لأمُتنا الإِسلامية أن تتجرع غصص الحيرة في هذا السبيل. لأن أمتن الأُسس التربوية، وأرفع أهداف التربية والتعليم موجودة بين أيدينا متمثلة بعقيدة هذه الأُمة، وقواعد هذا الدين وتوجيهاته وتعليماته التي أنعم الله بها علينا" (١).
ومن أولئك العلماء الأفذاذ الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي البغدادي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ؛ فهو قد تبخر في العلوم وكتب في معظم فنون عصره، ناظرًا الى العلم -كغيره من علماء المسلمين- كوحدة ثقافية معرفية مترابطة دون فصل أو تجزئة وذلك من خلال فهمه الإسلام الذي يقيم "التخصص في دائرة الشمول والتكامل فلا يجعله منفصلًا انفصالًا يذهب به إلى الاستعلاء أو التفرد حتى لا يفقد المسلمُ روحَ الوحدة ولا يفقد الفكرُ الإِسلامي طابعَ الترابط الجامع بين القيم والعناصر" (٢).
ومن خلال مؤلفاته التي تبلغ ٣٥٠ مؤلفًا (٣) حسب بعض الدراسات وأكثر من ٤٠٠ مؤلف حسب دراسات أُخرى (٤)، وذلك ما بين مطبوع ومخطوط، تجد الباحثة أن آراءه ومبادئه التربوية متناثرة في ثنايا مؤلفاته المختلفة التي حَوَت الكثير من الآراء التربوية منها على سبيل المثال:
_________________
(١) التميمي، عز الدين وسمرين، بدر، إسماعيل. نظرات فى التربية الإسلامية. عمان، دار البشير، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م، ص ٦١.
(٢) الجندي، أنور. التربية وبناء الأجيال ضوء الإسلام بيروت، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى، ١٩٧٥ م، ص ١٤٧.
(٣) بوياجلار، نور الدين بن شكري. فهرس مؤلفات أبي الفرج ابن الجوزي. المخطوطة بمكتبات تركيا. مجلة كلية أصول الدين. الرياض، ١٤٠٢ هـ- ١٤٠٣ هـ، ص ٣١٦.
(٤) العلوجي، عبد الحميد. مؤلفات ابن الجوزي. بغداد، شركة دار الجمهورية للنشر والطبع، ١٣٨٥ هـ- ١٩٦٥ م، ص ٥.
[ ٢٠ ]
رأيه في تربية الأطفال من جميع الجوانب الخلقية والعقلية والجسمية والتعليمية المتمثل في قوله:
"واعلم أن الرياضة للنفس تكون بالتلطف والتنقل من حال إلى حال، ولا ينبغي أن يؤخذ أولًا بالعنف ولكن بالتلطف ثم يمزج الرغبة بالرهبة ويعين على الرياضة صحبة الأخيار، والبعد عن الأشرار، ودراسة القرآن والأخبار، وإجالة الفكر في الجنة والنار، ومطالعة سِيَر الحكماء والزهاد" (١).
كما كان له رأي في تهذيب الغرائز والدوافع الفطرية، فهو يقول في هذا المجال مثلا: "إن جميع ما وُضِع في الآدمي إنما وضع لمصلحته، إما لاجتلاب نفع كشهوة المطعم، أو لدفع ضرر كالغضب، فإذا زادت شهوة المطعم صارت شرها فآذت، وإذا زاد الغضب أخرج إلى الفساد" (٢). كما كانت له آراؤه في الجوانب الروحية والعقلية والجسمية.
ولم ينضب معينُ ابن الجوزي، فكانت له آراؤه في الناحية التعليمية من حيث العلم وهدفه وفضيلته كقوله: "فأقرب الخلق من الله العلماء، وليس العلم بمجرد صورته هو النافع بل معناه، وإنما ينال معناه من تعلمه للعمل به" (٣).
كما وضح أهم العلوم التي ينبغي أن يبدأ بها الإنسان "أعلم أنه لو اتسع العمر لم أمنع من الإيغال في كل علم إلى منتهاه، غير أن العمر قصير، والعلم كثير" (٤)، "وأفضل ما تُشوغل به حفظ القرآن ثم الفقه، وما بعد هذا بمنزلة تابع" (٥)، إلى غير ذلك من الآراء.
وبعد هذا العرض الموجز لبعض آراء ابن الجوزي التربوية، فإن
_________________
(١) ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. اللطائف والطب الروحاني. (تحقيق): عطا، عبد القادر، أحمد، القاهرة، مكتبة القاهرة، دون تاريخ، ص ١٣٢.
(٢) المرجع السابق، ص ٩٢.
(٣) ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. صيد الخاطر. بيروت، المكتبة العلمية ودار الباز للطباعة والنشر، دون تاريخ، ص ١٥٧.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٢٩.
(٥) المرجع السابق، ص ١٧٨.
[ ٢١ ]
إحساسي بالحاجة إلى استخراجها وجمعها من ثنايا مؤلفات ابن الجوزي الكثيرة، ورؤيتي القصور في دراستها، ثم محاولة إبرازها منظمة ومرتبة ومنسقة على نهج تربوي، ثم تحليلها وتقويمها ومقارنتها ببعض الاتجاهات التربوية المعاصرة مع بيان وجوه الاستفادة من نهجه التربوي في تربيتنا المعاصرة. . . . كل ذلك دفعني إلى اختيار هذا الموضوع.
ولذا فإن هذه الدراسة خطوة على طريق البناء التربوي الإسلامي المنشود لإرساء قواعده وأسسه وأهدافه وأغراضه وأساليبه من منطلق الفهم العميق للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ثم من خلال مؤلفات ابن الجوزي وما خطته يداه .. وأملته تجربته من مبادئ وآراء وأساليب، علّها تفيدنا في تربيتنا وتعليمنا المعاصر .. وتساهم في تأصيل الفكر التربوي الموجود اليوم عند عامة المسلمين، وتخفف من انبهارهم وتبعيتهم للفكر الغربي ونظرياته المعاصرة.