أولًا: رأي ابن الجوزي في دافع الطعام
ثانيًا: رأي ابن الجوزي في دافع الجنس
ثالثًا: رأي ابن الجوزي في دافع التداوي
رابعًا: رأي ابن الجوزي فى دافع النظافة باعتبارها وسيلة للوقاية من الأمراض
[ ٢٥٧ ]
• الفصل الأول التربية الصحية
سبق أن تكلمنا على هذا الجانب من ناحية الدوافع، وذلك في الفصل الأول من الباب الثالث. وفي هذا الفصل سنبين تربية الإسلام لهذه الدوافع، من خلال منهجه الذي تعامل به مع الكائن البشري بواقعيةٍ، معترفًا بكل طاقاته الحيوية، ودوافعه الفطرية، مرغبًا في إشباعها والاستمتاع بها ما دامت في الحدود الشرعية المباحة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١). وهو بذلك لم يكبتها ولم يطلقها من دون ضوابط، ولكنه هذبها بما يحقق العبودية لله تعالى، وتعمير الكون، وصلاح الإنسان.
وهذا الاهتمام بالتربية الجسمية، يعين الفرد المسلم على طاعة الله تعالى فيما فرضه الله عليه من حقوقٍ وواجباتٍ وأحكام وآدابٍ، لأنه كما ورد في حديث رسولنا الكريم - ﷺ -: "المؤمنُ القويُ خَيرٌ وأحبُ إلى اللهِ تعالى من المؤمنِ الضعيفِ. وفي كلٍ خيرٌ" (٢).
والقوة هنا تشمل قوة الجسم والعقل، والعقيدة والروح، والنفس والإرادة، والعزيمة والخلق. والقوى الجسمية لها صلة وثيقة بغيرها من
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية ٣٢.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري. صحيح مسلم. (تحقيق) عبد الباقي، محمد، فؤاد، الجزء الرابع، ص ٢٠٥٢، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، حديث رقم ٢٦٦٤.
[ ٢٥٩ ]
حيث تأثيرها وتأثرها بها. وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "وليس مرادي بالرفق الإكثار من الشهوات، وإنما أعني أخذ البلغة الصالحة للبدن، فحينئذٍ يصفو الفكر، ويصح العقل، ويقوى الذهن" (١). وقوله محاورًا نفسه في أسلوب رائع: "ولا تتعرضي لمصالح البدن، بل وفريها عليه، وناوليه إياها على قانون الصواب لا على مقتضى الهوى، فإن إصلاح البدن سبب لإصلاح الدين" (٢).
التربية الجسمية تشمل الاستجابة السوية للدافع إلى الطعام والشراب والجنس، كما تعنى بالاستشفاء من المرض والنظافة والرياضة، وتكوين البصيرة بالأمور الصحية، والتنشئة عليها، وتكوين الحصانة ضد الأمراض، وهذه الأمور اعترف بها المنهج التربوي الإِسلامي كطاقات حيوية في الكيان البشري. وعمل على تهذيبها وتوجيهها وإعلائها، وجعلها وسيلة متعةٍ وتعبد معًا، للوصول بها إلى الغاية الكبرى، وهي تساعد على تحقيق العبودية المطلقة لله تعالى عن طريق أنواع العبادات، وخدمة عباد الله، والرقي بالأمة والذود عن حماها خالصًا لوجهه تعالى.