أولًا: طبيعة الإنسان تدل على وجود الخالق في نظر ابن الجوزي
ثانيًا: طبيعة خلق الإنسان في نظر ابن الجوزي
ثالثًا: جوانب النفس البشرية وأساليب تزكيتها وتوجيهها
رابعًا: خصائص النفس البشرية
خامسًا: أسباب الانغماس في الشهوات
سادسًا: طرق توجيه النفس البشرية وتهذيبها
سابعًا: الآراء التربوية المستخلصة من آراء ابن الجوزي في هذا الموضوع
[ ١٠٣ ]
• الفصل الأول رأي ابن الجوزي في الطبيعة البشرية وأساليب تهذيبها وتوجيهها وعلاجها
ستقوم الباحثة في البابين الثالث والرابع بعرض آراء ابن الجوزي التربوية كما هي موثقة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي استشهد بها، دون تخريجها أو بيان درجة صحة الحديث، لأن الباحثة ستؤجل ذلك إلى الباب الخامس حتى تتمكن من تحليل الآراء التربوية تحليلًا علميًّا مناسبًا يخدم الهدف من البحث.
اختلفت نظرة الفلاسفة والمفكرين بشأن ماهية الطبيعة البشرية اختلافًا كبيرًا، فمنهم من رأى أن "الطبيعة الإنسانية واحدة في جميع الأزمنة والعصور، وأن الإنسان هو الإنسان حيثما وجد، وهناك أيضًا من نادى بأن الطبيعة الإنسانية تختلف باختلاف الأفراد أنفسهم وباختلاف استعداداتهم وقدراتهم" (١). وهناك فريق آخر أكد أن طبيعة الإِنسان ثنائية في أصلها، أي تتكون من العناصر الروحية، والعناصر المادية (٢) ومنهم من أنكر وجود الروح واهتم بالجسم البشري ورأى أنه مادة تعمل كالآلة. وهناك من اعتبر الطبيعة الإنسانية شريرة في أصلها، وآخرون اعتبروها "خيرة يحيلها المجتمع إلى شر إذا مسّتها يد البشر" (٣).
_________________
(١) النجيحي، د. محمد، لبيب. فلسفة التربية. (مترجم)، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية، ١٩٦٧ م، ص ١٢١.
(٢) الجيار، سيد، إبراهيم. دراسات فى تاريخ الفكر التربوي. القاهرة، مكتبة غريب، دون طبعة تاريخ ص ١٦٠.
(٣) مرجع سابق، النجيحي د. محمد، لبيب. فلسفة التربية. ص ١٢١.
[ ١٠٥ ]
ومن العلماء "من أرجع التأثير في الطبيعة الإنسانية إلى عامل الوراثة وحدها، وإلى الميراث الفطري الحيوي (البيولوجي) فقط، وتغاضى عن أثر البيئة في تشكيل هذه الطبيعة. وكانت النظرية الغرضية التي وضعها (ويليام مكدوجل) تؤكد الدور الفعال للوراثة في تحديد السلوك، وتُرجع هذا السلوك إلى مجموعة الغرائز التي يولد الإنسان مزودا بها. ومنهم من أرجع كل التأثير في الطبيعة الإنسانية إلى البيئة وتغاضى عن أثر الوراثة إلى حد كبير، ورأى أن الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء، وليست هناك استعدادات موروثة، إن هي إلا عادات يكتسبها الفرد في أثناء حياته" (١).
وهناك الكثير من التصورات الخاصة بالطبيعة البشرية -كما نعرضها فيما بعد- والتي أثبتت قصور الفلاسفة والمفكرين في وضع تصور صحيح عن طبيعتها كما خلقها الله تعالى، وفي هذا يقول اليكسس كاريل موضحا هذا القصور: "وبتعلمنا سر تركيب المادة وخواصها استطعنا الظفر بالسيادة تقريبًا على كل شيء موجود على ظهر البسيطة فيما عدا أنفسنا"، ثم أضاف قائلا "على الرغم من أننا نملك كنزًا من الملاحظات التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا .. إننا لا نفهم الإنسان ككل .. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا .. فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة. وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب" (٢).
ومن خلال هذه التصورات التي تتسم بالجهل والقصور البشري، تبرز لنا بوضوح نظرة الإسلام إلى الطبيعة البشرية بما فيها من شمول وتكامل واتزان، لأن الله تعالى هو الذي خلقها وهو أعلم بخصائصها
_________________
(١) مرجع سابق، عبد العال، د. حسن، إبراهيم. مقدمة فى فلسفة التربية الإسلامية. ص ٢٦.
(٢) كاريل، الكسيس. الإنسان ذلك المجهول. (ترجمة) فريد، شفيق، أسعد، بيروت، مكتبة المعارف، الطبعة الثالثة، ١٩٨٠ م، ص ١٦ - ١٧.
[ ١٠٦ ]
ومكوناتها وطبيعتها ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١).
وسنظهر وجهة النظر الإِسلامية من خلال آراء ابن الجوزي في هذا الموضوع.