طرق ووسائل التربية الاعتقادية في نظر ابن الجوزي:
أولًا: الابتعاد عن التلقين الصوري للمبادئ الإسلامية
ثانيًا: التركيز على جوانب العقيدة المؤثرة
ثالثًا: استخدام الأدلة الفطرية للإقناع
رابعًا: تكوين عاطفة إيمانية قوية دافعة للسلوك
خامسًا: التبصير بأساليب الإلحاد والملحدين
[ ٣١٩ ]
• الفصل الثالث التربية الاعتقادية
إن النفس البشرية فطرت للاعتقاد والإيمان بأي فكرة سواء كانت صحيحة أو خاطئة، لذلك سنعرف أولًا معنى العقيدة، وما يتبعها من إيمان وعمل، حتى نصل إلى تربية هذا الجانب العقائدي من خلال آراء ابن الجوزي في هذا المجال.
تعرَّف العقيدة بصفة عامة بأنها مجموعة "الأفكار التي يؤمن بها الإنسان، ويصدر عنها في تصرفاته وسلوكه" (١). وقد عرَّفها الإمام حسن البنا بقوله: "هي الأمور التي يجب أن يصدق بها قلبك، وتطمئن إليها نفسك، وتكون يقينًا عندك، لا يمازجه ريب، ولا يخالطه شك" (٢).
"والأصل الجامع للعقيدة والشريعة معًا، والإطار العام الذي يضمهما هو الإيمان" (٣) الراسخ بكل ما ورد في صريح القرآن الكريم وصحيح السُّنة، مما له علاقة بأقسام العقيدة الأربعة، من "الإلهيات والنبوات والروحانيات (كالملائكة والجن) والسمعيات" (٤) كالإيمان باليوم الآخر.
_________________
(١) مرجع سابق، النحلاوي، عبد الرحمن. أصول التربية الإسلامية وأساليبها. ص ٦٩.
(٢) مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا. بيروت، المؤسسة الإسلامية للطباعة والصحافة والنشر، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، ص ٣٧٩.
(٣) بيصار، د. محمد. العقيدة والأخلاق وأثرهما في حياة الفرد والمجتمع. بيروت، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الرابعة، ١٩٧٣ م، ص ٩٨.
(٤) مرجع سابق. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا. ص ٣٨٢.
[ ٣٢١ ]
وقد عرَّف القاضي عياض -رحمه الله تعالى- الإيمان بقوله: "أصل الإيمان في اللغة التصديق وفي الشرع تصديق القلب واللسان" (١). لحديث أبي هريرة قال: "كان النبي - ﷺ - بارزًا يومًا للناس، فأتاه رجلٌ فقالَ: ما الإيمانُ؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكتِه، وبلقائهِ، ورسلهِ، وتؤمن بالبعث. قال: ما الإِسلام؟ قال: الإِسلامُ أن تعبدَ الله ولا تشركَ به، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤديَ الزكاةَ المفروضةَ، وتصومَ رمضانَ. قال: ما الإحسانُ؟ قال: أن تعبدَ الله كأنك تراهُ، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراكَ. قال: متى الساعةُ؟ قال: ما المسؤولُ عنها بأعلَم من السائلِ. وسأخبركَ عن أشراطِها: إذا ولدت الأمَةُ ربَّها، وإذا تطاولَ رعاةُ الإبل البهم في البنيانِ. في خمس لا يعلمُهم إلا اللهُ. ثم تلا النبي - ﷺ - ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢) الآية. ثمَّ أدبرَ، فقال: ردُوه. فلم يروا شيئًا. فقال: هذا جبريلُ جاءَ يعلمُ الناسَ دينَهم. قال أبو عبد الله: جعلَ ذلك كله من الإيمانِ" (٣).
والإيمان الحق هو الذي يشتمل على:
١ - العقيدة الثابتة التي لا يخالطها شك.
٢ - العمل الذي يصدق العقيدة وهو ثمرتها (٤).
والعمل أنواع: عمل القلب، وعمل اللسان والجوارح، فإذا تمكَّن الإيمان من قلب الإنسان فقد صلحت جميع أعماله، لقول الرسول - ﷺ -:
_________________
(١) النيسابوري. صحيح مسلم بشرح النووى. (تحقيق) أبو زينة، عبد الله، أحمد، القاهرة، مكتبة الشعب، المجلد الأول ص ٢٠٩، كتاب الإيمان، عدد شعب الإيمان، شرح حديث رقم ٥٣ - ٥٤.
(٢) سورة لقمان، الآية ٣٤.
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. الباري بشرح صحيح البخاري. (رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه) عبد الباقي، محمد، فؤاد، و(قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه) الخطيب، محب الدين، الجزء الأول، ص ١١٤، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة. وبيان النبي - ﷺ - له، حديث رقم ٥٠.
(٤) الزنداني، عبد المجيد وآخرون. الإيمان. دمشق، دار القلم، الطبعة الرابعة، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، ص ١٥.
[ ٣٢٢ ]
"ألا وإن في الجسدِ مضغة إذا صلحت صلحَ الجسدُ كلُه، وإذا فسدت فسدَ الجسدُ كلُه، ألا وهي القلبُ" (١).
والإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات والتفكر في مخلوقات الله تعالى في الكون والحياة، وينقص بالمعاصي. لذلك لابد من تعميق الجانب الإيماني في الإنسان، باعتباره من أهم جوانب التربية وذلك "بوضع منظار إيماني في أعين المتعلمين بحيث يستطيعون رؤية أدلة الله في كل شيء يحللونه ويدرسونه في الآفاق العلمية" (٢)، وفي كل المبادئ والقيم الإسلامية. حتى يستشعروا الإعجاز الرباني لله -﷿- في كل ما يحيط بهم.
ويمكن أن نلخص ذلك كله في تعريف موجز للعقيدة والإيمان:
فالعقيدة هي الإيمان بالله وبكل ما أنزل وشرع للعباد، وهذا الإيمان صادق لا يخالطه شك أو وهم، وحتى يتحقق الإيمان الجازم بالله لابد من العمل الجاد وفق المنهج القرآني والنبوي الشريف.
وسأتناول في هذا الجانب العقائدي، أهم الطرق والوسائل التربوية، التي تعرض لها ابن الجوزي -من وجهة نظره- لتنمية وتعميق هذا الجانب. وقد جعلت كتاب جوانب التربية الإسلامية الأساسية للدكتور مقداد يالجن هو الأصل الذي اقتبست منه عناوين هذا المبحث لصعوبة الحصول على آراء ابن الجوزي بالمسمى نفسه في مجال التربية الاعتقادية.
طرق التربية الاعتقادية في نظر ابن الجوزي ووسائلها
إن الإنسان فُطر على الإيمان بوجود الله تعالى، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (٣). وحتى نعمق هذا الإيمان في النفس البشرية،
_________________
(١) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ١٢٦، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه حديث رقم ٥٢.
(٢) مرجع سابق، يالجن. جوانب التربية الإسلامية الأساسية. ص ١٤٧.
(٣) سورة الأعراف: الآية ١٧٢.
[ ٣٢٣ ]
بطريقةٍ صحيحةٍ، لابد من توجيهه بكافة الطرق والوسائل الإيجابية الفعّالة، "لأنه الأساس في الدين، وفي بناء الأمّة الإِسلامية، فبقدر ما تكون العقيدة قوية في الأُمة، تكون هذه الأمّة قوية متماسَكة ملتزمة بالسلوك الذي تقتضيه هذه العقيدة، إذ إن العقيدة هي القوة الدافعة إلى العمل والموجهة إلى أعمال وغايات سامية، وبقدر قوة العقيدة يندفع الأفراد والجماعات إلى الأعمال الإيجابية، فالعقيدة من هذه الناحية طاقة لا تنفد للأفراد والجماعات، وبقدر هذه الطاقة يتحمل الناس المسؤوليات، ويلتزمون بالأعمال" (١).
وحتى يكون البناء الإيماني قويًا فعالًا مؤثرًا، لابد من اتخاذ الطرق والوسائل للتربية الاعتقادية وسنعرض آراء ابن الجوزي في ذلك.