بما أن الروح من أكبر الطاقات الحيوية والمهيمنة على جميع جوانب الشخصية الإنسانية، فإن ابن الجوزي قد حدّد بعض الأساليب التربوية لتعميق الروح الإيمانية بالله تعالى، والأسلوب الأول يتفرع منه طرق عدة هي:
أ - تبصير الناشئ بالآيات الكونية الدالة على وجود الله تعالى وقدرته العظيمة.
ب - تبصير الناشئ بالآيات العظيمة في الأنفس البشرية.
جـ- التفكر في ظاهرة الموت وما بعده.
ففيما يتعلق بفقرتي (أ) و(ب) فقد سبقت معالجتهما في التربية الاعتقادية، فلا داعي لذكرهما هنا منعا للتكرار وسأناقش فقط الفقرة (جـ) ويتم تحقيق هذه الطريقة بما يأتي:
_________________
(١) مرجع سابق، ابن ماجه، أبو عبد الله، محمَّد بن القزويني. سنن ابن ماجه. (حققه ووضع فهارسه بالكمبيوتر) الأعظمي، محمَّد، مصطفى، الجزء الأول، ص ٢٦٧، باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حُضر، حديث رقم ١٤٤٨.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٥.
(٣) ابن قيم الجوزية، شمس الدين، أبو عبد الله. الروح. الرياض، دار الرشد للنشر والتوزيع، دون طبعة وتاريخ، ص ٣٤.
[ ٣٤٣ ]
جـ - تعميق التفكر في ظاهرة الموت وما بعده:
يعتبر الموت من الأمور العقائدية في حياة المسلم، لذلك لابد من التدبر والتفكر في مصير المرء بعد حياة مليئة بالمصاعب والأعباء المعيشية، والالتزامات الأسرية، والمعاناة اليومية فلا ينسى في غمرة هذه الحياة، مصيره بعد الموت، وماذا أعدّ لدار البقاء والإقامة الدائمة. وابن الجوزي يلفت نظرنا إلى أنه من طبيعة الإنسان إذا مات له قريب أو عزيز، أن يحزن على فراقه، ولا يتفكر في العِظة من الموت، فقال: "ما زلت على عادة الخلق في الحزن على من يموت من الأهل والأولاد، ولا أتخايل إلا بلى الأبدان في القبور فأحزن لذلك" (١). ولكن ينبغي أخذ العظة والعبرة من الموت، والتفكر فيما آل إليه حال الأحباب والأصحاب، قبل أن يفوت الأوان، فيدركه الموت، ويصبح عظةً لغيره، فقال في ذلك: "وأي موعظةٍ أبلغ من أن ترى ديار الأقران وأحوال الإخوان وقبور المحبوبين، فتعلم أنك بعد أيامٍ مثلهم، ثم لا يقع انتباه حتى ينتبه الغير بك. . . ." (٢).
ثم يبين ابن الجوزي حال المؤمن في تدبره للموت، فيقول: "والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلمًا رأى العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة ذكر الجنة، فهمّته متعلقة بماثَمَّ، وذلك يشغله عن كل ماتمَّ" (٣). ثم يصف حاله وهو يتفكر في نعيم الجنة الدائم، فيدفعه ذلك للصبر وتحمل المشاق، فقال في ذلك: "فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبًا في تلك اللذات الدائمة التي لا تفنى يطيش فرحًا، ويسهل عليه ما في الطريق إليها من ألم ومرض وابتلاء وفقد محبوب وهجوم الموت ومعالجة غصصه" (٤). كذلك من صفات المؤمن. أنه إذا تذكر الموت، وما ارتكبه من ذنوب عظيمة، انتابه خوف وقلق من سوء المصير، قال ابن الجوزي: "ثم يتخايل المؤمن دخول النار والعقوبة
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٧٢.
(٢) المرجع السابق، ص ٣٢٣.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٩٩ - ٤٠٠.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٠٠.
[ ٣٤٤ ]
فيتنغص عيشه، ويقوى قلقه، فعنده بالحالين (١) شغل عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة، وفي صحراء الخوف أخرى" (٢).
لذلك فالمطلوب من المرء أن يجعل تذكره للموت إيجابيًا، يدفعه لزيادة رصيده من الأعمال الصالحة، والحسنات الكثيرة، وقد قال في ذلك ابن الجوزي: "ولا ينبغي أن يقع جزع بذكر البلى، فإن ذلك شأن المركب، أما الراكب ففي الجنة أو في النار. وإنما ينبغي أن يقع الاهتمام الكلي بما يزيد في درجات الفضائل قبل نزول المعوّق عنها. فالسعيد من وُفق لاغتنام العافية، ثم يختار الأفضلَ فالأفضل في زمن الاغتنام. وليعلم أن زيادة المنازل في الجنة على قدر التزيد من الفضائل هاهنا، والعمر قصير، والفضائل كثيرة. فليبالغ في البدار. ومتى تخايل دوام اللذة في الجنة من غير منغصٍ ولا قاطع، هان عليه كل بلاءٍ وشدةٍ" (٣).
ثم ينصح ابن الجوزي بمصاحبة الصالحين، والمكثرين من الفضائل، والمتشوقين للآخرة، لأنهم المؤثرون بتفكيرهم وسلوكهم في الآخرين، والبعد عن مخالطة محبي الدنيا وزينتها، فقال في ذلك: "فالنظر في سِيَر المجدين، فإنه يعود مستجلبًا للفكر منها شتى الفضائل والتوفيق من وراء ذلك. فأما مخالطة الذين ليس عندهم خبر إلا العاجلة فهو من أكبر أسباب مرض الفهم وعلل العقل" (٤).
د- تكوين روح الطاعة والإخلاص لله وحده
إن إخلاص العبادات والعمل لله وحده، من الأساليب الفعالة في تزكية النفس البشرية وتطهيرها من الشرور والآثام، والسموّ بها عن الدنايا والرذائل، وتبرز أهمية هذا الأسلوب الفعال في الرقي الروحي للإنسان، في كونها صلة ربانية بين العبد وربه، وهذه الصلة خفية لا يعلمها إلا الله تعالى، فتضفي على الأعمال صفة العبودية لله وحده لا شريك له، وتنفي عن الإنسان النفاق والرياء وحبَّ السمعة. قال
_________________
(١) أي حال وجود ما يذكره بالجنة، وحال ما يذكره بالنار.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٠٠.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٧٧.
(٤) المرجع السابق، ص ٣٢٩.
[ ٣٤٥ ]
الرسول - ﷺ -: "إنما الأعمالُ بالنيةِ، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه" (١). فالنية الخالصة لله تعالى تحول العادات إلى طاعات وقربات لله تعالى، وتصبغها بالصبغة الإيمانية، والنية الحسنة لابد أن يصحبها عمل موافق للشرع، وإلا حَبط ولم يُقبَل، وقد قال الرسول - ﷺ -: "إن اللهَ تعالى لا يقبل من العملِ إلا ما كانَ خالصًا، وابتُغي بهِ وجهُه" (٢). وقد أكد ابن الجوزي أهمية النية، لأثرها في زيادة الإيمان، فقال: "ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في الخير قائمةً، من غير فتور بما يعجز عنه البدن من العمل" (٣).
وقد استشهد ابن الجوزي بحديث رسولنا الكريم - ﷺ -: "نيةُ المؤمنِ خيرٌ من عملهِ" (٤).
ثمَّ نصح ابن الجوزي ابنه قائلًا: "فلا تعظن إلا بنيةٍ، ولا تمشين إلا بنيةٍ، ولا تأكلن لقمة إلا بنيةٍ، ومع مطالعة أخلاق السلف ينكشف لك الأمر" (٥). وقال أيضًا مخاطبًا نفسه: "ولا تعملي عملًا إلا بعد تقديم النية" (٦).
ويقصد ابن الجوزي بأقواله في النية، أن على الإنسان أن يخلص نيته لله تعالى، متى يقبل عمله، ويصبح عبادة يؤجر عليها. "فالعبرة إذًا بحال القلب، وتصحيح القصد، وتطهيرُ النية من كل وصف مذموم
_________________
(١) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح البخاري. الجزء الحادي عشر، ص ٥٧٢، كتاب الأيمان والنذور، باب النية في الإيمان.
(٢) مرجع سابق، النسائي، أبو عبد الرحمن. سنن النسائي. المجلد الثالث، الجزء السادس، ص ٢٥، كتاب الجهاد، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٠.
(٤) الأثري، عبد الرحمن، بن علي بن محمَّد بن عمر، الشيباني، الشافعي. كتاب تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث. بيروت، دار الكتاب العربي، دون طبعة وتاريخ، ص ١٨٥.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥٩.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٨٣.
[ ٣٤٦ ]
يباعد عن الله تعالى، واجب على كل مسلم، لأن الاعتناء بإصلاح القلب مقدم على عمل الجوارح، وعمل القلب مُصحِّح للأعمال الشرعية، أما الأجسام والمظاهر فليس المعول عليها قطعًا" (١). وإذا كانت النية خالصة لله تعالى، ومصاحبة لجميع تصرفات المرء ومشاعره وأفكاره، حوَّلت حياته إلى عبادة دائمة لله تعالى، وهذا تحقيق لقول الله تعالى -وإن لم يستشهد به ابن الجوزي هنا-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
والنية الصادقة بهذا المفهوم، تصبح الصلة الدائمة بين العبد وربه، وعن طريق هذه الصلة تكون تربية الروح.
هـ- ممارسة العبادات المفروضة رغبًا ورهبًا
ومن الأساليب الحيوية في تربية الجانب الروحي في الإنسان أداءُ العبادات بمفهومها المقصور على الصلاة والصوم والزكاة والحج. ولا نقصد هنا مفهوم العبادة الشامل لكل جوانب الحياة. والعبادة من الأساليب الفعالة في تربية الروح وتزكيتها، وانطلاقها إلى عالم النور، وقد عرَّف شيخ الإِسلام ابن تيمية العبادة بقوله: إنها "اسم جامع لكل ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: فالصلاة والزكاة والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك، هي من العبادات لله" (٣).
_________________
(١) العلي، محمَّد، بن صفوك. تكاليف القلب السليم. الكويت، مكتبة الصحابة الإِسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ- ١٩٨٥ م، ص ٤٧.
(٢) سورة الأنعام، الآية ١٦٢.
(٣) ابن تيمية، تقي الدين، أحمد. العبودية. الرياض، مكتبة المعارف، طبعة ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، ص ٤.
[ ٣٤٧ ]
والعبادة سواء كانت الفعلية كالصلاة والصوم والزكاة والحج، أو القولية كالذكر أو الاستغفار والدعاء، لابد أن يصحبها استحضار واستشعار لمعانيها، من قلب خاشع، وعقل واع، حتى تتم الصلة الحقيقية بين العبد وربه، فترتقي الروح إلى مدارج عالية من التقوى والطمأنينة والسكينة والخشوع، فتؤتي في النفس أكلها، وتثمر في الخلق والسلوك.
وقد انتقد ابن الجوزي عبادات الناس فقال: "تأملت على أكثر الناس عباداتهم، فإذا هي عادات. فأما أرباب اليقظة فعاداتهم عبادة حقيقية. فإن الغافل يقول سبحان الله عادة، والمتيقظ لا يزال فكره في عجائب المخلوقات أو في عظمة الخالق، فيحركه الفكر في ذلك فيقول: سبحان الله" (١). وسنفصل في هذا الجانب التعبدي الهام، ولكننا سنركز في دراستنا على الجانب التربوي للعبادات، وآثارها النفسية والسلوكية والخلقية في تزكية الروح، دون التركيز على الأحكام الفقهية المتعلقة بهذه العبادات من حيث فضلها وأركانها وواجباتها وشروطها وسننها ومبطلاتها ومكروهاتها. . . الخ. وإن كان لهذه الأحكام من جانبها الفقهي دور تربوي كبير في تنظيم حياة الناس، بطريقة تكسبهم العادات السلوكية الصالحة الاجتماعية والخلقية، التي مع استمرار الممارسة لها، تصبح جزءًا من شخصياتهم.
وسنظهر الآثار التربوية للعبادات من خلال آراء ابن الجوزي التربوية، ثم نربطها بالمنهج التربوي الإسلامي. هذا وقد ناقشها ابن الجوزي من نقاط عدة هي:
و- تطهير النفس وتزكيتها من الرذائل
لابن الجوزي أقوال في الطهارة بمعناها الظاهري المتضمِّن للنظافة والوضوء والغسل، وبمعانيها الداخلية لإصلاح الباطن وتزكيته. وسنعرض لأهم آرائه ثم نناقشها في ضوء المنهج التربوي الإسلامي.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٩٧.
[ ٣٤٨ ]
أنواع التطهير عند ابن الجوزي
قال ابن الجوزي: "إن الطهارة على أربعة أضرب:
الضرب الأول: تطهير البدن من نجس أو حدث أو فضلة من البدن.
والضرب الثاني: تطهير الجوارح من الآثام.
والضرب الثالث: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة من الحرص والحقد والحسد والكبر وغير ذلك.
والضرب الرابع: تطهير السر عما سوى الله -﷿-. وهذه المرتبة العليا، ولم تحصل إلا لمن تجلت له أوصاف الحبيب فدخل في دائرة المحبة" (١)،
النوع الأول: من تطهير البدن من نجس أو حدث أو فضلة من البدن
هذا النوع من التطهير سبقت مناقشته في التربية الصحية، لارتباطه الوثيق بها، ومنعًا من التكرار لن نذكره هنا.
النوع الثاني: تطهير الجوارح أو الأعضاء من الآثام
قال ابن الجوزي في الضرب الثاني من الطهارة: "تطهير الجوارح من الآثام" (٢). وقد استشهد بقوله -﷿-: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٣).
معنى الجوارح في اللغة: "وجوارح الإنسان: أعضاؤه، وعوامل جسده، كيديه ورجليه، واحدتها جارحة، لأنهن يجرحن الخير والشر، أي يكسبنه" (٤).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني. ص ٢١٧ - ٢٢٠.
(٢) المرجع السابق، ص ٢١٩.
(٣) سورة الإسراء، الآية ٣٦.
(٤) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثاني، ص ٤٢٣.
[ ٣٤٩ ]
وبناء على المعنى اللغوي، فالمقصود من قول ابن الجوزي، هو كف أعضاء الإنسان من سمع وبصر ولسان، ويد ورجل عن ارتكاب المعاصي التي نهى عنها الإِسلام. وقد وردت بعض الأحاديث النبوية الشريفة، التي تحث على تنزيه هذه الجوارح من معصية الله تعالى، قال الرسول - ﷺ -: "كُتبَ على ابن آدمَ نصيبُه من الزنى مدركٌ ذلك لا محالةَ. فالعينان زناهما النظرُ. والأذنان زناهما الاستماعُ. واللسانُ زناه الكلامُ. واليدُ زناها البطشُ. والرجلُ زناها الخُطا. والقلبُ يهوى ويتمنى. ويصدّقُ ذلك الفرجُ ويكذّبُه" (١). وقد ورد في شرح هذا الحديث في صحيح مسلم نفسه، أن المقصود بالزنى، الزنى المجازي وليس الحقيقي.
إن للجوارح من سمع وبصر ولسان وشم ولمس وذوق ويدين ورجلين، أثرًا كبيرًا في اتباع الشهوات أو اجتنابها، فهي موصل جيد لرغبات الإنسان إلى القلب، وقد شبهها ابن الجوزي بالسواقي التي تحمل مع الماء كل شيءٍ، فقال: "إن الجوارح كالسواقي توصل إلى القلب الصافي والكدرِ، فمن كفها عن الشر جلت معدة القلب بما فيها من الأخلاط فأذابتها، وكفى بذلك حمية، فإذا جاء الدواء صادف محلًا قابلًا" (٢). أما من ترك الجوارح دون ضبطٍ وكف وتهذيب عن المحرمات، فقد أوقعها في المعاصي والآثام؛ قال ابن الجوزي في ذلك: "ومن أطلقها في الذنوب أوصلت إلى القلب وسخ الخطايا وظلم المعاصي، فلو وضع الدواء كان بينه وبين القلب حجاب" (٣). وحتى نحافظ على الجوارح عفيفة مبرأة من الذنوب، فقد نصح ابن الجوزي بالعزلة النافعة علاجًا لها، فقال: "فلا تكاد الجوارح تسلم من الخطايا إلا بالعزلة، فمن أمكنه فما أحسنه" (٤)، فمن لم يستطع بالعزلة فعليه بمجاهدة النفس، وتدريب الجوارح على الالتزام بما أمر الله، واجتناب ما نهى، قال ابن
_________________
(١) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠٤٧، كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره، حديث رقم ٢١.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني. ص ٢١٩.
(٣) المرجع السابق، الجزء الثاني، ص ٢١٩.
(٤) المرجع السابق، الجزء الثاني، ص ٢١٩.
[ ٣٥٠ ]
الجوزي في ذلك: "ومن لم يمكنه تحفظ في مخالطته للخلق تحفظ المجاهد في الحرب" (١).
ولم يبين ابن الجوزي كيفية المحافظة على هذه الجوارح، ولكن فصّلها الإمام ابن قيم الجوزية بقوله: "إن العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح. وعلى كل منها عبودية تخصه. والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، وهي لكل واحد من القلب، واللسان، والجوارح" (٢). وسأمثل لجارحة اللسان فقط، لتوضيح المراد من قول ابن قيم الجوزية، حتى لا يطول البحث في هذا الجزء، ولمن أراد الاستزادة يمكن الرجوع إلى كتاب مدارج السالكين. قال ابن قيم الجوزية: "وأما عبوديات اللسان الخمس. فواجبها: النطق بالشهادتين، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن .. ومن واجبه: رد السلام. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضالّ، وأداء الشهادة المتعينة، وصدق الحديث.
وأما مستحَبُّهُ: فتلاوة القرآن، ودوام ذكر الله، والمذاكرة في العلم النافع، وتوابع ذلك.
وأما محرمُهُ: فهو النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله - ﷺ -، كالنطق بالبدع المخالفة لما بعث الله به رسوله والدعاء إليها، وتحسينها وتقويتها، وكالقذف وسبّ المسلم، وأذاه بكل قول، والكذب، وشهادة الزور، والقول على الله بلا علم. وهو أشدها تحريمًا.
ومكروهه: التكلّم بما تركُهُ خير من الكلام به، مع عدم العقوبة عليه.
والمباح: فيما فيه منفعة له، ولا مضرة عليه في الآخرة" (٣). وهكذا يمكن قياس بقية الجوارح بهذه العبوديات الخمس، للاستعانة بها في تدريب الجوارح على مرضاة الله تعالى. فإذا تم للإنسان التنظيف
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء الثاني، ص ٢١٩.
(٢) ابن قيم الجوزية. تهذيب مدارج السالكين. (هذبه) العربي، عبد المنعم، صالح، جدة، دار المطبوعات الحديثة، محرم ١٤٠٢ هـ، ص ٨٤.
(٣) المرجع السابق، ص ٨٧.
[ ٣٥١ ]
البدني المحسوس، ثم تطهير الجوارح، فقد تم شطر الطهارة الكاملة التي يدعو إليها المنهج التربوي الإسلامي.
النوع الثالث: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة:
قال فيه ابن الجوزي: "تطهير القلب من الأخلاق المذمومة، من الحرص والحقد والحسد والكبر وغير ذلك، ولا يمكن معالجته من أدوائه بدوائه حتى تقع الحمية التي وصفناها في كف الجوارح، ثم يعالج كل داءٍ بدوائه" (١).
وهذا القول يدل على فهم ابن الجوزي الصحيح، للمنهج العبادي في الإسلام، وأهمية ارتباط العبادات بالأخلاق الفاضلة. وإن كلام ابن الجوزي هذا موافق لقول الرسول - ﷺ -، -وإن لم يستشهد به- عندما سأل أصحابه: "أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. فقال: إن المفلسَ من أمتي، من يأتي يومَ القيامةِ بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتمَ هذا، وقذف هذا، وسفكَ دَم هذا، وضربَ هذا. فيعطى هذا من حسناتِه، وهذا من حسناتِه. فإن فنيت حسناتُه، قبل أن يَقضي ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه. ثم طرحَ في النارِ" (٢). إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية في هذا المعنى.
وقد نقد ابن الجوزي، المتعبد الذي غفل عن المعنى الحقيقي للعبادات، وأثرها الإيجابي في تهذيب الأخلاق، وغرس الفضائل، فقال: "وكم من متعبد يبالغ في كثرة الصلاة والصوم ولا يعاني صلاح القلب، وقد يكون عنده الكبر والرياء والنفاق والجهل بالعلم ولا يحسّ بذلك" (٣)، وهذا مصداق لقول الرسول - ﷺ -: "من لم يدع قولَ الزورِ والعملَ به، فليس للهِ حاجةٌ في أن يدع طعامَه وشرابَه" (٤).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٢٠.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ١٩٩٧، كتاب البر والصلاة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث رقم (٥٩ - ٢٥٨١).
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٢٠.
(٤) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الرابع، ص ١١٦، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم، حديث رقم ١٩٠٣.
[ ٣٥٢ ]
ثم بيَّن ابن الجوزي أن العلاج التربوي لهذا الفهم الخاطئ في فصل العبادات عن الأخلاق، إنّما يتم عن طريق تربية وتدريب المرء على أداء العبادات بطريقة صحيحة كما فرضها الله تعالى، بحيث يستشعر جميع المعاني الإيمانية والنفسية والخلقية والاجتماعية، التي يجنيها من وراء هذه العبادات، فتُنبت في نفسه الحب والتعظيم لله تعالى، والتواضع لعباده، وذلك بالإضافَة إلى ما يترتب عليهما من ثمار جليلة، لا يتذوقها إلا من شعر بحلاوة الوقوف بين يدي الله تعالى. فقال ابن الجوزي في ذلك: "وهذه آفات لا دواء لها إلا الرياضة بالعلم، ليقع التهذيب بإصلاح دائه، وإنما تنفع العبادة وتظهر آثارها وتبين لذاتها مع إصلاح أمراض القلب" (١).
النوع الرابع: تطهير السر أو القلب عمَّا سوى الله:
وقد قال فيه ابن الجوزي: "تطهير السرّ عمَّا سوى الله -﷿-. وهذه المرتبة لم تحصل إلا لمن تجلت له أوصاف الحبيب فدخل في دائرة المحبة" (٢). والمرتبة التي قصدها ابن الجوزي، هي مرتبة الإحسان، التي اعتبرها ابن قيم الجوزية: "لبَّ الإيمان، وروحه وكماله. وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل. فجميعها منطوية فيها" (٣). وقد قال فيها رسولنا الكريم - ﷺ - "أن تعبدَ الله كأنك تراهُ، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراكَ" (٤).
وهذه المرتبة تصل بصاحبها إلى "كمال الحضور مع الله -﷿-. ومراقبته الجامعة لخشيته، ومحبته ومعرفته، والإنابه إليه، والإخلاص له، ولجميع مقامات الإيمان" (٥).
وهذه المرتبة العالية، تحتاج من الفرد، المجاهدة المستمرة، وإيثار
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٢٠.
(٢) المرجع السابق، الجزء الثاني، ص ٢٢٠.
(٣) مرجع سابق، ابن قيم الجوزية. تهذيب مدارج السالكين. ص ٤٨١.
(٤) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ١١٤، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإِسلام والإحسان، وعلم الساعة. وبيان النبي - ﷺ - له، حديث رقم ٥٠.
(٥) مرجع سابق، ابن قيم الجوزية. تهذيب مدارج السالكين. ص ٤٨١.
[ ٣٥٣ ]
محبة الله تعالى على كل شيء، حتى ترتقي النفس البشرية بروحها وسلوكها وشهواتها، عن رغبات الدنيا وزينتها، فيسير الإنسان منضبطًا، قويًا، طاهرًا، عفيفًا، نحو مرضاة الله تعالى، فتتكون الشخصية الإسلامية المؤمنة، كما أرادها المنهج التربوي الإسلامي. وهذا ما ينبَّه عليه علم التربية الإسلامية المعاصرة في الوقت الحالي.
وعن طريق هذه الأنواع الأربعة من الطهارة بمفهومها الظاهري والباطني، نستطيع أن نبني ونربي الفرد المسلم على العبودية الخالصة لله تعالى.
ز- أداء العبادات المفروضة وتأثيرها بالروح التربوية:
بعد أن تكلمنا على الطهارة لبعض العبادات، سنناقش في هذا المبحث الجانب التعبدي المتمثل في الصلاة والصيام والزكاة والحج، باعتبارها شعائر مفروضة، أمر الله عباده بأدائها في أوقات محددة، وبصفات مخصوصة، وهذه العبادات لها جانبان فقهي وتربوي، وسنقتصر في دراستنا على الجانب التربوي التهذيبي للنفس البشرية.
وهذه العبادات بتنوعها وتعددها السنوي والشهري والأسبوعي واليومي، تعتبر روافد أساسية دائمة ومتجددة للزاد الذي يغذي الروح، ويهذب السلوك، ويقوَّم الخلق، ويقوي البدن، ويسمو بالنفس عن شهوات الدنيا، ويعينها على تخطي العقبات، وتحمل الابتلاء، بقلوب مؤمنة، صابرة، قادرة على تحمُّل أعباء الدعوة إلى الله وتكاليفها.
وسنقوم بعرض آراء ابن الجوزي التربوية في هذه العبادات، وما تتركه من آثار واضحة في شخصية المؤمن. وقد ركز ابن الجوزي على الجانب الفقهي للعبادات، وذكر بعض الآثار التربوية اليسيرة، ولكن يمكن استخلاص المبادئ التربوية المتعددة من خلال عرضه الفقهي، وسأذكر هذه المبادئ في نهاية هذا المبحث.
١ - الصلاة
هي الصلة الدائمة والحية المتجددة، بين الله -﷿- وعبده. وهذه العبادة تحرر العبد من العبودية لغير الله، وتربطه بالله مباشرة دون
[ ٣٥٤ ]
وسيط أو شفيع. ومن خلال الصلاة تتم تربية الإنسان من جميع الجوانب العقلية والصحية والروحية والنفسية والخلقية، فيكون العبد -في أثناء الصلاة- في حالة خضوع تامّ الله -﷿-، فيخشع بدنه وجوارحه من خلال القيام والركوع والسجود، ويتدبر عقله في آيات الله، وما فيها من أمر ونهي، فتهدأ روحه، ويسكن قلبه، ويطمئن وجدانه، وترضى نفسه، ويستقيم خلقه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (١).
وفي معنى الصلاة التربوي، يقول ابن الجوزي: "إن الله -﷿- عظّم قدر الصلاة لأنها أوفى خدمة العبد، والمراد من العبد التعبد، وهي جامعة بين خضوع بدنه، ونطق لسانه، وحضور قلبه، وإن الله تعالى جعل عبادة ملائكته بين سجود وركوع وذكر، وذلك مجموع في الصلاة" (٢). ثم بيَّن ابن الجوزي أن من شروط قبول الصلاة عند الله تعالى، أن تؤتي ثمارها من السكينة النفسية، والطمأنينة القلبية، استحضار معاني ما فيها، واستشعار رقابة الله وخشيته وحبه والشوق إليه، لأن المصلي إذا تدبّر في معاني الصلاة، فإنه لابد يذوق حلاوة طاعة الله تعالى، قال ابن الجوزي: "كان أرباب التفكر من السلف يشاهدون في كل شيء عبرة، فيذكرون بالأذان نداء العرض، وبطهارة البدن تطهير القلب، وبستر العورة طلب ستر القبائح من عيوب الباطن، وباستقبال القبلة صرف القلب إلى المقلّب، فمن لم تكن صلاته هكذا فقلبه غافل" (٣).
ثم عرض ابن الجوزي لنموذج من السلف الصالح عند أدائهم للصلاة بخضوع وخشوع، وتفكر من خلال فهمهم العميق للمغزى من الصلاة، وهو تعظيم الله -﷿- بكل جوارحهم، بعد قطع جميع علائق الدنيا من نفوسهم، فقال: "إن المقصود بالصلاة إنما هو تعظيم
_________________
(١) سورة المعارج، الآيات ١٩ - ٢٣.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٣١.
(٣) المرجع السابق، الجزء الثاني، ص ٢٣٥.
[ ٣٥٥ ]
المعبود، وتعظيمه لا يكون إلا بحضور القلب في الخدمة، وقد كان في السلف من يتغير إذا حضرت الصلاة ويقول: أترون بين يدي مَنْ أريد أن أقف!
وأنت تعلم أن من حضر قلبه في تعظيم سلطانه فحضر بين يديه من يعرف إلى جانبيه، امتلأ بهيبة المعظَّم، فإذا أردت استجلاب حضور قلبك الغائب ففرّغه من الشواغل مهما استطعت" (١)، وهكذا فإن الصلاة قوة روحية ونفسية، تعين الفرد على مواجهة متاعب الحياة ومصاعبها، ويجد المؤمن في ظلالها الهدوء النفسي، والسكينة والاطمئنان، وجميع هذه الأمور وغيرها تصقل شخصية المؤمن وتزيدها قوة وكمالا.
٢ - الزكاة
أحد أركان الإسلام الخمسة لقوله - ﷺ -: "بُني الإِسلامُ على خمس: شهادةِ أن لا إلَه إلا اللهُ وأن محمدًا عبدهُ ورسولهُ. وإقامِ الصلاة. وإيتاءِ الزكاة. وحجَّ البيت. وصومِ رمضان" (٢).
والزكاة من العبادات المفروضة على كل مسلم، وهي مقيدة بحدود وشروط ثابتة في القرآن الكريم والسُّنّة النبوية المطهرة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤).
والإنسان بفطرته يحب المال حبا كثيرًا، لقول الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٦). والمنهج
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء الثاني، ص ٢٣٥.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٤٥، كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإِسلام ودعائمه العظام، حديث رقم ٢١.
(٣) سورة البقرة، الآية ١١٠.
(٤) سورة التوبة، الآية ٦٠.
(٥) سورة الفجر، الآية ٢٠.
(٦) سورة العاديات، الآية ٨.
[ ٣٥٦ ]
التربوي الإسلامي اعترف بهذه الفطرة ليسمو بها عن البخل، ويوجهها للإنفاق الصحيح، وجعل المال وسيلة يستعين بها المرء على طاعة الله تعالى ومرضاته، وليست الغاية جمع المال وكنزه. وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "لا ينكر أن الطباع تحبّ المال، لأنه سبب بقاء الأبدان، لكنه يزيد حبه في بعض القلوب حتى يصير محبوبًا لذاته، لا للتوصل به إلى المقاصد. فترى البخيل يحمل على نفسه العجائب، ويمنعها اللذات وتصير لذاته في جمع المال. وهذه جبلّة في خلق كثير" (١).
وعبادة الزكاة لها معان جليلة في تهذيب النفس البشرية وتطهيرها من الشحّ والبخل والأثرة والطغيان والاستبداد. وقد بيَّن ابن الجوزي بعض المعاني التي يمكن أن نستخلصها من هذه العبادة، فقال: "وينبغي للمتيقظ أن يفهم المراد من الزكاة، وذلك ثلاثة أشياء:
أحدها: الابتلاء بِإخراج المحبوب.
والثاني: التنزه عن صفة البخل المهلك.
والثالث: شكر نعمة المال، فليتذكر إنعام الله عليه، إذ هو المعطي لا المعطَى" (٢).
وسنقوم بتحليل هذه المعاني، التي ذكرها ابن الجوزي تربويًا، فقال في المعنى الأول: "الابتلاء بإخراج المحبوب"، هنا لا يخالف ابن الجوزي الحقيقة القرآنية، من حب الإنسان العظيم للمال، وحرصه عليه. وأنه تجلت حكمة الله تعالى في جعل الزكاة فريضة إلزامية على كل فرد، حتى يربي النفس البشرية على البذل والعطاء، واجتناب كنز المال والحرص عليه. وقد اعتبر ابن الجوزي هذه الفريضة من الابتلاء والاختبار للإنسان، بسبب تمكَّن حب المال في قلبه، فصار إخراجه منها صعبًا، ويحتاج إلى مجاهدة ومصابرة، حتى تبذل عن طواعية ورضى.
أما المعنى الثاني فقال فيه ابن الجوزي: "التنزه عن صفة البخل
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٩١ - ٢٩٢.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي التبصرة. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى، الجزء الثاني، ص ٢٥٠.
[ ٣٥٧ ]
المهلك". وذلك لأن حب الإنسان للمال وحرصه الشديد عليه، قد يدفعه إلى سفك الدماء، أو انتهاك الأعراض، أو الوقوع في المحرّمات، ولا يقتصر بخله على ذلك، بل يتعداه إلى إهلاك نفسه، فيعرضها لعقوبة الله تعالى في الدنيا والآخرة، وتعريض أهله وعياله إلى التشرد أو السرقة أو النصب والاحتيال.
أما المعنى الثالث فقال فيه ابن الجوزي: "شكر نعمة المال، فليتذكر إنعام الله عليه إذ هو المعطي لا المعطَى" (١). وهنا يقرر ابن الجوزي حقيقة مؤكدة، ينبغي للإِنسان أن يدركها، وهي أن الله -﷿- هو المالك الحقيقي لكل ما في الكون، وهو واهب المال وخالقه وميسر سبله للإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٤). وبما أنَّه تعالى هو المالك والواهب لكل شيء بما فيه المال، فلابد من شكر الله تعالى على هذه النعم، والاعتراف بفضله ومنته عليه، وهذا الشكر لا يكون باللسان، ولكن يترجم من خلال تنفيذ أوامره تعالى، بالإنفاق من هذا المال في كل ما يرضي الله تعالى، ووفق ما قررته الآيات القرآنية والأحاديث النبوية -نذكر بعضها وإن لم يستشهد بها ابن الجوزي في هذا الموضع- قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٥).
ينبغي أن يكون إخراج الزكاة من المال الطيب الحلال، لأن الله -﷿- طيب لا يقبل إلا طيبًا، وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٦) في هذا المعنى قال ابن الجوزي: "إن الإنفاق يقع على الزكاة
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٥٠.
(٢) سورة النور، الآية ٣٣.
(٣) سورة الحديد، الآية ٧.
(٤) سورة البقرة، الآية ٢٥٤.
(٥) سورة البقرة، الآية ١٧٧.
(٦) سورة آل عمران، الآية ٩٢.
[ ٣٥٨ ]
المفروضة وعلى الصدقة النافلة، وعلى الإيثار والمواساة للإخوان، فمن أخرج لله -﷿- شيئًا، فليكن من أطيب ماله، وليوقن المضاعفة" (١). للزكاة أثر كبير في تهذيب النفس البشرية من الشح والبخل، لأن الإنسان "الذي يسدي الخير، ويصنع المعروف، ويبذل من ذات نفسه ويده، لينهض بإخوانه في الدين والإنسانية، وليقوم بحق الله عليه، يشعر بامتدادٍ في نفسه، وانشراح واتساع في صدره، ويحس بما يحس به من انتصر في معركةٍ، وهو فعلًا قد انتصر على ضعفه وأثرته وشيطان شحه وهواه. فهذا هو النمو النفسي والزكاة المعنوية" (٢). ويكون المزكي عكس البخيل الذي يمنع حق الله تعالى، فإنه يكون قلقًا، خائفًا على ضياع المال أو فقده، حريصًا على إنفاقه في أضيق الحدود، فيحرم نفسه وأهله وعياله من طيبات الحياة الدنيا. فيسبب لهم التعس والشقاء.
٣ - الصيام
الركن التهذيبي الرابع من أركان الإسلام، قال الله تعالى في فرضيته: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). وللصيام ميزة ينفرد بها عن غيره من العبادات، ذكرها ابن الجوزي قائلًا: "إن الصوم من أشرف العبادات، وله فضيلة ينفرد بها عن جميع التعبَّدات، وهي إضافته إلى الله -﷿-" (٤) بقوله: "الصوم لي وأنا أجزي به" (٥).
وقد استشهد ابن الجوزي على فضيلة الصيام بقول الرسول - ﷺ -:
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٥٦.
(٢) القرضاوي، د. يوسف. العبادة في الإسلام. بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الحادية عشرة. ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، ص ٢٥٩.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٨٥.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٦١.
(٥) مرجع سابق، العسقلاني. فتح البارى بشرح صحيح البخاري. الجزء الثالث عشر، ص ٤٦٤، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، حديث رقم ٧٤٩٢.
[ ٣٥٩ ]
"إن في الجنة بابًا يقالُ له الريان، يدخلُ منه الصائمون يومَ القيامةِ، لا يدخلُ منه أحدُ غيرهُم، يقال: أين الصائمون، فيقومون، لا يدخلُ منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أُغْلقَ، فلم يدخلْ منه أحدٌ" (١).
والصوم يختلف عن العبادات الأُخرى، بأنه كفُّ وامتناع عن الأكل والشرب ومباشرة النساء، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع نية التعبد، طوال الشهر. "وهذا الامتناع والترك، وإن بدا سلبيًّا في مظهره، فهو عمل إيجابي في حقيقته وروحه، إذا هو كفّ النفس عما تشتهيه بنية القربة إلى الله تعالى فهو بهذا عمل نفسي إرادي، له ثقله في ميزان الحق والقبول عند الله" (٢). ولا يقتصر هذا الكف والامتناع عن الحاجات الفطرية للإنسان، بل يتعداه إلى كف الجوارح عن كل ما حرّم الله تعالى. لقول الرسول - ﷺ -: "الصيامُ جُنةٌ فلا يرفث ولا يجهلْ، وإن امرؤ قاتلَه أو شاتمَه، فليقلْ إني صائم" (٣). وقد قال ابن الجوزي في هذا المعنى: "إن للصوم آدابًا منها: كف النظر واللسان عن الفضول، والإفطار على الحلال وتعجيله، وأن يفطر على تمر" (٤).
ولم يذكر ابن الجوزي -فيما اطلعت عليه من مؤلفاته- الآثار التربوية العظيمة من الصيام، مثل إخلاص العبادة لله، وتقوية الإرادة والصبر، وضبط النفس والحلم، وكظم الغيظ، والإحساس بالفقراء والمساكين والمحرومين، بالإضافة إلى الفوائد الصحية التي تقوِّي الجسم وتقيه من الأمراض.
٤ - الحج
الركن الخامس من أركان الإِسلام، وقد فرض الله تعالى الحج مرة واحدةّ في العمر، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء الرابع، ص ١١١، كتاب الصوم، باب الريان للصائمين، حديث رقم ١٨٩٦.
(٢) مرجع سابق، القرضاوي. العبادة فى الإسلام. ص ٢٧١.
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الرابع، ص ١٠٣، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، حديث رقم ١٨٩٤.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٦٣.
[ ٣٦٠ ]
إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
والحج رحلة إيمانية، جهادية، مقدسة، تقطعها الأقدام والقلوب والأرواح لمرضاة الله، ليكون ثوابها الجنة، لقول الرسول - ﷺ -: "والحجُ المبرورُ ليس لهُ جزاءٌ إلا الجنةُ" (٢)، وقوله - ﷺ -: "من حجَ هذا البيتَ فلم يرفث ولم يفسق رجعَ كما ولدتْه أمُه" (٣). وقد اشتملت فريضة الحج على جميع الأمور التعبدية التي أوجبها الله تعالى على عباده، من صلاة، وصيام، وصدقة وذكر. كذلك الحج له أسرار وآثار روحية وتربوية واجتماعية وخلقية جمة، وابن الجوزي يبين بعض أسراره بقوله: "وينبغي لمن أراد الحج أن يفهم معنى الحج، فإنه يشار به إلى التجرد لله -﷿-، ومفارقة المحبوبات. وليتذكر بأهوال الطريق الأهوال بعد الموت وفي القيامة، وبالإحرام الكفن، وبالتلبية إجابة الداعي، وليُحضر قلبه تعظيم البيت، وليتذكر بالالتجاء إليه التجاء المذنب، وبالطواف الطواف حول دار السيد ليرضى، وبالسعي بين الصفا والمروة، التردد إلى فناء الدار، وبرمي الجمار، رمي العدوّ" (٤). فإذا تدبر هذه المعاني، واستشعر ما فيها، فإنه يذوق حلاوة طاعة الله تعالى، ويقف على الحِكَم العظيمة فيه.
وبعد: فأهم الآراء التربوية المستخلصة من هذا الجانب هي:
أولًا:
١ - الاهتمام بغرس العقيدة الإِسلامية الصحيحة، وربطها بجميع جوانب النفس البشرية.
٢ - أهمية التربية الروحية للباطن والظاهر عند تكوين الشخصية المؤمنة.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية ٩٧.
(٢) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثالث، ص ٥٩٧، كتاب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها، حديث رقم ١٧٧٣.
(٣) المرجع السابق، الجزء الرابع، ص ٢٠، كتاب المحصر، باب قول الله تعالى ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ حديث رقم ١٨١٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٨١.
[ ٣٦١ ]
٣ - ارتباط التربية الروحية بالنواحى التعبدية والخلقية والاجتماعية والنفسية والجسمية.
ثانيًا: الآثار التربوية المستخلصة لكل نوع من العبادات في نظر ابن الجوزي:
١ - الآثار التربوية للصلاة
(١) تقوية الصلة بين الله -﷿- وعبده.
(٢) تذوق حلاوة الإيمان من خلال استحضار معاني الصلاة وتفريغ القلب من المشاغل.
٢ - الآثار التربوية للزكاة
(١) تزكية النفس البشرية من الشحّ والبخل.
(٢) تقوية إرادة البذل والعطاء.
(٣) إخلاص التجرد لله -﷿-.
٣ - الآثار التربوية للصوم
(١) تقوية إرادة الامتناع عن الشهوات.
(٢) زيادة الإيمان والتقوى لله تعالى.
(٣) تدريب النفس على الصبر.
٤ - الآثار التربوية للحج
(١) إخلاص التجرد الله -﷿-.
(٢) تدبر مناسك الحج وربطها بالمعاني الإيمانية المختلفة.
[ ٣٦٢ ]