عندما فطر الله تعالى الإنسان على الإيمان بوجوده، زوده بالإدراك لمعرفة بعض الأمور التي تعتبر من البديهيات، يقول في هذا د. يالجن: "الاستدلال على وجود شيء غير مرئي بوجود دلائل مرئية أو حسية، ومثل أن إعادة إيجاد الشيء أسهل من إيجاده أول مرة، ودلالة الصنعة على الصانع، ودلالة الأثر على المؤثر، وإن الشيء لا يكون موجودًا وغير موجود في آن واحد، وإن المساويين لثالث متساويان. وغير ذلك من المبادئ الفطرية العقلية، التي يدّعي العقليون المثاليون أنها مبادئ يقينية تؤدي إلى حقائق يقينية" (١).
وهذا الإدراك البديهي الفطري، أيدته الآيات القرآنية، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢). وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣). إلى غير ذلك من الآيات.
وقد أورد ابن الجوزي أقوال عدة تؤيد فطرية الإيمان بوجود الله تعالى، ننتقي منها قوله: "إن الله -﷿- وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل. فالنفوس تعلمها ضرورةً، وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها، فإنه وضع في النفس أن المصنوع لابد له من صانع، وأن المبني لابد له من بانٍ، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالةٍ واحدةٍ. ومثل هذه الأشياء لا تحتاج إلى دليل" (٤). وقوله: "من رأى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، وشاهد الأبنية المحكمة، خصوصًا في جسد نفسه، علم أنه لابد للصنعة
_________________
(١) مرجع سابق، يالجن. جوانب الترببة الإِسلامية الأساسية. ص ١٥٨.
(٢) سورة العنكبوت، الآية ١٩.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٦٤.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٤٩.
[ ٣٢٨ ]
من صانع، وللمبني من بانٍ" (١). ثم بيَّن ابن الجوزي أن وجود الله تعالى يتأكد من خلال مخلوقاته، فقال في ذلك: "وأما المتعلق بالمعبود ﷻ فقد منع الشرع من التفكير في ذات الله -﷿- وصفاته، فقال - ﷺ -: "تفكرُوا في خلقِ اللهِ ولا تتفكروا في اللهِ، فإنكم لن تقدروا قدرَه".
فلم يبق إلا النظر في الآثار التي تدل على المؤثر. وجميع الموجودات من آثار قدرته. وأعجب آثاره الآدمي، فإنك إذا تفكرت في نفسك كفى، وإذا نظرت في خلقك شفى. أليس قد فعل في قطرة من ماء ما لو انقضت الأعمار في شرح حكمته ما وفت" (٢).
وهذا القول مصداق لقول الله تعالى -على الرغم من أن ابن الجوزي لم يستشهد به فيما طالعته- عندما يدعونا الله للتفكر في طبيعة النفس البشرية، ثم في خلق الإنسان من ماء مهين. قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ (٤).
وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي: "من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه، هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، فقد دبرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع من المصنوع" (٥)، وقوله في خلق الإنسان: "أنشأه من قطرةٍ، وبناه على أعجب فطرةٍ، ورزقه الفهم والذهن واليقظة والعلم. وبسط له المهاد، وأجرى له الماء والريح، وأنبت له الزرع، ورفع له من فوقه السماء، فأوقد له مصباح الشمس بالنهار، وجاء بالظلمة ليسكن، إلى غير ذلك، مما لا يخفى. وكله ينطق
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٤.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى، الجزء الأول، ص ٥٩.
(٣) سورة فصلت، الآية ٥٣.
(٤) سورة الطارق، الآيات من ٥ - ٩.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٥٣.
[ ٣٢٩ ]
بصوتٍ فصيحٍ يدل على خالقه" (١).
كذلك دعا الله -﷾- إلى التأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ (٣).
وقد بيَّن ابن الجوزي أن حقيقة النظر والتفكر في السموات والأرض، هو التدبر في قدرة الله تعالى، الذي يزيد من إيمان الإنسان ويقينه بالخالق -﷿-. قال: "ليس المراد بالنظر إلى ما في السموات والأرض ملاحظته بالبصر، وإنما هو التفكر في قدرة الصانع" (٤). ثم يستخدم ابن الجوزي أسلوب القرآن الكريم نفسه في الدعوة إلى التأمل والتفكر في مخلوقات الله تعالى، فيقول: "ارفع بصر فكرك إلى عجائب السموات، فتلمح الشمس في كل يوم في منزل، فإذا انخفضت برد الهواء وجاء الشتاء، وإذا ارتفعت قوي الحر، وإذا كانت بين المنزلتين اعتدل الزمان" (٥). ثم دعاه للنظر في عجائب الأرض فقال: "ثم اخفض بصرك إلى الأرض ترى فجاجها مذللة للتسخير، فامشوا في مناكبها وتفكروا في شربها بعد جدبها بكأس القطر، وتلمح خروج النبات يرفل في ألوان الحلل على اختلاف الصور والطعوم والأراييح" (٦). ثم دعاه للنظر والتفكر في قدرة الخالق -﷿- عند نزول المطر فقال: "وانظر كيف نزل القطر إلى عِرق الشجر، ثم عاد ينجذب إلى فروعها ويجري في تجاويفها بعروق لا تفتقر إلى كلفة" (٧). ثم دعاه للنظر في حكمة الله
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٦٨.
(٢) سورة الغاشية، الآيات ١٧ - ٢٠.
(٣) سورة لقمان، الآية ٢٠.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٥٧.
(٥) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٦٠.
(٦) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٦٠.
(٧) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٦٠.
[ ٣٣٠ ]
وقدرته العظيمة في المعادن فقال: "ثم انظر إلى المعادن لحاجات البشر إلى المصالح، فمنها مودع كالرصاص والحديد، ومنها مصنوع بسبب غيره، كالأرض السبخة يجمع فيها ماء المطر فيصير ملحًا" (١). ثم يلفت نظره إلى خلق الحيوانات فيقول: "وانظر إلى انقسام الحيوانات ما بين طائرٍ وماشٍ وإلهامها ما يصلحها" (٢). ثم يدعوه للنظر إلى اتساع ما بين السماء والأرض فقال: "وانظر إلى بُعدِ ما بين السماء والأرض، كيف ملأ ذلك الفراغ هواء لتستنشق منه الأرواح، وتسبح الطير في تياره إذا طارت" (٣). ثم يدعوه أخيرًا إلى التأمل والتفكر في عجائب قدرة الله تعالى في مخلوقات البحر، فقال: "وانظر بفكرك إلى سعة البحر، وتسخير الفلك فيه، وما فيه من دابة" (٤).