قبل عرض الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بالقواعد الفقهية، لابد من معرفة ما المقصود بهذه القواعد؟ ولماذا اعتبرناها أداةً من أدوات تقويم آراء ابن الجوزي التربوية، وأهميتها في الفكر التربوي.
ونبدأ كلامنا بتعريف علم أصول الفقه في الاصطلاح الشرعي: "هو العلم بالقواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. أو هي مجموعة القواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (٢). والمقصود بأدلتها التفصيلية الأدلة الشرعية المعروفة: القرآن، السنة، الإجماع، القياس، الاستحسان، المصلحة المرسلة، العرف، الاستصحاب، شرع من قبلنا، مذهب الصحابي.
والأصولي: "لا يبحث في الأدلة الجزئية، ولا فيما تدل عليه من الأحكام الجزئية، وإنما يبحث في الدليل الكلي وما يدل عليه من حكم كليِّ ليضع قواعد كليةً لدلالة الأدلة كي يطبقها الفقيه على جزئيات الأدلة
_________________
(١) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠٤٧، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، حديث رقم ٢٦٥٨.
(٢) مرجع سابق، خلّاف. علم أصول الفقه. ص ١٢.
[ ٤٦٤ ]
لاستثمار الحكم التفصيلي منها" (١).
وهناك الكثير من القواعد الفقهية التي أصَّلها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، سأذكر بعضًا منها موثِّقة كل قاعدة بآية قرآنية واحدة، أو حديث نبوي واحد اجتنابًا للإطالة.
القاعدة الأولى: "لا ثواب إلا بالنية".
القاعدة الثانية: "الأمور بمقاصدها" (٢). الأصل فيهما قوله - ﷺ -: "إنما الأعمال بالنية. وانما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى اللهِ ورسولهِ فهجرتُه إلى اللهِ ورسولهِ. ومن كانت هجرتُه لدنيا يصيبُها أو امرأة يتزوجُها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه" (٣).
القاعدة الثالثة: "اليقين لا يزول بالشك" (٤) ودليلها ما رواه الإمام البخاري عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسولِ الله - ﷺ -: الرجل الذي يخيلُ إليه أنه يجدُ الشيءَ في الصلاةِ، فقال: لا ينفتل -أو لا ينصرفُ- حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا (٥). وهذا الحديث رواه مسلم (٦).
القاعدة الرابعة: "المشقة تجلب التيسير" (٧). والأصل فيها قوله
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٤.
(٢) ابن نجيم، زين العابدين، بن إبراهيم. الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان. بيروت، دار الكتب العلمية، طبعة سنة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م، ص ٢٧.
(٣) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٥١٥ - ١٥١٦، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ - "إنما الأعمال بالنية. وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال"، حديث رقم ١٥٥ - (١٩٠٧).
(٤) مرجع سابق، ابن نجيم. الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان. ص ٥٦.
(٥) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ٢٣٧، كتاب الوضوء، باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، حديث رقم ١٣٧.
(٦) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٢٧٦، كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، حديث رقم (٩٨ - ٣٦١).
(٧) مرجع سابق، ابن نجيم. الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان. ص ٧٥.
[ ٤٦٥ ]
تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢).
القاعدة الخامسة: "الضرر يزال". أصلها قوله - ﷺ -: "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا. وأخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت -﵃-" (٣).
القاعدة السادسة: "العادة مُحكَّمة" (٤) وقد استندت هذه القاعدة إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٥). وقوله ﷾: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٦) والمقصود بالمعروف: العرف والعادة، وقد عرفها الإمام القرطبي بقوله: "العرف والمعروف والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس" (٧).
وهناك بعض القواعد الكلية الأُخرى الاجتهادية التي يتخرَّج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية منها:
القاعدة الأُولى: الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد.
القاعدة الثانية: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام.
القاعدة الثالثة: هل يكره الإيثار بالقُرَب؟
القاعدة الرابعة: التابع تابع.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ١٨٥.
(٢) سورة الحج، الآية ٧٨.
(٣) مرجع سابق، ابن نجيم. الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان. ص ٨٥.
(٤) المرجع السابق، ص ٩٣.
(٥) سورة البقرة، الآية ٢٢٨.
(٦) سورة النساء، الآية ١٩.
(٧) مرجع سابق، القرطبي، أبي عبد الله، محمد، الأنصاري. الجامع لأحكام القرآن. (تحقيق) البردوني، أحمد عبد العليم، الجزء السابع، ص ٣٤٦.
[ ٤٦٦ ]
القاعدة الخامسة: تصرّف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة.
القاعدة السادسة: الحدود تُدرأ بالشبهات.
القاعدة السابعة: الحرّ لا يدخل تحت اليد فلا يضمن بالغصب ولو صبيًّا.
القاعدة الثامنة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر.
القاعدة التاسعة: إعمال الكلام أولى من إهماله.
القاعدة العاشرة: الخراج بالضمان.
القاعدة الحادية عشرة: السؤال معاد في الجواب.
القاعدة الثانية عشرة: لا ينسب إلى ساكت قول.
القاعدة الثالثة عشرة: الفرض أفضل من النفل.
القاعدة الرابعة عشرة: ما حَرمُ أخذه حرم إعطاؤه.
القاعدة الخامسة عشرة: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
القاعدة السادسة عشرة: الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة.
القاعدة السابعة عشرة: لا عبرة بالظن البيَّن خطؤه.
القاعدة الثامنة عشرة: ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله.
القاعدة التاسعة عشرة: إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر" (١).
وكل قاعدة من هذه القواعد تندرج تحتها قواعد عدة. فمثلًا قاعدة "الضرر يُزال" تتفرع منها القواعد الآتية:
١ - "الضرورات تبيح المحظورات.
٢ - ما أبيح للضرورة يُقَدّر بقدرها.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن نجيم. الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان. ص ١٠٥ - ١٦٥.
[ ٤٦٧ ]
٣ - الضرر لا يزال بالضرر.
٤ - إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفَّهما.
٥ - درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
٦ - الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (١).
القاعدة العشرون: لا اجتهاد مع وجود النص (الدليل).
وهناك بعض القواعد الأخرى التي لها صلة بالتربية وبوسائلها مثل:
١ - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
٢ - ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام.
٣ - ما لا يدرك كله لا يترك جله.
٤ - أفضل الأشياء أحمزها.
٥ - الأصل في الأشياء الإباحة.
إلى غير ذلك من القواعد الأصولية التي تفيدنا في مجال التربية، واكتفي بهذه القواعد لأنها كافية لتقويم آراء ابن الجوزي التربوية.
إن السبب الذي دفع لاعتبار هذه القواعد الأصولية من أدوات تقويم آراء ابن الجوزي التربوية، هو أن نطمئن إلى أن هذه الآراء ضمن الإطار الشرعي العام لهذه الأحكام، ولا تخرج عن ضوابطها الشرعية المحددة.
وبعد استقراء عام لآراء ابن الجوزي التربوية -في حدود الكتب التي درستها من مؤلفاته- يتضح لنا أنه لم يبين ما يتعلق بعلم أصول الفقه، ولم يذكر القواعد الفقهية صراحة، ولكن آراءه تدل على أنه استخدم هذه القواعد الفقهية، وفهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وهذا ما سأوضحه في حينه.
أما بالنسبة لأهمية هذه القواعد الأصولية في الفكر التربوي، فإن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٨٥ - ٩٢، بتصرف.
[ ٤٦٨ ]
هذه القواعد من الأدلة التشريعية للأحكام التي يحتاجها الفرد في حياته العامة والخاصة، ولذلك فإنها تفتح المجال واسعًا أمام التربوي في أن يجد حلولًا وبدائل متعددة للمبادئ التربوية أو مشكلات التربية ضمن الإطار الشرعي العام لمقاصد الشريعة الإسلامية.
لذلك فإن التربوي في مجال التربية الإسلامية، يوظف هذه القواعد الفقهية في خدمة الفكر التربوي بما فيها من ضوابط وأحكام عامة مستنبطة من الأدلة الشرعية.
أما الآراء التربوية التي ربما استنبطها ابن الجوزي من القواعد الفقهية، ولم يذكر فيها القواعد صراحة فنورد نماذج منها فيما يأتي:
١ - قال ابن الجوزي في الدوافع: "وهذا الميل قد خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل، وإلى المشرب ما شرب، وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشتهيه، فالهوى مستجلب له ما يفيد، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذي، فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق" (١). وقد استنبط ابن الجوزي هذا الرأي التربوي من مقاصد الشريعة التي تعود إلى تحقيق المصالح وقد قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام: "أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية" (٢). وهذا الرأي مبني على تحقيق الحاجيات، ومعناها: "أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُراع دخل على المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة.
وهي جارية في العبادات، والعادات، والمعاملات والجنايات. (والذي يتعلق بهذا الرأي هو العادات). . . وفي العادات كإباحة الصيد
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. ص ١٢.
(٢) الشاطبي، أبو إسحاق، إبراهيم، بن موسى، اللخمي، الغرناطي، المالكي. الموافقات في أصول الشريعة. (حققه) دراز، عبد الله، و(ضبطه وفصله ووضع تراجمه) دراز، محمد، عبد الله، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية، ١٣٩٥ هـ- ١٩٧٥ م، المجلد الثاني، ص ٨.
[ ٤٦٩ ]
والتمتع بالطيبات مما هو حلال، مأكلًا ومشربًا وملبسًا ومسكنًا ومركبًا، وما أشبه ذلك" (١).
٢ - وقال ابن الجوزي في ذم الهوى: "وإذا عرف العاقل أن الهوى يصير غالبًا، وجب عليه أن يرفع كل حادثة إلى حاكم العقل، فإنه سيشير عليه بالنظر في المصالح الآجلة، ويأمره عند وقوع الشبهة باستعمال الأحوط في كفّ الهوى، إلى أن يتيقن السلامة من الشر في العاقبة" (٢).
ورأي ابن الجوزي هذا يثير في القارئ تساؤلًا وهو هل الحسن ما حسّنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل؟ وهل يستطيع العقل أن يدرك الحسن والقبيح دون اعتبار للشرع؟
إن قول ابن الجوزي "يرفع كل حادثة إلى حاكم العقل" اختلف فيه علماء المسلمين"، وخلاصة رأيهم أن "مقياس الحسن والقبح للأفعال بالنسبة لهم ما ورد في شريعتهم لا ما تدركه عقولهم بالاتفاق. فما أمر به الشارع فهو حسن ومطلوب فعله ويثاب فاعله، وما نهى عنه الشارع فهو قبيح ومطلوب تركه ويعاقب فاعله" (٣).
وعلى ذلك كان الأولى بابن الجوزي أن يقول: (يرفع الأمر إلى حاكم الشرع والعقل)، وليس إلى حكم العقل فقط، وذلك يتضح من حديث معاذ عندما أرسله الرسول - ﷺ - قاضيًا إلى اليمن فقال له: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ فقال: أقضي بكتاب الله قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنَّة رسول الله - ﷺ - قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله - ﷺ -، ولا في كتاب الله؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله - ﷺ - على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - ﷺ - لما يرضي رسول الله" (٤).
_________________
(١) المرجع السابق، المجلد الثاني، ص ١٠ - ١١.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. ص ١٣.
(٣) مرجع سابق، خلّاف. علم أصول الفقه. ص ٩٩.
(٤) مرجع سابق، الأزدي. سنن أبي داود. الجزء الثالث، ص ٣٠٣، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، حديث رقم ٣٥٩٢.
[ ٤٧٠ ]
٣ - قال ابن الجوزي في التداوي: "فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب. كان إعراضي عن الأسباب دفعًا للحكمة. ولهذا أرى التداوي مندوبًا إليه، وقد ذهب صاحب مذهبي إلى أن ترك التداوي أفضل، ومنعني الدليل من اتباعه في هذا، فإن الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: "ما أنزلَ اللهُ داء إلا وأنزل له دواء فتداووا". ومرتبة هذه اللفظة الأمر، والأمر إما أن يكون واجبًا أو ندبًا" (١).
وقد استند ابن الجوزي في رأيه "وقد ذهب صاحب مذهبي -الإمام أحمد بن حنبل- إلى أن ترك التداوي أفضل، ومنعني الدليل من اتباعه في هذا". إلى القاعدة الفقهية التي تؤكد أنه لا اجتهاد مع وجود النص (الدليل)، وهذا ما أكده الشيخ خلّاف بقوله؛ "فإن كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد دل على الحكم الشرعي فيها دليل صريح قطعي الورود والدلالة فلا مجال للاجتهاد فيها، والواجب أن ينفذ فيها ما دل عليه النص، لأنه مادام قطعي الورود فليس ثبوته وصدوره عن الله أو رسوله - ﷺ - موضع بحث وبذلِ جهدٍ" (٢).
أما قول ابن الجوزي: "ومرتبة هذه اللفظة الأمر، والأمر إما أن يكون واجبًا أو ندبًا، فهذه معتمدة على مرتبة الأحكام الشرعية في الأصول، وهي تؤكد أن "الأصل في الأمر الوجوب، نص عليه في مواضع، وبه قال عامة المالكية، وجمهور الفقهاء، والشافعي، وغيره، وقالت المعتزلة وبعض الشافعية: الأصل فيه الندب" (٣). وبذلك نجد أن ابن الجوزي استقى عبارته من القواعد الفقهية.