لقد حدد ابن الجوزي جوانب النفس البشرية بأنواع ثلاثة هي:
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية ١٤.
(٢) سورة النساء، الآية ٢٨.
(٣) سورة الحج، الآية ٧٨.
(٤) قطب، محمد. التربية الإسلامية. دار الشروق، الطبعة الثانية، دون تاريخ، الجزء الأول، ص ٣٦.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٥٢.
(٦) سورة الأعراف، الآية ٢٦.
[ ١٢٠ ]
أ - قوة ناطقة.
ب - قوة شهوانية.
جـ - قوة غضبية.
وقبل مناقشة رأي ابن الجوزي في هذه الجوانب بأنواعها الثلاثة، لابد من الإشارة إلى تأثر ابن الجوزي برأي أفلاطون في تقسيم هذه الجوانب إلى أنواعها الثلاثة بالمسميات نفسها الناطقة والشهوانية والغضبية. والاختلاف الذي يميز ابن الجوزي عن أفلاطون -رغم تأثره- هو أنه ربط هذه الأنواع عند شرحها بطبيعة النفس البشرية حسب التصور الإسلامي. ولمناقشة هذه القوى الثلاثة فقد قال ابن الجوزي في القوة الناطقة: "فينبغي لمن شرفه الله تعالى بحب العلم أن يعتني بتكميل النفس الناطقة التي فضله الله تعالى بها على سائر الحيوانات، وشارك بها الملائكة، فيجعلها هي المسلَّطة على القوتين الأخريين، أعني الشهوانية والغضبية، لتكون منزلتها في البدن بمنزلة الراكب للفرس، فإن الفارس ينبغي أن يكون هو المسلَّط على الفرس لاستعلائه، فيمضي بها أين يشاء ويقفها إذا شاء.
فكذلك ينبغي أن تكون القوة الناطقة هي المستعلية على باقي القوى تستعملها كما تحب وتكفُّها حين تحب، ومن كان كذلك استحقّ أن يسمى إنسانًا حقيقة، قال أفلاطون: الإِنسان بالحقيقة من كانت نفسه الناطقة أقوى الأنفس" (١).
يتضح لنا من رأي ابن الجوزي أن أعلى مراتب النفس البشرية هي القوة الناطقة، التي تتميز بالعقل والحكمة والتمييز بين الخير والشر، والضبط والتوجيه لدوافع الإنسان ورغباته، كما أنها تتميز بالقدرة على التعلم عن الملائكة والحيوانات. وهذه القوة المستعلية على شهواتها ورغباتها، استطاعت أن توجه سلوك الإِنسان إلى الخير والصلاح بسبب خوفها وخشيتها من الله تعالى، فاستحقت صفة الإنسانية التي تميزها عن
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. اللطائف والطب الروحاني. (تحقيق) عطا، عبد القادر، أحمد، ص ١٣١.
[ ١٢١ ]
المخلوقات الأُخرى.
أما القوة الشهوانية فهي التي قال ابن الجوزي بشأنها إن: "الشهوانية إذا أفرطت خرج الإنسان إلى طبع البهيمية، ومن سيَّب هواه في مرعاه، وجعل حبله على غَاربه فقد خرج عن مركزه فصار أخسَّ من البهائم، لأن تلك تمضي بطباعها، وهذا قد خالف طبعه" (١).
ومن المعروف أن الإنسان قد جُبل على حب الشهوات والمتع الدنيوية بكل أنواعها لقَول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٢).
والإِنسان يشترك مع الحيوان في هذه الدوافع والحاجات ولكنه يفترق عنه في وجود ضوابط إرادية تُعلي من شأن هذه الدوافع. ولكن متى غلبت على الإنسان شهواته .. واندفع في إشباعها بسرف وإفراط .. فإنه يصل إلى مرتَبة الحيوان الذي تحركه الدوافع فقط، بل ربما صار أضل من الحيوان لأنه مزود بالعقل والضوابط التي تهذب دوافعه وشهواته .. ولكنه تجاهلها واستعبدته الشهوات وألصقته بالأرض، فاستحق صفة الحيوانية.
أما الجانب الثالث من النفس وهو القوة الغضبية -كما بينها ابن الجوزي- فهي التي إذا أفرط فيها "خرج الإنسان إلى أخلاق السباع والضواري، فينبغي أن يروض نفسه بمخالفة الشهوانية، ويكسر الغضبية، ويتبع القوة الناطقة، حتى يتشبه بالملائكة، ويتحرز من عبودية الشهوة والغضب" (٣).
إن القوة الغضبية التي زود الله تعالى بها الإنسان هي لحمايته من الأخطار، وتوجيهها نحو الخير، "فيتحول الغضب من الغضب من أجل
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٣١.
(٢) سورة آل عمران، الآية ١٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. (تحقيق) عطا، عبد القادر، أحمد، ص ١٣١.
[ ١٢٢ ]
الذات إلى الغضب للحق أو الغضب في الله، والنزوع للقتال دفاعًا عن النفس فقط إلى النزوع للدفاع عن الحق وانتشار كلمة الله وسيادة الإِسلام" (١). وتتحول الشهوة من الانغماس في المال والجنس والجاه والسلطان إلى السيطرة والاستبداد والظلم إلى الخير والتعمير والبناء، وهكذا تتحول جميع الانفعالات إلى صلاح الإنسان إذا أحسن توجيهها، وأما إذا أفرط فيها خرج من إنسانيته إلى وحشية الحيوانات، فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه ويدربها على ضبط انفعالاتها بما فيه استقراره وأمنه وأمانه. وبما يساعده على أداء مهمة الخلافة الأرضية بما يرضي الله تعالى وعلى حسب المنهج الإِسلامي الحكيم.