سبق أن ذكرنا أن ابن الجوزي قال عن هذه المرحلة: "الموسم الثاني: من زمن البلوغ إلى خمس وثلاثين سنة وهو زمن الشباب" (٤). ووضحنا ما يقابلها في علم النفس التكويني وما اختلف عنها -في تقدير ابن الجوزي- من دمج مرحلة البلوغ والشباب في مرحلة واحدةٍ، وهي في علم النفس الآن تمثل مرحلتين: المراهقة من ١٢ - ٢١ سنة، ثم
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٨.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٠٦.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". من كتاب. التحفة البهية والطرفة الشهية. ص ٥٩.
(٤) المرجع السابق، ص ٥.
[ ٢٤١ ]
مرحلة الشباب من ٢١ - ٣٥ سنة. ولم يحدد ابن الجوزي سن البلوغ، وقد حدده علم النفس من سن ١٢ - ٢١ سنة (١).
وقد قرر علماء الشريعة ثبوت البلوغ في حق الغلام والجارية بأحد ثلاثة أشياء -وهي كما وردت في المغني: "أولها خروج المني من قبله وهو الماء الدافق الذي يخلق منه الولد فكيفما خرج في يقظةٍ أو منام بجماع أو احتلام أو غير ذلك حصل به البلوغ لا نعلم في ذلك اختلافًا لقول الله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢) - وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ (٣) وقول النبي - ﷺ -: "رُفعَ القلمُ عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم".
الثاني: الإنبات وهو أن ينبت الشعر الخشن حول ذكر الرجل أو فرج المرأة الذي استحق أخذه بالموسَى.
الثالث: السن والبلوغ به في الغلام والجارية بخمس عشرة سنة، وبهذا قال الأوزاعي: والشافعي وأبو يوسف ومحمد، وقال داود لا حدَّ للبلوغ من السن لقوله - ﷺ -: "رُفع القلمُ عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلمَ" وقد قال ابن عمر: عرضت على رسول الله - ﷺ - وأنا ابنَ أربع عشرة سنة فلم يجزني في القتال، وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني" (٤).
وبناءً على أقوال العلماء، فقد قرر د. مقداد يالجن: "أن بداية هذه المرحلة بالسن العاشرة بصفة مبدئيةٍ، ونهايتها بالثامنة عشرة بصفة نهائيةٍ، والتكاليف في نظر الإسلام محددة بالبلوغ، والبلوغ محدد بالاحتلام، وبه يصبح الإِنسان مسؤولًا عن تصرفاته، ويدخل تحت طائلة القانون" (٥).
_________________
(١) مرجع سابق، زهران. علم نفس النمو. ص ٦٢.
(٢) سورة النور، الآية ٥٩.
(٣) سورة النور، الآية ٥٨.
(٤) ابن قُدَامة، موفق الدين، وابن قدامة، شمس الدين. المغني ويليه الشرح الكبير. بيروت، دار الكتاب العرب للنشر والتوزيع، طبعة عام ١٤٠٣ هـ- ١٩٨٣ م، الجزء الرابع، ص ٥١٤. بتصرف.
(٥) مرجع سابق، القاضي ويالجن. علم النفس التربوي في الإسلام. ص ١١٥.
[ ٢٤٢ ]
وقد أكد ابن الجوزي هذا المعنى فقال: "وليعلم البالغ أنه من يوم بلوغه قد وجبت عليه معرفة الله تعالى بالدليل والتقليد، ويكفيه من الدليل رؤية نفسه، وترتيب أعضائه، فيعلم أنه لابد لهذا الترتيب من مرتب، ولابد لهذا البناء من بانٍ، وليعلم أنه قد نزل ملكان يصحبانه طول عمره، يكتبان عمله، ويعرضانه على الله" (١).
وتعتبر هذه المرحلة من "أهم مراحل التربية الإيجابية، وهي أخطر مرحله لانحراف الشباب وانزلاقهم عن سواء السبيل لنمو الدافع الجنسي، كما أنها أهم مرحلة لبث الوعي الأخلاقي" (٢). قال فيها ابن الجوزي: "وهذا هو الموسم الأعظم الذي يقع فيه جهاد النفس والهوى وغلبة الشيطان، وبصيانة هذا الموسم يحصل القرب من الله، وبالتفريط فيه يقع الخسران العظيم، وبالصبر فيه على الزلل، يُثنَى على الصابر كما أثنى الله -﷿- على يوسف" (٣).
وبعد أن بين ابن الجوزي طبيعة هذه المرحلة وأهمية صيانة النفس البشرية، يوضح الخطوات المتبعة للإعلاء من هذه الحاجة الفطرية:
١ - غرس مراقبة الله تعالى في البالغ نفسه، حتى يكون له حماية داخلية ووجدانية من نفسه، تعصمه من الوقوع في الخطأ بقوله: "وليعلم أنه قد نزل ملكان يصحبانه طول عمره ويكتبان عمله ويعرضانه على الله" (٤).
٢ - تسهيل طريق الزواج للبالغ، فقال ابن الجوزي: "فإذا بلغ الصبي فينبغي لأبيه أن يزوجه، فقد جاء في الحديث: من بلغَ له ولد أمكنَه أن يزوجَه فلم يفعل، فأحدثَ الولدُ إثمًا، كان الإثمُ بينهما" (٥)،
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". من كتاب. التحفة البهية والطرفة الشهية. ص ٥٩.
(٢) مرجع سابق، القاضي، ويالجن. علم النفس التربوي في الإسلام. ص ١١٥ - ١١٦.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي."تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٥٩.
(٤) المرجع السابق، ص ٥٩.
(٥) المرجع السابق، ص ٥٩.
[ ٢٤٣ ]
والعجب كيف ينسى الأب ما جرى له عند البلوغ، وإن كان وقع في زلة فليقس حال ولده" (١).
٣ - فإن لم يستطع الزواج فعليه بغض البصر لأنه أحفظ للنفس من الوقوع في الزلل، وغض البصر مطلوب قبل الزواج وبعده، وقد استشهد ابن الجوزي بآية قرآنية وقول في ذلك فقال: "ويغض طرفه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٢)، وقيل: "النظرُ إلى المرأةِ سهم مسموم من سهام إبليسَ من تركهُ ابتغاءَ مرضاةِ الله، أعطاهُ الله إيمانًا في قلبهِ يجدُ حلاوتَه" (٣).
٤ - ثم نصح البالغ إذا كف بصره، أن يكتفي بالمرأة الواحدة، فقال ابن الجوزي: "ومن استعمل الغض منكم فليكتف بالمرأة الواحدة، ولا يرخص لنفسه في كثرة الاستمتاع بالنساء، فإنه يشتت القلب ويضعف القوي وليس له منتهى" (٤).
٥ - وعلى البالغ أن يكثر من الصيام، لقول الرسول - ﷺلم يستشهد به ابن الجوزي-: "يا معشرَ الشباب من استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوج. فإنه أغضُ للبصرِ، وأحصنُ للفرَجِ. ومن لم يستطع فعليهِ بالصومِ فإنه له وجاء" (٥). وقال ابن الجوزي في ذلك: "وليكثر الصيام من سيعجز" (٦).
٦ - منع اختلاط البالغ بالنساء، فقال في ذلك ابن الجوزي: "من باب المخاطر ترك الولد البالغ بين الجواري، ومعلوم أن قوة الشهوة وجهل الصبا ينسيان مقدار الحرمة والتحريم، فهذه أصول ينبغي أن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٥٩.
(٢) سورة النور، الآية ٣٠.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٦٠.
(٤) المرجع السابق، ص ٦٠.
(٥) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثاني، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، ص ١٠١٨ - ١٠١٩، حديث رقم ١٤٠٠.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٦٠.
[ ٢٤٤ ]
يداوى بدوائها ولا تهمل فإنها تجر أمورًا صعبة" (١).
هذه أهم الأمور التي ينبغي الأخذ بها عند تربية وخلقيًا لمنعه من الوقوع في الزلل والخطأ.
كذلك ينبغي معاملة البالغ معاملةَ طيبة، مبنية على التقدير والاحترام لرأيه، ومناقشته ومحاولة إقناعه بكل ما يدور في ذهنه، مع مراعاة اجتناب ضربه أو إساءة معاملته حتى لا يتمرد أو ينحرف، لأنه في سن حرجة، يغلب عليها التهور والطيش، وقد قال فيها ابن الجوزي: "ولا ينبغي أن يُضرب بعد بلوغه، ولا أن يساء إليه، لأنه حينئذ يتمنى فقد الوالد ليستبد برأي نفسه، ومن بلغ ست عشرة سنة ولم يصلح، فبعيد صلاحه، إلا أن الرفق متعين بالكل" (٢).
ثم بين ابن الجوزي أن من مظاهر هذه المرحلة، أن يتزوج البالغ ثم يرزق الأطفال، فيسعى في الأرض لتأمين قوت عياله، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فإذا بلغ ليعلم أنه زمان المجاهدة للهوى، وتعلم العلم، فإذا رزق الأولاد فهو زمان الكسب للمعاملة" (٣).
ونلاحظ مما سبق أن ابن الجوزي ركز في هذه المرحلة على التربية الجنسية للبالغ، وسكت هنا عن الاهتمام بالنواحي الأُخرى، ربما لأنها الجانب البارز في هذه المرحلة، فأعطاها الاهتمام اللازم بها، والذي يبدو لي، أن التربية كانت تركز -في ذلك الوقت- على تأهيل البالغ ليكون مسؤولًا عن الأسرة، مع أن الاهتمام بالجوانب الأُخرى من التربية وسيلة للرقي به، والتسامي على الأهواء والشهوات، ومن الوسائل التربوية المباشرة التي استخدمها ابن الجوزي في ذلك، أسلوب الكتابة والتأليف، فوجه رسالة أبوية لابنه محمد المكنى بأبي القاسم في كتابه لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. وابن الجوزي إن كان اتخذ تأليفها وسيلة لتربية ولده، فهو في الوقت نفسه عرض لنا أمورًا تربوية كثيرة، بل منهجًا تربويًا متميزًا جديرًا بأن يدرس بعناية ويُكشف للناس فينتفع به المربون وينتفع به
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٧.
(٢) المرجع السابق، ص ١٣٤.
(٣) ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٦٥.
[ ٢٤٥ ]
الناشئون أيضًا، فالنفع للفريقين جميعًا.
وقد ظهر حرص ابن الجوزي في نقل حصيلة علمه وخبرته وتجاربه إلى ولده، ليحدد له الطريق الصحيح في العلم والعمل به، ويحذره من مغبة السقوط في الخطأ والزلل، ولاسيما عندما ظهر عليه بعض التهاون والتكاسل، فاستدركه بهذه الرسالة. فقال فيها: "ثم رأيت منه نوع توانٍ عن الجدّ في طلب العلم، فكتبت له هذه الرسالة، أحثه بها، وأحرضه على سلوك طريقي في كسب العلم، وأدله على الالتجاء إلى الموفق -﷾" (١).
وقد ضمن ابن الجوزي رسالته الأبوية، الكثير من التوجيهات التربوية، التي تتعلق بالعقل وتدبره في إدراك الغاية من وجود الإنسان، وما عليه من فرائض وواجباب، وأهم العلوم التي ينبغي أن يتعلمها وأوقاتها وأخلاقياتها وأهميتها في حياته، والحرص على الوقت في أداء الأعمال الصالحة، مع الاستعداد للآخرة، بالإضافة إلى توجيهه إلى بعض الرقائق كالزهد والإخلاص والسعي للكمال في كل شيء، مع العلم والعمل به. (ولا يسعنا المجال هنا لذكر آرائه التربوية بالتفصيل، فإنه سيرد بعضها في أبواب وفصولٍ أُخرى، حسب مناسبتها للموضوع).
ولم يكتفِ ابن الجوزي بكتابة هذه الرسالة التربوية، بل حث على أهمية التأليف ودوره في توجيه المتعلمين فقال: "رأيت من الرأي القويم، أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة. لأني أشافه في عمري عددًا من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي خلقًا لا تحصى ما خُلقوا بعدُ. ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم" (٢). وليس معنى هذا أن جميع الناس مدعوون للكتابة والتأليف، بل من تتوافر فيه صفات خاصة، حتى يفيد بعلمه الناس؛ وفي هذا يقول ابن الجوزي: "فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفق للتصنيف؛ فإنه ليس كل من صنفَ، صنف، وليس المقصود جمع شيء كيف كان، وإنما هي أسرار يطلع الله -﷿- عليها
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٢.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٢٨.
[ ٢٤٦ ]
من شاء من عباده، ويوفقه لكشفها، فيجمع ما فرق، أو يرتب ما شتت، أو يشرح ما أُهمل، هذا هو التصنيف المفيد" (١).
وهو بعبارته هذه يدعو العلماء والمؤلفين، أن يدركوا الهدف من التأليف، ودوره في توجيه المتعلمين.