نتيجة تعدد الخلفاء، وكثرة الحروب، والفتن والاضطرابات،
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ٢٥٩.
(٢) ابن الجوزي، الإمام أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي. كتاب القصّاص والمذكرين. (تحقيق) الصباغ، د. محمد، لطفي، بيروت، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، عام ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، ص ٤٤ - ٤٥.
[ ٦٢ ]
اختلفت الظواهر الأخلاقية في المجتمع، ما بين الأمن والاستقرار النسبي عند بعض الخلفاء، وانتشار الفساد بأنواعه من ظلم ورشوة وخمر وسلب ونهب عند بعضهم الآخر. والمظاهر الأخلاقية الموجودة في المجتمع، كانت نتيجة أسباب عدة منها: الاضطراب السياسي والحروب بين السلاطين، وما يترتب عليه من فوضى وفساد كما حدث عندما "قدم السلطان مسعود (١) في ربيع الآخر من سنة (٥٣٨ هـ)، فنزل أصحابه في دور الناس وتضاعف فساد العيارين (٢) بدخوله، وكثرت الكبسات والاستقفاء نهارًا ونقل الناس رحالهم إلى دار الخلافة وباب المراتب، وكان اللصوص يمشون بثياب التجار في النهار فلا يعرفهم الإنسان حتى يأخذوه" (٣).
كذلك احتفال سلاطين السلاجقة بأفراحهم، كان عاملًا من عوامل انتشار الفساد كما حدث في زواج السلطان مسعود من ابنة دبيس، عندما أمر وزيره "بأن تعلق بغداد سبعة أيام .. فظهر بالتعاليق فساد عظيم، بضرب الطبول والزمور والحكايات وشرب الخمر ظاهرًا" (٤)، وكما حدث في الاحتفال بقدوم المولود، "عندما ولدت ابنة دبيس للسلطان مسعود ولدًا ذكرًا فعلقت بغداد، وأخذ الناس في اللعب سبعة
_________________
(١) هو مسعود السلطان بن محمد بن ملك شاه، صاحب العراق وغيرها، جرت له أحوال عجيبة وآل الأمر إليه إلى أن خرج المسترشد بالله إلى محاربته، فأسر المسترشد، ورأى مسعود من التمكين ما لم يره أبناء جنسه، وتوفي في سنة (٥٤٧ هـ). انظر، ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ١٥١.
(٢) معنى كلمة العيارين: هي فئة وجدت في بغداد نتيجة للتباين الطبقي والاقتصادي بين فئات المجتمع فقامت بعمليات نهب وقتل الناس. وقد قال فيهم ابن الجوزي: "وكان للعيارون عيون على الناس من النساء والرجال يطوفون الحانات والرحبة والصيارف والجوهريين، فإذا عاينوا من قد باع شيئًا تبعوه وأخذوا ما معه". انظر، الحكيم، حسن، عيسى، علي. كتاب المنتظم لابن الجوزي. ص ١٢١. وابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ١٠٦.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ١٠٥ - ١٠٦.
(٤) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٧٢.
[ ٦٣ ]
أيام ثم ظهر المفسدون، وأخذت أموال الناس (١).
ولم يقف الأمر عند السلاطين بل تعداه إلى القضاة الذين كانوا يأخذون الرشوة، ومنهم "ابن المرخم الذي كان قاضيًا وكان بئس الحاكم يأخذ الرشا" (٢)، كما زاد القتل بين الناس فقد "جيء بصبي صغير مقتولًا ومعه صبي آخر فأقر أنه قتله بمنجل كان معه بسبب حلقة أخذها من أذنه فاخذت منه الحلقة وقتل" (٣).
حتى النساء ساهمن في نشر الفساد، فقد أقدمت "أربع نسوة في الأسواق على بقر السقائين مسودات الوجوه لأنهن شربن المسكر في الشط مع الرجال" (٤).
وهكذا انتشرت الفوضى والتسيب الخلقي نتيجة أمور كثيرة سبق ذكرها، وزادت حدتها مع "عودة الجبايات على الناس. بعنف وشدة وظلم" (٥) بالإضافة إلى شدة وطأة عسكر السلطان الذين كانوا يستغلون الاضطرابات السياسية والحروب والفتن في "السلب والنهب والقتل" (٦).