يتمتع ابن الجوزي بمكانة علمية مرموقة، اكتسبها من كثرة كتاباته في مختلف العلوم والمعارف وإجادته معظمها.
وسأورد بعضًا من أقوال العلماء فيه:
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. ذم الهوى. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى، (راجعه) الغزالي، محمد، ص ٢٨٩.
(٢) مرجع سابق، ابن قيم الجوزية. روضة المحبين ونزهة المشتاقين. ص ١٣٧.
[ ٩٥ ]
قال عنه ابن رجب صاحب الذيل على طبقات الحنابلة: إنه "الحافظ المفسر، الفقيه الواعظ، الأديب، شيخ وقته، وإمام عصره" (١).
وقال أيضا: "قرأت بخط الإمام ناصح الدين بن الحنبلي الواعظ في حق الشيخ أبي الفرج اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره. وكانت مجالسه الوعظية جامعة للحسن والحسان" (٢).
وقال صاحب شذرات الذهب: "الواعظ المتفنن صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في أنواع العلم من التفسير والحديث والفقه والزهد والوعظ والأخبار والتاريخ والطب وغير ذلك" (٣).
وقال الذهبي عنه: "ما علمت أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل" (٤).
وقال الموفق عبد اللطيف: "وكان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية" (٥).
"وذكره ابن البزوري في تاريخه، وأطنب في وصفه، وقال: أصبح في مذهبه إمامًا يشار إليه، ويعقد الخنصر في وقته عليه، ودرس بعدة مدارس، وبنى لنفسه مدرسة بدرب دينار ووقف عليها كتبه. وبرع في العلوم، وتفرد بالمنثور والمنظوم، وفاق على أدباء عصره، وعلا على فضلاء دهره، وله التصانيف العديدة. ولم يترك فنًا من الفنون إلا وله فيه مصنف. كان أوحد زمانه، وما أظن الزمان يسمح بمثله" (٦).
وقال ابن النجار: "من تأمل ما جمعه بان له حفظه وإتقانه، ومقداره في العلم. وكان -﵀- مع هذه الفضائل والعلوم الواسعة ذا
_________________
(١) مرجع سابق، ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول. ص ٣٩٩.
(٢) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٤١١.
(٣) مرجع سابق، الحنبلي. شذرات الذهب فى أخبار من ذهب. الجزء الرابع، ص ٣٢٩.
(٤) مرجع سابق، الذهبي. تذكرة الحفاظ. الجزء الرابع، ص ١٣٤٤.
(٥) مرجع سابق، الداودي. طبقات المفسرين. الجزء الأول، ص ٢٨٠.
(٦) مرجع سابق، ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ٤١٣.
[ ٩٦ ]
أوراد وتألُّه، وله نصيب من الأذواق الصحيحة، وحظ من شرب حلاوة المناجاة. وقد أشار هو إلى ذلك، ولا ريب أن كلامه في الوعظ والمعارف ليس بكلام ناقل أجنبي مجرد عن الذوق بل كلام مشارك فيه" (١).
وقال الداودي صاحب طبقات المفسرين: "الإمام العلامة، حافظ العراق، وواعظ الآفاق، صاحب التصانيف المشهورة في أنواع العلوم" (٢).
وقد مدحه مدحًا طويلًا الرحالة ابن جبير فقال: "شاهدنا مجلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد، جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي. . . . فشاهدنا مجلس رجل ليس من عمرو ولا زيد، وفي جوف الفرا (٣) كل الصيد، آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة، مالك أزمة الكلام في النظم والنثر، والغائص في بحر فكره على نفائس الدرر، فأما نظمه فرضي الطباع (٤) مهياري (٥) الانطباع، وأما نثره فيصدع بسحر البيان، ويُعطل المثل بقس وسجان" (٦).
ومع هذا التقدير لمكانة ابن الجوزي العلمية، فإن هناك بعض المآخذ عليه، وهي كما ذكر ابن رجب أنه "نقم عليه جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم ميله إلى التأويل في بعض كلامه واشتد نكيرهم عليه في ذلك. ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف وهو وإن كان مطلعًا على الأحاديث والآثار فلم يكن يحل شبهة المتكلمين وبيان
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٤١٣.
(٢) مرجع سابق، الداودي. طبقات المفسرين. الجزء الأول، ص ٢٧٠.
(٣) الفرا: ماخوذ من المثل القائل: كل الصيد في جوف الفرا، والفرا الحمار الوحشي، يريد أن الخطيب وحيد في علمه.
(٤) رضي الطباع: شبيه في طبعه بالشريف الرضي الشاعر المشهور.
(٥) مهياري: شبيه بمهيار الديلمي الشاعر أيضًا.
(٦) ابن جبير. رحلة ابن جبير. بيروت، دار بيروت للطباعة والنشر، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، ص ١٩٦ - ١٩٧.
[ ٩٧ ]
فسادها، وكان معظمًا لأبي الوفاء بن عقيل يتابعه في أكثر ما يجد في كلامه وإن كان قد ردَّ عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعًا في الكلام ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون" (١).
كما "كان أستاذًا فريدًا في الوعظ وغيره، وقد كان فيه بهاء وترفع في نفسه وإعجاب وسمو بنفسه أكثر من مقامه، وذلك ظاهر في كلامه وفي نثره ونظمه، فمن ذلك قوله:
ما زلتُ أدركُ ما غلا بل ما علا وأكابدُ النهجَ العسيرَ الأطولا
تجرى بي الآمالُ في حلباتِه جريَ السعيدِ مدى ما أملا
أفضى بي التوفيق فيه إلى الذي أعيا سوايَ توصلًا وتغلغلا
لو كانَ هذا العلمُ شخصًا ناطقًا وسألتهُ هل زارَ مثليَ؟ قال: لا" (٢)
ويكفي ابن الجوزي ما قاله ابن كثير فيه: "ولم يزل يؤرخ أخبار العالم حتى صار تاريخًا وما أحقه بقول الشاعر:
ما زلتَ تدأبُ في التاريخ مجتهدًا حتى رأيتكَ في التاريخِ مكتوبًا (٣)