إن الداعي إلى مقارنة بعض آراء ابن الجوزي ببعض الآراء التربوية الحديثة -رغم البعد الزمني- يكمن في أن المقارنتين السابقتين لم تبرزا آراء ابن الجوزي التربوية، وموقعها بين الآراء التربوية الحديثة.
وفي هذه المقارنة لن نركز على العالم التربوي أو عصره أو الفترة الزمنية التي عاش فيها، بل الذي يهمنا في المقام الأول هو أوجه الاختلاف أو الاتفاق في الآراء التربوية، وما أضافه ابن الجوزي، وما سبق به غيره وأسباب ذلك.
وستكون المقارنة لبعض آراء ابن الجوزي التربوية، الواردة في كل فصل من الفصول السابقة في البابين الثالث والرابع حسب ترتيبها.
أ - حقيقة الدوافع
سبق في الباب الثالث، الفصل الأول، أن ذكرنا تعريف الدافع وبينا حقيقته ورأي ابن الجوزي فيه وهو "أن جميع ما وُضِع في الآدمي إنما وُضع لمصلحته، إما لاجتلاب نفع كشهوة المطعم أو لدفع ضرر كالغضب" (٢) وهو بذلك يوافق ما ذهب إليه بعض علماء النفس وإن كان ثمة خلاف فهو في تحديد هذه الدوافع الغريزية، فقد أرجعها بعضهم إلى واحدة "هي الغريزية الجنسية (فرويد)، أو غريزة السيطرة، ومنهم من رآها متعددة، وقد اختلفوا في عددها؛ فرأى "ماكدوجل" زعيم المدرسة التقليدية في الغرائز أنها أربع عشرة غريزة، يصحب كلا
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٨٠. بتصرف.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ٩٢.
[ ٥١٤ ]
منها استثارة انفعالية خاصة، أما "وليم جيمس"، فقد ذكر أنها أكثر من ٣٢ غريزة، وجعلها "ثورندايك" حوالى ٤٢ غريزة" (١).
وسنركز على نظرية الدوافع عند عالم النفس الانجليزي الأصل "وليم ماكدوجل" (١٢٨٨ هـ-١٣٥٧ هـ). (١٨٧١ - ١٩٣٨ م)، لأنه العالم الذي لقيت نظريته القبول أكثر من غيرها، رغم ما فيها من نقد أبرزُه أنها نظرية تصنيفية وليست تفسيرية. فكل ما فعله هو تصنيف الغرائز تحت أسماء معينة دون أن يقدم لنا أطرًا تصنيفية معينة. مثال هذا أنه وضع أنماطًا سلوكية معينة تحت عنوان البحث عن الطعام، وأُخرى تحت عنوان القتال أو الوالدية أو حب الاستطلاع. . . . الخ. وانتقل من هذا إلى اعتبار أن الاسم الذي وضعه سبب ومحرك السلوك. فإذا ما تساءلنا عن الدليل الذي يدل على وجود غريزة البحث عن الطعام، فإن الإجابة تتمثل في سلوك البحث عن الطعام نفسه، وهكذا نقع في "الدور المنطقي، أو ما يطلق عليه المناطقة، المصادرة على المطلوب. ولم يعف "ماكدوجل" من النقد ما لجأ إليه مؤخرًا من العدول عن مصطلح الغريزة واستبداله بمصطلح الاستعداد الفطري" (٢). أو الدافع الفطري.
وقد استبعدنا نظرية "فرويد" لأن أهم نقد وجه إلى نظريته أنه: "جعل الأساس الأول للتكوين الإنساني الفطري الغرائزي (الجنس والعدوان) وبهذا سلب من الإنسان كل القيم والجوانب العليا التي استحق من أجلها الخلافة عن الله سبحانه" (٣)، إلى غير ذلك من أوجه النقص الأخرى. أما الاتجاه السلوكي فقد أنكر الدوافع والاستعدادات الفطرية من أساسها، وجعل البيئة بمؤثراتها الخارجية هي المشكِّلة لسلوك الإنسان.
ويذهب "ماكدوجل" إلى "أن الكائنات الحية مدفوعة لتحقيق
_________________
(١) مرجع سابق، العثمان، عبد الكريم. الدراسات النفسية عند المسلمين والغزالي بوجه خاص. ص ١٨٦.
(٢) مرجع سابق، السمالوطي. الإسلام وقضايا علم النفس الحديث. ص ٩٧.
(٣) المرجع السابق، ص ٩٨. رغم عدوله عن ذلك في بعض كتاباته، ودعوته للالتجاء لله والاستعلاء على الغرائز والابتعاد عن الإباحية.
[ ٥١٥ ]
أغراض معينة مرسومة سواءً شعرت بها أو لم تشعر، ولهذا السبب زُوِّدت بعدد معين من الدوافع الكامنة أو القوى الموجهة وهي الغرائز لأجل تحقيق هذه الأهداف، وقد حدد "ماكدوجل" عدد الغرائز بـ (١٤) غريزة -كما أشرنا- منها، الهرب، المقاتلة، النفور، الوالدين (أو الوالدية كما في بعض الكتب). . . الخ" (١)، ثم أضاف إلى هذه القائمة أربع غرائز أخرى. ثم بيَّن "أن الإنسان قادر على تعديل غرائزه بسبب قدرته على التعلم، وما يتمتع به من ذكاء وقدرة على الفهم. ويكون التعديل قويًّا في مظهرين فقط مبن المظاهر الثلاثة للغريزة وهما المظهر الإدراكي والمظهر النزوعي. فالجانب الإدراكي الذي يتعلق بالمثير الخارجي والجانب النزوعي الذي يتعلق بالسلوك والفعل يمكن أن يتغيرا مع نمو الإنسان وتعلمه وخبراته وقدراته على الفهم، أما الجانب الوجداني -وهو جانب ذاتي غير إرادي- فيصعب التحكم فيه وتغييره" (٢). كذلك بين "ماكدوجل" أن الدوافع صنفان دوافع فطرية ودوافع مكتسبة.
وهكذا نلاحظ أن الدوافع عند بعض علماء النفس الحديث، لا تخالف ما ذهب إليه ابن الجوزي، وإن كان الاختلاف في المصدر الذي أخذ عنه كل منهما. فالجذور الأساسية التي استقى منها ابن الجوزي تصوره للدوافع من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٤). وقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (٦). . . الخ.
أما علماء النفس المحدثون فقد استقوا آراءهم من اجتهاداتهم
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٩٣.
(٢) المرجع السابق، ص ٩٦.
(٣) سورة آل عمران، الآية ١٤.
(٤) سورة الأعراف، الآية ٣١.
(٥) سورة البقرة، الآية ٢٢٣.
(٦) سورة الفرقان، الآية ٤٧.
[ ٥١٦ ]
البشرية المعتمدة على التأثر بغيرهم من العلماء ومؤلفاتهم، أو عن طريق الملاحظة أو المشاهدة، أو الاختبارات والتجارب المعملية.
ب - تربية الطفل في ضوء مراحل النمو
سبق في الفصل الثاني من الباب الثالث، أن وضحت الباحثة رأي ابن الجوزي في تقسيم مراحل النمو في ضوء علم النفس الحديث، وأثبتت أن هناك اتفاقًا عامًّا في تقسيم بعض المراحل، ثم اختلافًا في بعض المراحل مثل مرحلة الشباب والشيخوخة والهرم.
وتعتبر تقسيمات ابن الجوزي لمراحل النمو تقسيمات عامة (١)، أما علم النفس المعاصر فقد أفرد لمراحل النمو علمًا مستقلًا يبحث في مظاهر النمو لكل مرحلة من مراحله من حيث للنمو الجسمي والنمو الحركي، والنمو العقلي، والنمو الانفعالي، والنمو الاجتماعي، كذلك "استعان علم نفس النمو بكثير مما توصل إليه علم التشريح، والطب الإنساني، وعلم الجراحة، ثم ما قام به علماء النفس أنفسهم من دراسات تتبعية أو تجريبية هدتهم إلى كثير من الحقائق التي تعتبر على الرغم من توافرها، لا تزال تمثل النصيب الأدنى من حقائق التكوين النفسي للإنسان" (٢).
ورغم ذلك يعد ابن الجوزي من المؤسسين لعلم نفس النمو، بإفراده رسالة خاصة لهذا، وهي: "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر، ويشاركه في ذلك ابن طفيل في رسالة "حي بن يقظان"، ثم جاء ابن قيم الجوزية فتناول المراحل بصورة شمولية منذ كون الإنسان نطفة إلى استقراره في الجنة أو النار، وذلك في كتابه تحفة المودود بأحكام المولود. وقد كان هذا السبق بفضل ما جاء في كتاب الله عن أطوار خلق الإنسان بدقة وشمول.
وسنقارن بعض مراحل النمو التي ذكرها ابن الجوزي مع ما يقابلها أو يخالفها في الفكر التربوي الغربي.
_________________
(١) في الباب الثالث، ص ١٩٣ وما بعدها من هذا الكتاب.
(٢) مرجع سابق، الهاشمي، د. عبد الحميد، محمد. علم النفس التكويني. ص ٣٤.
[ ٥١٧ ]
١ - مرحلة ما قبل الميلاد:
رغم اهتمام المنهج التربوي الإسلامي بمرحلة ما قبل الميلاد، إلا أن "رونيه أوبير" يقول: "وقد تركنا جانبًا مرحلة ما قبل الولادة، لا لأنه محظور علينا أن نقبل بوجود نوع من الحياة النفسية فيها، بل لأنه لا يمكن لهذه الحياة النفسية إلا أن تكون خالية من الشعور، ولأننا لا نستطيع أن نقدم سوى فرضيات عن طبيعة هذه الحياة النفسية" (١). ويرى "مينكوفسكي" " mienkowsky" أن الحياة النفسية الشعورية ليست أكثر وجودًا لدى الوليد ولدى الرضيع، وذلك لأن الحياة النفسية الشعورية تنتظم حول الشعور بالأنا، ولأن الوليد لا يملك الشعور حتى بجسمه الخاص. . . ." (٢).
"ثم أثبتت دراسات علم الأجنة وعلم النفس أن عوامل الوراثة ذات أثر كبير في مرحلة ما قبل الميلاد، وكذلك العوامل البيئية المحيطة بالجنين وهو في الرحم" (٣).
ومن خلال هذه الدراسات بدأ علم نفس النمو يهتم بهذه المرحلة، وقد سبقه في الاهتمام المنهج التربوي الإسلامي، بينما ابن الجوزي لم يذكرها صراحةً وأهملها وتجاوزها -في حدود اطلاعي- رغم أهميتها في التربية.
٢ - أهمية مرحلة الطفولة في التربية الغربية:
لا نستطيع أن نحدد عالمًا تربويًّا تخصص في تربية الطفل من جميع الجوانب التي يحتاجها لنموه؛ فقد أبدى كل واحد رأيه في جانب من الجوانب، وقد ذكر "جون لوك" lock في القرن السابع عشر، الكثير من عادات الطفل وكيفية تكوينها ودوافعه وأنواعها واتفاقها مع معايير الجماعة. وقال "إن الطفل يولد وعقله صفحة بيضاء".
_________________
(١) أوبير، رونيه. التربية العامة. (ترجمة) عبد الدائم، د. عبد الله، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة ١٩٨٢ م، ص ١٥٩.
(٢) المرجع السابق، ص ١٥٩.
(٣) مرجع سابق، زهران، د. حامد، عبد السلام. علم نفس النمو. ص ٨٣.
[ ٥١٨ ]
وكتب "جان جاك روسو" " Rousseau" في القرن الثامن عشر كتابه اميل Emile ونادى بإعطاء الطفل حريته المطلقة للتعبير عن نزعاته الطبيعية وتنمية مواهبة وقدراته التي حبته الطبيعة إياها. ويرى روسو أن الطفل مخلوق بدائي نبيل، وأنه خيَّر بطبيعته، ولا يفسد أحواله سوى تدخل الكبار، ومن ثمَّ يجب ألا يقحم الكبار آراءهم وألا يفرضوا سلوكهم على الطفل، وقال إن الطبيعة هي مصلح الفرد والمجتمع.
وقد أثرت نظريات "بستالوزي" " Pestalozzi" (الذي تأثر بآراء روسو) في التربية في القرن التاسع عشر. وهو يرى أن الإنسان خيَّر ويسعى دائمًا لتحقيق الخير. وإذا كان شريرًا فإن ذلك يكون بسبب غلق طريق الخير في وجهه.
وجاء "فروبل" " frobel" وانتشرت آراؤه عن استمرار النمو وأسس نظام مدرسة الحضانة" (١).
أما ابن الجوزي فقد أكد أهمية تأديب الطفل منذ صغره، لصعوبة رده عن العادات السيئة التي نشأ عليها، وقد وافقه على ذلك علماء ومربون منهم "أدلر" الذي قال: "إن الطفل يأخذ الطابع الذي يلازمه طول حياته في السنوات الخمس الأُولى" (٢).
وقال روسو: ". . . أيها الناس كونوا أشدَّ إنسانيةً .. أحبوا الطفولة وارعوا في مودةٍ لهوها وملذاتها وطبيعتها اللطيفة. ." (٣).
ومن الآراء التربوية التي نادى بها ابن الجوزي، الاعتماد على مبدأ الخشونة حتى يستطيع الطفل مواجهة المصاعب والمشكلات التي قد تعترضه في مستقبل حياته، وقد وافقه في ذلك المربي الانجليزي "جون لوك" (١٦٣٢ - ١٧٠٤ م) الذي أكد "وجوب ارتداء الثياب القصيرة، الفضفاضة، والنوم على الفرش الخشنة والعيش في الهواء الطلق،
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٦.
(٢) فهمي، أسماء، حسن. مبادئ التربية الإسلامية. القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، عام ١٣٦٦ هـ - ١٩٤٧ م، ص ٥١.
(٣) مرجع سابق، الشيباني، د. عمر، محمد، التومي. تطور النظريات والأفكار التربوية. ص ١٧٥.
[ ٥١٩ ]
والاقتصار على الطعام البسيط، وكل ذلك في سبيل الترويض القاسي" (١).
كذلك من الآراء التي قال بها ابن الجوزي أن هناك أمورًا فطرية وأخرى مكتسبة: "إن قلب الطفل فارغ يقبل ما يلقى إليه"، وفي هذا المعنى يرى "جون لوك" أن "نفس الوليد البشري صحيفة بيضاء أن فضائلها وقواها تكتسب من الخارج، عن طريق تكوين عادات، وأن تكوين العادات هذا إنما يكون عن طريق الترويض" (٢).
وقد ربط "جون لوك" "الجانب الجسدي بالأخلاقي والعقلي، فقال: "فإذا حصل الطفل على القوة الجسدية كان لابد من تحقيق الأهداف التالية: الفضيلة والحكمة، والمعرفة" (٣).
وقد وضح ترابط الجانب الجسدي بالجانب الخلقي فقال: "كما أن قوة الجسد تنحصر في القدرة على تحمل المصاعب، فكذلك قوة النفس أساس كل فضيلة تنحصر في قدرة الإنسان على إنكاره ذاته، والقضاء على رغباته وميوله التي لا يسمح بها عقله. وهذه القدرة إنما تنال عن طريق التعود والتمرن الباكر. ولذلك فأنا أشير بأن يعود الأطفال على قهر رغباتهم منذ المهد وإفهامهم أنهم إنما يحصلون لا على ما يسرّهم، بل على ما يجب أن يحصلوا عليه" (٤).
ويرى "لوك" أن أوجه التربية ثلاثة: جسدي وأخلاقي وعقلي، وأن أهدافها ثلاثة أيضًا هي: قوة الجسد والفضيلة والمعرفة" (٥).
ويبدو من دراسة آراء "لوك" أنه أغفل الجانب الروحي، الذي اهتم به ابن الجوزي كغيره من الجوانب.
شبه ابن الجوزي المربي بالطبيب الذي يفهم شخصية المريض من
_________________
(١) مرجع سابق، عاقل، د. فاخر. التربية قديمها وحديثها. ص ١٣٦.
(٢) المرجع السابق، ص ١٣٥.
(٣) المرجع السابق، ص ١٣٥.
(٤) المرجع السابق، ص ١٣٦.
(٥) المرجع السابق، ص ١٣٥.
[ ٥٢٠ ]
جميع جوانبها حتى يعالجه، وفي هذا المعنى يقول "روسو": "إن كثيرًا من المربين الحازمين ليخطئون مواقع التربية الصحيحة إذ يأخذون الأطفال بما يحتاج الرجال إلى معرفته، ويغفلون عما تستطيع عقول الأحداث فهمه وإدراكه، وإنهم ليخطئون كذلك حين يتطلبون في جسوم الأطفال عقول الرجال، ولا يفكرون أصلًا في حقيقة الطفل قبل أن يصير رجلًا" (١).
٣ - مناهج التعليم في مرحلة الطفولة
كانت المناهج التعليمية في مرحلة الطفولة مركزة على "دراسة الحساب وتقويم البلدان والتاريخ الطبيعي والموسيقي والرسم والتصوير" (٢)، وهذا المنهج للعالم "بستالوزي" في القرن التاسع عشر وهناك اختلاف واضح بين مربٍ وآخر عند وضع المنهج. وقد ركز ابن الجوزي منهجه التعليمي على الدين الإسلامي وما فيه من قرآن كريم وسنَّة نبوية شريفة، وما يقتضيه من لغة عربية و. . . . الخ، وقد أثبتنا ذلك. (الفقرة ثانيًا - الفصل الثاني - الباب الثالث، مرحلة ما قبل الدراسة النظامية) (ص ٢٣٠).
٤ - الفروق الفردية بين الأطفال:
أشار ابن الجوزي إلى أن هناك فروقًا فردية بين الأطفال في القدرة على التعلم، وأن هناك تفاوتًا أيضًا في "القدرات الطائفية" التي تظهر بينهم، فمن الأطفال من لديه القدرة على إجراء العمليات الحسابية، ومنهم من لديه القدرة على الحفظ وليس لديه القدرة على الكتابة وقد بيّنا ذلك سابقًا. (الفقرة ثانيًا - الفصل الثاني - الباب الثالث، الفروق الفرديه) (ص ٢٣٩).
وابن الجوزي في رأيه هذا يشير مجرد إشارةٍ إلى وجود القدرات العقلية المختلفة في الأفراد. في حين أن الدراسات النفسية الحديثة توسعت في هذا الموضوع ودرسته بعمق من خلال البحث والتقصي
_________________
(١) أمين، مصطفى. تاريخ التربية. القاهرة، مطبعة المعارف بشارع الفجالة بمصر، الطبعة الثانية، ١٣٤٤ هـ - ١٩٢٦ م، ص ٢٨٩.
(٢) المرجع السابق، ص ٣٠٨.
[ ٥٢١ ]
والاختبارات، وأثبتت وجود هذه "القدرات العقلية الأولية وهي:
١ - القدرة على الطلاقة اللفظية.
٢ - القدرة اللغوية (القدرة على فهم معاني الكلمات).
٣ - القدرة العددية.
٤ - القدرة المكانية.
٥ - القدرة الإدراكية.
٦ - القدرة التذكرية.
٧ - القدرة الاستقرائية.
٨ - القدرة الاستنباطية (١).
وقد "اتسعت دراسات القدرات، وأجريت العديد من التجارب على العديد من الأفراد استعملت فيها العديد من الاختبارات. وقد شجعت هذه الدراسات التجريبية على وضع مجموعة من مناهج التحليل العاملي المائل والمتعامد، بحيث أصبح لدى الباحث إمكانية مراجعة نتائج تطبيق طريقة ما من طرق التحليل العاملي عن طريق مضاهاتها بنتائج طريقة أخرى أو أكثر، وأصبحت المشكلة الأساسية التي تواجه علماء النفس هي مشكلة تصنيف هذه العوامل أو القدرات أو السمات، التي ظهرت نتيجة للدراسات والأبحاث التي استعملت نوعًا من أنواع المقاييس والاختبارات النفسية. فكانت محاولات "رايموند كاتل" في "وصف الشخصية وقياسها ١٩٤٦ م" ومحاولات "فرنون" في (تكوين القدرة الإنسانية ١٩٥٠)، ومحاولات "جيلفورد" في بناء العقل ١٩٥١ م، وغيرهم" (٢).
ورغم هذه الدراسات فإن علماء النفس لم يتفقوا على العدد النهائي للقدرات الطائفية، ولكن الذي أثبتوه أن "القدرة الطائفية بمعناها العام وحدة وظيفية تتجمع فيها أساليب نشاط من نوع معين. فالقدرة اللغوية مثلًا تتجمع فيها جميع أساليب النشاط اللغوي، المتعلق منه بالكلمات أو المتعلق بعبارات وجمل، أو المتعلق بحفظ آلي، أو بنشاط ابداعي وما إلى ذلك" (٣). وهكذا الحال في جميع القدرات.
جـ - جوانب التربية في الفكر التربوي الغربي:
ستتناول الباحثة بالموازنة من الباب الرابع بعض جوانب التربية
_________________
(١) مرجع سابق، صالح، د. أحمد، زكي. علم النفس التربوي. ص ٦٣٦.
(٢) المرجع السابق، ص ٦٤٨ - ٦٤٩.
(٣) المرجع السابق، ص ٦٦١.
[ ٥٢٢ ]
الإسلامية عند ابن الجوزي:
١ - مفهوم العقل في الفكر التربوي الغربي وعند ابن الجوزي حدد ابن الجوزي مفهوم العقل في معانٍ عدة هي:
- الطاقة الفطرية التي تميز الإنسان عن الحيوان.
- القدرة على الإدراك والتمييز.
- الأداة التي يعرف بها الله تعالى فيتبع شرعه.
- النشاط العقلي من التذكر والتخيل والتدبّر والعلم والنظر.
- القدرة الضابطة للدوافع والشهوات.
- القدرة على العلم والتعلم واكتساب المهارات.
وكل معنى من هذه المعاني قد يقابله رأي أو تعريف عند علماء النفس المحدثين، الذين أطلقوا على العقل الذكاء أو القدرات العقلية. ومن خلال ذلك سيتضح لنا إلى أي حدٍ اتفق ابن الجوزي أو اختلف معهم.
حيث لم يخصص أحد من علماء النفس القول بالمعنى الأول للعقل، ولكن كتاباتهم أكدت أن الإنسان يتميز بالعقل عن الحيوان (١).
أما المعنى الثاني وهو القدرة الإدراكية فقد جاء في التعريف الذي ذكرته الجمعية الوطنية في الولايات المتحدة بأن الذكاء "استعداد عقلي عام فطري. يشترك في جميع العمليات المعرفية على جميع المستويات التي تبدأ بالإدراك الحاسي وتنتهي بالتفكير الكلي المجرد" (٢).
وقد عرفه "كهلر" kohler بأنه "القدرة على إدراك العلاقات" (٣).
أما المعنى الثالث وهو أن العقل هو الأداة التي يعرف بها الله تعالى، فقد وردت كتابات كثيرة لعلماء غير مسلمين، كانوا لا يؤمنون بوجود الله، فدلتهم دراساتهم وأبحاثهم العلمية على وجود الله تعالى، فاعترفوا بذلك وآمنوا به وذلك عن طريق العقل ولا شكّ، وسأورد
_________________
(١) مرجع سابق، السمالوطي. الإسلام وقضايا علم الحديث. ص ١٦٢ - ١٦٣.
(٢) مرجع سابق، الهاشمي. الفروق الفردية. ص ١١٤.
(٣) مرجع سابق، محمد، د. محمد، محمود. علم النفس المعاصر في ضوء الإسلام. ص ٢٧٩.
[ ٥٢٣ ]
بعض الأقوال التي تؤكد المعنى الثالث:
"قال "لسترجون زمرمان" -اختصاصي التُّربة وفسيولوجيا النبات- كيف خلق النبات الأول؟ ونحن لا نستطيع أن نصل بعقلنا الطبيعي، ومنطقنا السليم إلى أن هذه الأشياء قد أنشأت نفسها بنفسها، أو نشأت هكذا بمحض المصادفة، ولابد لنا من البحث عن خالق مبدع، ويعتبر التسليم بوجود الخالق أمرًا بديهيًّا تفرضه عقولنا علينا" (١).
"وقال "جورج دافيز" -عالم الطبيعية-: نستطيع أن نتحقق من وجود الله باستخدام العقل والاستنباط مما نتعلمه ونراه؛ فالمنطق الذي نستطيع أن نأخذ به، والذي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك، هو أنه ليس هناك شيء مادي يستطيع أن يخلق نفسه" (٢).
"وقال "داين أولت" -وهو مختص في الكيمياء الجيولوجية: إن فكرة وجود الله أقرب إلى العقل والمنطق من فكرة المصادفة ولا شك، بل إن ذلك النظام البديع الذي يسود هذا الكون يدل دلالة حتمية إلى وجود إله منظِّم وليس على وجود مصادفة عمياء تخبط خبط عشواء" (٣). . . الخ.
أما المعنى الرابع فقد عبَّر عنه "ميومان" " meumann" في تعريفه للذكاء "على أنه الاستعداد العام للتفكير الاستدلالي، الابتكاري، الإنتاجي" (٤)، والتفكير الاستدلالي "يقتضي تدخل العمليات العليا كالتذكر والتخيل والحكم والفهم والاستبصار والتجريد والتصميم والاستنتاج والتخطيط والتمييز والتعليل والنقد" (٥).
أما المعنى الخامس وهو كون العقل هو القدرة الضابطة للدوافع
_________________
(١) مونسما، جون، كلوفر. الله يتجلى في عصر العلم. (ترجمة) سرحان، د. الدمرداش، عبد المجيد، و(راجعه وعلق عليه) الفندي، د. محمد، جمال الدين، القاهرة، مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، ١٩٦٨ م، ص ١٢٤.
(٢) المرجع السابق، ص ٤١.
(٣) المرجع السابق، ص ١٣٢.
(٤) مرجع سابق، السيد، د. فؤاد البهي. الذكاء. ص ٢٠٣.
(٥) راجح، د. أحمد، عزت. أصول علم النفس. الإسكندرية، المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر، الطبعة التاسعة، دون تاريخ، الطبعة التاسعة ص ٢٨٣.
[ ٥٢٤ ]
والشهوات، فهذا ما ذهب إليه "لوك"، الذي قال في "فاتحة مباحثه في التربية الخلقية: كما أن قوة الجسم إنما تكون بقدرته على احتمال المشاق، كذلك قوة العقل إنما تكون في ضبط النفس ومقاومة الشهوات" (١).
وقال في موضع آخر: "من البدهيات عندي أن أساس الفضيلة أن يقدر الإنسان على منع نفسه كثيرًا مما تميل إليه وترغب فيه إذا لم يكن العقل رائدها وحاديها في هذه الميول والرغبات. أما طريق الحصول على هذه القدرة، فإنما يكون بالتعود من الصغر" (٢).
أما المعنى السادس: وهو القدرة على العلم والتعلم واكتساب المهارات، فقد وافق هذا المعنى تعريف "كلفن" " colvin" بأنه "القدرة على التعليم" وتعريف ديربورن " dearborn" بأنه "القدرة على اكتساب الخبرة والإفادة منها" (٣).
ونلاحظ من الموازنة موافقة الفكر التربوي الغربي بصفة عامة في أكثر الأمور لرأي ابن الجوزي في العقل. وإن ظهر على التعاريف الحديثة الدقة العلمية، المعتمدة على المقاييس والاختبارات النفسية، رغم أن تعريفات الذكاء -كما ذكر د. أحمد زكي صالح- "تحاول أن تفسر الذكاء ولا تشرحه، وتحاول أن تحدد وظيفة الذكاء، ولا تبين معالمه، فهي محاولات وصفية وظيفية، قد تُقبل في نواحي أُخرى غير الناحية العلمية" (٤). ورأي ابن الجوزي اعتمد في بعضه على الفكر التربوي الإسلامي، والبعض الآخر استقاه من قراءته لغيره من علماء المسلمين ورأيهم في هذا الموضوع.
٢ - درجات العقل
حدد ابن الجوزي درجات العقل المرتفعة والمنخفضة وتعريفها، ثم بيَّن الفروق بينها، مع توضيح بعض المظاهر العامة لكل درجة من الدرجات العقلية. وقد عرضت ذلك في الفصل الثاني، من الباب الرابع (ص ٢٨٣ وما بعدها، من هذا الكتاب).
_________________
(١) مرجع سابق، أمين، مصطفى. تاريخ التربية. ص ٢٦٨ - ٢٦٩.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٦٩.
(٣) مرجع سابق، صالح، د. أحمد، زكي. علم النفس التربوي. ص ٥٣٤.
(٤) المرجع السابق، ص ٥٣٥.
[ ٥٢٥ ]
ويتفق ابن الجوزي في هذا مع الدراسات النفسية الحديثة، ولكنه يختلف عنها في أنه وضح الفروق بين الدرجات بالألفاظ، وعلم النفس وضحها بالنسب المئوية الرقمية، التي كانت خلاصة التجارب النفسية، مع العلم أن هناك اختلافًا في التقديرات بين العلماء، لذلك سأورد على سبيل المثال، جدولين يوضحان ذلك للموازنة بينهما.
الجدول الأول (١):
نسبة الذكاء
(٧٠ - فأقل) أفراد ضعاف العقول (بين أبله ومعتوه).
(٧٠ - ٨٠) أفراد أغبياء
(٨٠ - ٩٠) أفراد دون الوسط.
(٩٠ - ١١٠) أفراد متوسطوا الذكاء.
(١١٠ - ١٢٠) أفراد فوق الوسط.
(١٢٠ - ١٤٠) أفراد أذكياء.
(١٤٠ - فأكثر) أفراد أذكياء جدًّا (عبقري وألمعي):
الجدول الثاني (٢):
نسبة الذكاء
أقل من ٢٠ أو ٢٥ معتوه.
من ٢٠ أو ٢٥ - ٥٠ أبله.
من ٥٠ - ٧٠ أهوك (أحمق).
أقل من ٧٠ ضعيف العقل.
من ٧٠ - ٨٠ غبي جدًّا.
من ٨٠ - ٩٠ دون المتوسط.
من ٩٠ - ١١٠ متوسط الذكاء.
من ١١٠ - ١٢٠ فوق المتوسط.
من ١٢٠ - ١٤٠ ذكي جدًّا.
فوق ١٤٠ ألمعي.
والألفاظ التي أطلقها ابن الجوزي على درجات العقل المرتفعة هي: الفطنة والذكاء والفهم والذهن، والألفاظ التي أطلقها علم النفس الحديث هي "عبقري، وألمعي، وذكي، ومتوسط الذكاء" (٣).
وقد اتفق ابن الجوزي مع علم النفس في إعطاء مسمىً لكل درجة من درجات العقل المرتفعة أو المنخفضة، واختلفوا معه في بعض معاني هذه الدرجات التي لا تتقابل مباشرة مع غيرها.
_________________
(١) مرجع سابق، الهاشمي. أصول علم النفس العام. ص ٢٦٠.
(٢) مرجع سابق، راجح، د. أحمد، عزت. أصول علم النفس. ص ٣٢٢.
(٣) مرجع سابق، الهاشمي. أصول علم النفس العام. ص ٢٥٩.
[ ٥٢٦ ]
أما الألفاظ التي أطلقها ابن الجوزي لدرجات العقل المنخفضة فهي: الحمق والتغفيل والجنون. والألفاظ التي أطلقها علم النفس الحديث هي: "المعتوه والأبله والمأفون" (١). وهي تتفق في تحديد مسمىً لكل درجة من درجات العقل، وتختلف في معنى كل درجةٍ. وهذا ما وضحته الباحثة في الفصل الثاني من الباب الرابع، (ص ٢٨٥ وما بعدها) وهذه الدرجات تدل على الضعف العقلي، وقد استطاع "اسكيرول" " esquirol" سنة ١٨٣٨ م أن يفرق بين الضعف العقلي والجنون وبين المستويات المختلفة للضعف العقلي، وهو يؤكد أن "الضعف العقلي لا يدل على مرض العقل، إنما يدل على نقص نموه الذي يحول بينه وبين بلوغ مستوى نشاط الفرد العادي، أي أن الضعف بهذا المعنى صفة تميز الفرد من باكورة حياته إلى نهايتها. وأن الجنون مرض عقلي يصيب الفرد فينحدر بمستواه انحدارًا شديدًا" (٢).
وقد اعتمد علم النفس الحديث في تقسيماته لضعاف العقول على المظاهر الوظيفية لسلوكهم، فقال فيهم:
١ - "المعتوه: وهو الذي لا يستطيع أن يكسب رزقه، ولا أن يحافظ على حياته.
٢ - الأبله: وهو الذي لا يستطيع أن يكسب رزقه، ولكنه يستطيع أن يحافظ على حياته بمشقة.
٣ - المأفون: وهو الذي يكسب رزقه بصعوبة، ويحافظ على حياته بمشقة" (٣).
"وقد وضع "ترمان" " l.m.terman" نسب الذكاء لضعاف العقول:
أقل من ٢٠ المعتوه.
من ٢٠ إلى ٥٠ الأبله.
_________________
(١) مرجع سابق، السيد، د. فؤاد، البهي. الذكاء. ص ١٢٢.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٢٢.
(٣) المرجع السابق، ص ١٢٢، ٤٢٣.
[ ٥٢٧ ]
من ٥٠ إلى ٧٠ المأفون" (١).
والذي نلاحظه أن هناك اختلافًا بين ابن الجوزي والفكر الحديث في التقسيمات ونسبها لأنه لم يحددها، يضاف إلى ذلك أنه لم يكشف عن هذه المستويات العقلية بالطرق العلمية المستخدمة الآن في علم النفس الحديث، ذلك أن الطريقة العلمية تعتمد على الكشف عن الضعف العقلي على تطبيق اختبارات الذكاء الجماعية، ثم تطبيق اختبارات الذكاء الفردية لتحديد هذا الضعف تحديدًا دقيقًا، ثم تطبيق الاختبارات العملية لتحديد مستوى هذا الضعف، بالإضافة إلى الوسائل النفسية والاجتماعية، ودراسة تاريخ الحياة، وتحليل مستوى التحصيل المدرسي" (٢).
٣ - أنواع القدرات العقلية:
أكد ابن الجوزي أن القدرات العقلية صنفان فطرية ومكتسبة من تأثير البيئة، وهذا ما أثبته علماء الوراثة والبيئة من خلال التجارب والدراسات، فقد ذهبوا إلى "أن الذكاء استعداد فطري من هبة الطبيعة. واْن الرعاية لها الأثر الثانوي المساعد" (٣). و"البيئة إنما تفيد في استغلال مواهب الذكاء الفطرية إلى أقصى حدودها إن كانت مشجعة. كما أنها قد تعوق نشاطها إلى أدنى الحدود إن كانت غير مشجعة. وهذا مصدر هام يؤثر في الفروق العقلية بين الأفراد .. فالفرد الذي يعيش في بيئة مثقفة يجد سبل العلم والثقافة ميسورة. والفرد الذي قد لا يجد وسائل العلم والتهذيب ينشأ جاهلًا رغم ذكائه الفطري الذي لو وجد التنمية والتشجيع لأفاد واستفاد من مواهبه الفطرية. فالبيئة تساعد على نمو ما هو موجود فعلًا، ولكنها لا تستطيع أن توجد شيئًا من العدم" (٤).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٢٢.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٢٨.
(٣) مرجع سابق، الهاشمي. الفروق الفردية. ص ١١٦.
(٤) المرجع السابق، ص ١١٤ - ١١٥.
[ ٥٢٨ ]
وبذلك يسبق ابن الجوزي علماء الوراثة والبيئة المعاصرين في هذا الرأي.
وقد ذكر ابن الجوزي أن هناك علاقة بين الذكاء والصفات الجسمية، وهذا الرأي لا تدل عليه آيات القرآن الكريم ولا الأحاديث النبوية الصحيحة، ثم أثبتت الدراسات التجريبية الحديثة ضعفه أيضًا، كذلك ذكر ابن الجوزي أن هناك علاقة بين الذكاء والصفات السلوكية، فالأذكياء يتصرفون بطريقة حسنة حكيمة، أما الأغبياء فيتصرفون بطريقة تدل على خطئهم وانحرافهم وقلة حكمتهم بصفة عامة. وقد وضحت الباحثة ذلك في الباب الرابع من الفصل الثاني، (ص ٢٨٩ وما بعدها) واجتنابًا للتكرار لم تُعِد ذكره.
٤ - العلم والتعليم في الفكر التربوي الغربي:
استقى ابن الجوزي رأيه في العلم والتعليم من المنهج التربوي الإسلامي وما يحويه من آداب وفضائل وأخلاقيات، لذلك فمهما اتفقت مبادئه مع الفكر الغربي، فإنها تختلف عنها اختلافًا جذريًّا من الناحية العقائدية، لأن الهدف من العلم في الإسلام يختلف تمامًا عن هدفه في الفكر الغربي. كذلك فضل العلم والعلماء في الإسلام يختلف عن نظيره عند الغرب، فإنه ينحصر لدى الغربيين في الفائدة المادية والمعنوية الدنيوية فقط، هذا لدى الماديين، ولكن يختلف عند العلماء النصارى الذين يؤمنون بالله، ويعملون من أجل الآخرة.
ويختلف الأمر أيضًا في المقومات الأساسية للعالم والمتعلم، والتركيز على العلوم الإسلامية وطريقة تدريسها.
٥ - العوامل المساعدة على التعلم الجيد:
اتفق ابن الجوزي مع علم النفس الحديث في العوامل المساعدة على التعلم الجيد، وقد أثبت علماء النفس الكثير من هذه العوامل من خلال التجارب المعملية والميدانية التي أيدت هذه العوامل.
٦ - الأسباب التي تؤدي إلى النسيان:
حصر ابن الجوزي الأسباب التي تؤدي إلى النسيان في أربعة
[ ٥٢٩ ]
أسبابٍ، ناقشناها في الفصل الثاني من الباب الرابع، (ص ٣١٤ وما بعدها) وأثبتت الباحثة خطأ بعضها من الناحية العلمية النقلية لاعتماد ابن الجوزي فيها على أحاديث غير صحيحة، وبعضها الآخر لا تشهد له الحقائق من الناحية الطبية والنفسية.
والدراسات النفسية الحديثة ذكرت أسبابًا للنسيان تختلف تمامًا عن الأسباب التي ذكرها ابن الجوزي، وهذه الأسباب هي: "العوامل العضوية، والخبرة اللاحقة، الدافعية .. بالإضافة إلى "تأثير تداخل الخبرات، والتغيرات العضوية في داخل الفرد، ووجود رغبةٍ لا شعوريةٍ للنسيان" (١).
٧ - الطرق المتبعة في مقاومة النسيان:
ذكر ابن الجوزي الكثير من المبادئ التربوية لمقاومة النسيان، وهي في مجملها توافق ما ذهب إليه علم نفس التعلم. وسأذكر بعضًا منها فقط اجتنابًا للتطويل أو التكرار:
١ - رأى ابن الجوزي أن إعطاء المتعلم فترة راحةٍ بمعدل يومٍ أو يومين في الأسبوع، يساعد على تثبيت المعلومات في ذهن المتعلم، وهذا ما أكده "جثري" " Guthrie" بقوله "الخبرات التي يتعلمها الفرد ويعقبها النوم أو الراحة أطول عمرًا في التذكر من المنبّهات التي ترتبط باستجابات يعقبها نشاط وعمل" (٢).
٢ - كذلك رأى ابن الجوزي أهمية تنظيم أوقات الإعادة بطريقةٍ لا ترهق المتعلم ولا تضرّه، وهذا ما أكدته التجارب التي أثبتت أن "التمرين المتصل قد يؤدي إما إلى تعب المتعلم وإما إلى ملله ونقص رغبته في التحصيل، وإما إلى حدوث ظاهرة الكفّ الرجعي، حيث تتداخل عناصر الخبرات المتعلَّمة بعضها في البعض الآخر فيعرقل بعضها البعض" (٣).
_________________
(١) توق، د. محي الدين وعدس، عبد الرحمن. أساسيات علم النفس التربوي. (نيويورك: جون وايلي وأولاده، دون طبعة وتاريخ)، ص ٢٧٠ - ٢٧٦.
(٢) مرجع سابق، الغريب، د. رمزية. التعلم. ص ١٥٨.
(٣) المرجع السابق، ص ٥٢٩.
[ ٥٣٠ ]
د - الأخلاق في المفهوم الغربي:
أوجز ابن الجوزي رأيه في الأخلاق التي اشتقها من المنهج التربوي الإسلامي، ولكن لو قارنا ما ذكره مع الاتجاهات الأخلاقية الحديثة، فإن البحث سيطول بسبب كثرة هذه الاتجاهات الأخلاقية وخصائصها ووجوه النزاع بينها. لذلك ستحاول الباحثة الإيجاز قدر المستطاع.
اختلفت الاتجاهات الأخلاقية في أمور كثيرة من قرن لآخر، ومن عالم لعالم، ومن مدينة لأُخرى، حسب الفلسفة التي يدين بها كل مربٍ، فمن مذهب المنفعة الفردية إلى مذهب المنفعة العامة، إلى نظرية التطور في الأخلاق أو مذهب الكمال، ومن فلسفة الأخلاق الاجتماعية في الوضعية الفرنسية، إلى البرجماتية الأمريكية. ومن الاتجاه الماركسي إلى الاتجاه المثالي الحدسي، ومن مذهب الحاسة الخلقية إلى الضمير الأخلاقي عند بطلر ونقاده، ومن مبدأ الواجب عند كانت، إلى المثالية المحدثة.
وقد ناقش هؤلاء العلماء الأخلاق من الناحية الفلسفية، وحاولوا إخضاعها للمنهج الفكري، وأبعدوها عن الديانة النصرانية وغيرها. وستركز الباحثة على أحد علماء القرن الثامن عشر الميلادي وإبراز رأيه الموافق أو المخالف لابن الجوزي، لأن ما وراء ذلك يحتاج إلى بحث شامل طويل.
وعلى هذا ستتناول الباحثة الأخلاق عند (كانت) (kant) (١) (١١٣٧ هـ - ١٢١٩ هـ) (١٧٢٤ م - ١٨٠٤ م)، الذي شرع بوضع مذهبه الأخلاقي في أول كتبه في الأخلاق وهو الذي "نُشر في سنة ١٧٨٥ م- ١٢٠٠ هـ تقريبًا بعنوان: تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق وقد جعله بمثابة نواة لنقد العقل العملي، لأنه ينظر فيه في بعض الموضوعات الخاصة بنقد العقل العملي، ويترك الباقي" (٢).
ويقصد "كانت" (بميتافيزيقا الأخلاق) أنه لن تستمد قوانين
_________________
(١) سبب اختيار "كانت" دون غيره من التربويين الغربيين، هو أنه يعد من أكبر الفلاسفة الغربيين الباحثين في الأخلاق، وله فيه مذهب وفلسفة خاصة.
(٢) بدوي، عبد الرحمن. الأخلاق عند كنت. الكويت، وكالة المطبوعات، طبعة سنة ١٩٧٩ م، ص ٣٢.
[ ٥٣١ ]
الأخلاق من الطبيعة الإنسانية، ولا من عادات الناس ..، بل من العقل ذاته مباشرة، ولهذا فإنها لن تستعين بعلم النفس ولا بعلم الإنسان (و"كانت" يوحّد مرارًا بين علم النفس التجريبي وعلم الإنسان، لأن موضوعهما واحد وهو معرفة الطبيعة الإنسانية). والسبب في ذلك هو أن معطيات علم النفس (أو علم الإنسان) هي من الغموض والتشعب والتشتت بحيث لا يمكن أن نستخلص منها قواعد كلية مطلقة، وفيها خلط بين المبادئ والأحوال الجزئية، بحيث تتوقف النتائج المستخلصة على الأحوال الفردية والميول والعواطف الخاصة. وآفة المذاهب التي تميل إلى تفسير الأخلاق بتراكيب النفس الإنسانية أو الطبيعة الإنسانية، أو بالظروف التي يعيش فيها الإنسان هي أنها لا تملك أن تقدم غير قواعد متفاوتة العموم، ذاتية، بدلًا من أن تقدم قوانين كلية موضوعية للإرادة" (١).
ومحور مذهب "كانت" الأخلاقي هو فكرة (الواجب): والواجب في نظره هو: "شعور بإلزام عقلي مع إدراك استحالة ضده، هو أمر مطلق نطيعه وفاقًا لطبيعة العقل العملي الذي يميز الإنسان -باعتباره حيوانًا ناطقًا- عن سائر الكائنات. من أجل هذه اقتضت الأخلاقية أن يلزم الإنسان نفسه بمحض إرادته بسلوك يضحي فيه بمطالب جسمه ودوافعه طاعة لنداء العقل دون اكتراث بوجدان أو عاطفة أو نحوها، وإلا افتقد الفعل قيمته الأخلاقية" (٢). وتفسير قوله هذا هو: "أن الفعل لكي ما تكون له قيمة أخلاقية، فعليه ليس فقط أن يتفق مع الواجب، بل ويجب أيضًا أن يفعل من أجل الواجب. . . . وأن الفعل الذي ينجز بحسب الميل فقط، أو عن دافع مثل الرغبة في السعادة، فليس له قيمة أخلاقية" (٣).
وقد ضرب (كانت) مثلًا لتعريف الواجب قال فيه: "حينما تكون الأفعال قابلةً لأن تؤدى عن واجب وعن ميل مباشر. فمن واجبي مثلًا
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٣. بتصرف يسير ..
(٢) الطويل، د. توفيق. فلسفة الأخلاق. نشأتها وتطورها. القاهرة، دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة، ١٩٧٩ م، ص ٤١٥.
(٣) مرجع سابق، بدوي. الأخلاق عند كنت. ص ٥١.
[ ٥٣٢ ]
المحافظة على حياتي وتحقيق سعادتي. ولكني بطبعي أتعلق بالحياة، وبطبعي أسعى إلى أن أكون سعيدًا. فكيف نحدد طابع الواجب في مثل هذا؟ لابد أن نفترض أحوالًا يعتور فيها حبَّ الحياة والرغبةَ في السعادة ظروفٌ معاكسةٌ تجعلهما ينقلبان إلى عكسيهما. فالإنسان الذي تنتابه أقسى الآلام إلى درجة أنه يطلب الموت ومع ذلك يحافظ على الحياة، هذا الإنسان يمكن أن يعد سلوكه هذا سلوكًا أخلاقيًّا" (١).
وقد وضع (كانت) أسس متيافيزيقا الأخلاق، وسأوجز أفكاره فيما يأتي:
١ - التجربة لا تفيد في وضع مبادئ الأخلاق. وهذا معناه كما يقول (كانت) أنه "من المستحيل تمامًا أن نقرر بالتجربة وبيقين كامل حالة واحدة قام فيها الفعل، المطابق مع ذلك الواجب، على مبادئ أخلاقية فقط وعلى امتثال الواجب"، وعلّق المؤلّف د. عبد الرحمن بدوي بقوله: "ولهذا لا يمكن أن نتخذ من التجربة شواهد على مبادئ الأخلاق العالية" (٢).
٢ - "مبادئ الأخلاق قبلية كلية. وهذا معناه أن الأخلاق "يجب أن تُستمد من مبادئ العقل القبلية غير الممزوجة بأية اعتباراتٍ تجريبيةٍ مستمدةٍ من أحوال الطبيعة الإنسانية وميولها ونوازعها" (٣).
٣ - اعتمد على العقل العملي، الذي قصد به الإرادة الخيرة التي تتمثل في إرادة العمل وفقًا لمبدأ "الواجب لذاته"، وليس لمنفعة أو جريًا وراء ميل أو رغبة. وقد بيَّن (كانت) من خلال العقل العملي "الأمر المطلق" ودلالاته وصيغته السلبية في المبدأ الآتي: "ينبغي ألا أتصرف إلا بطريقة أستطيع أن أرى جعل قاعدة تصرفي قانونًا عامًّا للناس جميعًا" (٤).
وقد حدد "كانت" معنى الأمر "الذي يفترض وجود كائن عاقل لديه القدرة على أن يتصرف وفاقًا لفكرته عن القوانين أو المبادئ" (٥).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٨.
(٢) المرجع السابق، ص ٦٢.
(٣) المرجع السابق، ص ٦٥.
(٤) مرجع سابق، الطويل. فلسفة الأخلاق. نشأتها وتطورها. ص ٤٢٣.
(٥) المرجع السابق، ص ٤٢٤.
[ ٥٣٣ ]
وهذا ما نعنيه حين نقول إن لديه إرادة. ثم صنف الأمر إلى ثلاثة أوامر تقابلها ثلاثة مبادئ موضوعية وثلاثة صنوف من الخير" (١)، وقام بعرض مسوغاتها من الناحية الخلقية لبيان أنها متوافقة مع طبيعة الإنسان.
وعلى هذا نقول إن (كانت) حدد للواجب (الأمر المطلق) ثلاثة قواعد هي:
١ - "قاعدة التعميم: أن الأمر المطلق يوجب علينا أن نتصرف وفاقًا لقانون عام، أي بموجب مبدأ صالح للإنسان بما هو إنسان، وصيغته هي: "افعل طبقًا لقاعدة تستطيع في الوقت نفسه أن تريد جعلها قانونًا عامًّا".
وقد ضرب أمثلة على ذلك: الانتحار، أو الوعد الكاذب" (٢).
٢ - قاعدة الغائية: "أن الأمر المطلق لا يتعلق بغاية شخصية. . . وصاغها "كانت" في عبارة تقول: "افعل بحيث تعامل الإنسانية دائمًا ممثلة في شخصك أو أي شخص آخر غاية، ولا تعاملها قط مجرد وسيلة إلى تحقيق غاية" (٣).
٣ - قاعدة الحرية: "استخلص "كانت" من مفهوم القاعدتين السالفتين قاعدة ثالثة تقول: افعل بحيث تجعل إرادتك بمثابة مشرع يسن للناس قانونًا عاقًا، فالإنسان في القاعدة الأُولى يعمل بموجب القانون، وفي القاعدة الثانية ينظر إلى نفسه باعتبارها غاية في ذاتها. . . ." ومعنى هذه القاعدة أن الإنسان في هذا المذهب يتصرف وفاقًا لقاعدة تصلح أن تكون قاعدة لسلوك الآخرين متى كانوا في ظروفه، وهو يستجيب في هذا لإملاء العقل وحده، ومن أجل هذا اقتضت الأخلاق أن يريد الإنسان القانون الأخلاقي، وأن يرغب في الخضوع له بمحض حريته" (٤).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٢٤.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٢٦، ٤٢٧. بتصرف.
(٣) المرجع السابق، ص ٤٣١. بتصرف.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٣٢ - ٤٣٣. بتصرف.
[ ٥٣٤ ]
وقد أقام "كانت" الواجب على أسس دينية ميتافيزيقية متمثلة في "الإرادة، وخلود النفس، ووجود الله" (١).
وفي كتابه ميتافيزيقا الأخلاق وضع "كانت" الأخلاق العملية، وتقسيماتها، فبدأها بتعريف الفضيلة بأنها "القوة الأخلاقية التي يمارسها الإنسان في أداء واجبه: وهي قسر أخلاقي يقوم به عقله المشِّرع، من حيث إن هذا يتولى القيام بدور القوة المنفذة للقانون" (٢).
وقد ناقش مذهب الفضيلة ثم قسمه إلى قسمين: "إما بحسب الشكل، أو بحسب المادة (الموضوع) " (٣).
ثم قدم "كانت" تقسيمين للأخلاق:
"الأول: وفقًا لاختلاف الموضوعات وقوانينها ويشمل:
- واجبات:
الإنسان نحو الإنسان:
• نحو ذاته
• نحو سائر الناس
الإنسان نحو غير الإنسان:
• نحو الموجودات الأدنى من الإنسان
• نحو الموجودات الأعلى من الإنسان
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٣٥. بتصرف.
(٢) مرجع سابق، بدوي. الأخلاق عند كنت. ص ١٧٥.
(٣) المرجع السابق، ص ١٧٧.
[ ٥٣٥ ]
الثاني: وفقًا لمبادئ نظام العقل المحض العملي. ويشمل:
الأخلاق
• المذهب الأَوّلي [دوجماتيقي - فتاوي]
• المناهج [تعليمي - زهدي] (١)
وقد ناقش أصناف الأخلاق وبيَّن فضائلها ورذائلها مثل الانتحار ودنس الشهوة وذهاب الوعي بالإفراط في الشراب أو الطعام، والكذب والبخل والتواضع الزائف والكبرياء والغيبة، والسخرية وواجبات الصداقة. ثم عرض "لمنهجيات الأخلاق ووضح فيه أن الفضيلة مكتسبة وليست فطرية، وأن هناك طرقًا متعددة لتعليم الفضيلة مثل أن يكون سماعيًّا، أو سؤاليًّا، أو التعليم بالقدوة الحسنة، ثم بين طريقة الرياضة الأخلاقية للفضيلة" (٢).
وقد تعرض مذهب "كانت" كغيره من المذاهب الفلسفية للنقد.
كان هذا عرضًا موجزًا لمذهب "كانت" الأخلاقي، وعند موازنته بآراء ابن الجوزي الأخلاقية، فإننا نلاحظ الآتي:
١ - ناقش "كانت" الأخلاق من الناحية الفلسفية العقلية وفصلها عن الميول والوجدان. أما ابن الجوزي فقد ذكرها كما وردت في المنهج التربوي الإسلامي دون تحليل فلسفي، فالأخلاق في "المفهوم القرآني شيء شامل لكل تصرفات الإنسان، وكل مشاعره، وكل تفكيره، حتى الهاجس الذي يهجس داخل الضمير، فهي ليست محدّدة بمساحة معينة ولا بعمل معين .. ولا يوجد -في الإسلام- عمل واحد يمكن أن يخرج عن دائرة الأخلاق" (٣).
٢ - أن "كانت" أقام الأخلاق بعيدة عن وحي الدين، ورفض رد
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٧٨ - ٢٢٤. بتصرف.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٢٥ - ٢٢٧. بتصرف.
(٣) قطب، محمد. دراسات قرآنية. بيروت، القاهرة، دار الشروق، دون طبعة وتاريخ، ص ١٣٩.
[ ٥٣٦ ]
الواجب إلى الله، بعد أن حرص على استقلال الإنسان وإرادته عن كل سلطة" (١)، حتى ضاق منه رجال اللاهوت.
أما ابن الجوزي فقد أقام آراءه الأخلاقية على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، الملائمة لفطرة الإنسان وطبيعته التي خلقه الله عليها.
وهكذا نجد أن الأخلاق في نظر "كانت" تختلف عنها في نظر ابن الجوزي، بسبب اختلاف العقيدة بينهما، وما يترتب على هذا الاختلاف من تصور للإنسان والكون والوجود، وما يتبعهما من مبادئ وقوانين وآداب تصاغ للإنسان.
وسأكتفي بهذا القدر من الموازنة حتى لا يطول البحث.
وخلاصة القول:
مما سبق من الموازنة، وفي ضوء الاستقراء الذي قمنا به لآراء ابن الجوزي وفي حدود التحري الذي أمكننا أن نقوم به للفكر التربوي الغربي، وهما غير تامين ولا محيطين، يمكن أن نقول إننا نلاحظ أنه رغم البعد الزمني والمكاني، والاختلاف العقائدي والبيئي، فقد وافق ابن الجوزي الفكر التربوي الغربي في الكثير من آرائه التربوية المستقاة من مصدري التشريع الإسلامي الحنيف وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ثم من تجاربه الخاصة، وأما الاختلاف بين آراء ابن الجوزي وآراء غيره فيعود إلى أسباب عدة:
١ - اختلاف العقيدة التي يدين بها كل من ابن الجوزي وغيره من التربويين الغربيين.
٢ - لم يكتب ابن الجوزي في التربية كالمتخصص فيها، ولكن كتب كغيره من العلماء المسلمين، الذين كتبوا في موضوع التربية بطريقة عرضية، فالتربية كغيرها من العلوم التي يحتاجها الإنسان المستخلف، تساعده على حمل رسالة الإسلام. أما علماء التربية الحديثة من الغربيين
_________________
(١) مرجع سابق، الطويل. فلسفة الأخلاق. نشأتها وتطورها. ص ٤٥٢.
[ ٥٣٧ ]
فقد تناولوا موضوع التربية متخصصين فيها، وهي عندهم علم، الاحتياج إليه متوافر في تربيتهم وتعليمهم، ولاسيما أن دولهم لا تستند إلى مبادئ دينية ثابتة، ولكن تتصارع فيها المذاهب والفلسفات التي قد تتعارض مع طبيعة الإنسان كما خلقها الله تعالى، في الكثير من مبادئها وآرائها.
٣ - أن ابن الجوزي -كما سبق أن ذكرت الباحثة- استقى آراءه التربوية من المنهج التربوي الإسلامي بعموميته دون الاستعانة بالطب أو علم الأجنة، أما علماء الفكر التربوي الحديث فقد استعانوا بهذين العلمين وبغيرهما من العلوم التي تسهِّل صياغة آرائهم التربوية.
وبذلك يمكن أن نصل إلى أن أسبقية ابن الجوزي في صياغة هذه الآراء، لا تنبع من فكره فقط ولكنها تأتي بالدرجة الأُولى من صلاحية المنهج التربوي الإسلامي لكل زمان ومكان، وموافقته للطبيعة الإنسانية كما خلقها الله تعالى، وشموله لكل ما يحتاجه الإنسان في حياته العامة والخاصة.