حتى تقوى إرادة الفرد، وتتصلب أمام ضعفه البشري، لابدّ من وسائل لتربية إرادته لمواجهة ما يعترضه بقوة وعزيمةٍ، وإيمان واقتناع. وقد اقتبست الباحثة عناوين هذه الوسائل من كتاب، جوانب التربية الإِسلامية الأساسية للدكتور مقداد يالجن، لأنه كما ذكرت سابقًا، أن ابن الجوزي كتب في التربية الإرادية بصفة عامة دون تحديد مسمّاها أو عناوينها، ولكن قامت الباحثة بتصنيف ما كتبه متناثرًا في مؤلفاته العديدة التي درستها. وأهم هذه الوسائل هي:
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٥٨.
(٢) مرجع سابق، الألباني، محمد، ناصر الدين. صحيح الجامع الصغير وزيادته. المجلد الثاني، ص ١٠٢١ - ١٠٢٢، حديث رقم ٥٨٦٨.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٤.
(٤) معنى الرياضة هنا: التربية والتدريب والتوجيه الخلقي.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٣.
[ ٣٧٧ ]
أ - ممارسة أنواع التدريب الإرادي للسلوك الفطري:
وذلك عن طريق إشباع الدوافع الفطرية كالأكل والشرب والجنس، وضبطها بالضوابط الشرعية، وتهذيب الانفعالات المختلفة مثل الغضب ودفع الإساءة بالإحسان، ومغالبة الهوى وضبط النفس وكظم الغيظ.
وقد تكلم ابن الجوزي عن هذه الدوافع الفطرية والانفعالات، مبينًا طريقة إشباعها ثم ضبطها وإعلاءها، بطريقة تتفق وفطرة الإنسان. وقد سبق تحليل ذلك في الفصل الأول من الباب الثالث، لذلك لا داعي لذكرها هنا اجتنابًا للتكرار.
ب - ممارسة أنواع التدريب الإرادي الخاصة بالبذل والعطاء:
بعد تدريب النفس البشرية على ضبط شهواتها وإعلائها، لابدّ من تدريبها على البذل، بذل النفس والمال والجهد وكلَّ ما تملك، حتى تقوى إرادتها، ويسلس قياد النفس لصاحبها والتدريبُ على البذل وكذا العطاء المثمر يحتاجان إلى مضاعفة الجهد، وتحمل الآلام، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "إن كل شيء نفيس خطيرٍ يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله" (١). وقد عدَّد ابن الجوزي بعض الأمور التي تحتاج إلى مجاهدةٍ ومصابرة، حتى تنالها النفس البشرية، فقال: "العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة" (٢). وقال في المال: "ونحو هذا تحصيل المال، فإنه يحتاج إلى المخاطرات والأسفار والتعب الكثير" (٣). وقال في الكرم: "وكذلك نيل الشرف بالكرم والجود، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل المحبوب، وربما آل إلى الفقر" (٤). وقال في الشجاعة: "وكذلك الشجاعة، فإنها لا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس" (٥).
كذلك من أراد ثواب الآخرة، فإنه لابد أن يدرب نفسه على طاعة
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٦٨.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٦٨.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٦٩.
(٤) المرجع السابق، ص ٢٦٩.
(٥) المرجع السابق، ص ٢٦٩.
[ ٣٧٨ ]
الله تعالى ومرضاته باتباع شرعه، واجتناب ما نهى عنه ويصبر ويجاهد ويصابر في سبيل ذلك. قال ابن الجوزي: "ومن هذا الفن تحصيل الثواب في الآخرة. فإنه يزيد على قوة الاجتهاد والتعبد، أو على قدر وقع المبذول من المال فى النفس، أو على قدر الصبر على فقد المحبوب، ومنع النفس من الجزع" (١).
كذلك الزهد يحتاج إلى مشقة، قال ابن الجوزي: "وكذلك الزهد يحتاج إلى صبر عن الهوى" (٢)، وقال في العفاف: "والعفاف لا يكون إلا بكفِّ كفِّ الشره. ولولا ما عانى يوسف -﵇- ما قيل له أيها الصديق" (٣). ثم يمدح ابن الجوزي الساعين في الرقيّ بنفوسهم، ويصف حالهم في أثناء المجاهدة .. قائلا: "والله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها، فهم يبالغون في كل علم، ويجتهدون في كل عمل، ويثابرون على كل فضيلة. فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون. وأكمل أحوالهم إعراضهم عن أعمالهم؛ فهم يحتقرونها مع التمام ويعتذرون من التقصير. ومنهم من يزيد على هذا فيتشاغل بالشكر على التوفيق لذلك، ومنهم من لا يرى ما عمل أصلًا، لأنه يرى نفسه وعمله لسيده" (٤).
ولهذا كان التدريب على البذل في مختلف النواحي النفسية والخلقية، يحتاج إلى صبر ومصابرة، حتى تتخلص النفس من ضعفها البشري، ويسلس قيادها للتفاني في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، وإقامة الشرع الحنيف، كما ارتضاه الله ﵎.