توجد في هذه الدراسة بعض المصطلحات التي لابد من تحديد معناها وهي الآتية:
١ - التربية
معنى التربية من المعاني المعروفة لغويًا واصطلاحيًا، ولها تعريفات كثيرة في الفكر التربوي الإسلامي والغربي، لذلك سأذكر تعريفًا واحدًا من تعريفات المسلمين وواحدًا من تعريفات الغربيين وثالثا من الفكر الإِسلامي المعاصر ثم أذكر التعريف الذي يناسب موضوع هذه الرسالة.
١ - تعريف أحد المسلمين للتربية
تعريف القاضي البيضاوي: "التربية هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا" (١).
وقد علق د. مقداد يالجن على هذا التعريف قائلًا: "يلاحظ على هذا التعريف أنه أعم من شموله على الإِنسان حيث إنه يشمل الإنسان
_________________
(١) البيضاوي، عبد الله بن عمر، ناصر الدين، أبو سعيد، الشيرازي. أنوار التنزيل وأسرار التأويل. بيروت، دار الجيل، دون تاريخ، الجزء الأول، ص ٣ نقل بتصرف.
[ ٢٩ ]
والحيوان والزراعة حتى بناء أي شيء. كما نلاحظ أنه غير مصبوغ بالصبغة الإِسلامية" (١).
٢ - تعريف أحد الغربيين للتربية
عرف سبنسر التربية بأنها هي: "التي تعد للحياة الكاملة، وتركز في محتوياتها على الخبرات وأنشطة الحياة ذات القيمة الواضحة في الإِعداد للحياة الكاملة" (٢).
الملاحظ على هذا التعريف أن سبنسر ربط التربية بالحياة، وجعل الوظيفة الأساسية للتربية هي الإعداد للحياة الكاملة، وهذا المفهوم غير وافٍ في الفكر الإِسلامي لأنه اقتصر على الحياة الدنيا وأهمل الحياة الآخرة.
٣ - تعريف التربية الإسلامية
عرف د. صبحي طه رشيد إبراهيم التربية الإسلامية بأنها: "تنمية جميع جوانب الشخصية الإسلامية الفكرية والعاطفية والجسدية والاجتماعية، وتنظيم سلوكها على أساس من مبادئ الإِسلام وتعاليمه، بغرض تحقيق أهداف الإِسلام في شتى مجالات الحياة" (٣).
والملاحظ على هذا التعريف أنه أغفل بعض جوانب الشخصية الإسلامية المتكاملة مثل الجانب الاعتقادي والروحي والأخلاقي والإرادي والإبداعي، ولم يؤكد على استمرارية التربية الإسلامية في جميع مراحل النمَو الإنساني، كذلك قصر تحقيق أهداف الإسلام في شتى مجالات الحياة الدنيا ولم يربطها بالحياة الآخرة، ولم يحدد الأساليب والطرق التربوية الإِسلامية التي ينبغي مراعاتها عند الإِعداد. لذلك رأت الباحثة
_________________
(١) يالجن، د. مقداد. جوانب التربية الإسلامية الأساسية. بيروت، مؤسسة دار الريحاني للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، ص ٢٢.
(٢) الشيباني، د. عمر، محمد، التومي. تطور النظريات والأفكار التربوية. ليبيا، تونس، الدار العربية للكتاب، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م، ص ٢٩٠.
(٣) إبراهيم، صبحي، طه، رشيد. التربية الإسلامية وأساليب تدريسها. عمان، دار الأرقم للكتب، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، ص ٩.
[ ٣٠ ]
أن تعريف د. مقداد يالجن أنسب التعريفات التي تتناسب مع موضوع هذه الرسالة، ولاسيما أنه يتميز بخصائص أغفلها تعريف د. صبحي، والتعريف يقول: إن التربية الإسلامية هي: "علم إعداد الإنسان المسلم لحياتي الدنيا والآخرة إعدادًا كاملا من الناحية الصحية والعقلية والعلمية والاعتقادية والروحية والأخلاقية والاجتماعية والإرادية والإبداعية في جميع مراحل نموه في ضوء المبادئ والقيم الإِسلامية وفي ضوء أساليب ووسائل وطرق التربية التي بينها الإِسلام" (١).
أما الألفاظ التي استخدمها ابن الجوزي في أقواله فهي كلمة "الرياضة" بمعنى التربية كما في قوله في مواضع عدة نذكر منها على سبيل المثال: "إن الرياضة لا تصلح إلا في نجيب" (٢) وقوله: "الرياضة للنفس تكون بالتلطف والتنقل من حال إلى حال" (٣).
أما اللفظ الثاني والثالث فقد جاءا بمعنى "التأديب" و"التربية" كما في قوله: "ما ينفع تأديب الولد إذا لم يسبق اختيار الخالق لذلك الولد، فإنه سبحانه إذا أراد شخصًا رباه من طفولته وهداه إلى الصواب" (٤).
٢ - الفكر
معنى الفكر لغة: "إعمال العقل في الأشياء للوصول إلى معرفتها، ويطلق بالمعنى العام على كل ظاهرة من ظواهر الحياة العقلية" (٥).
_________________
(١) يالجن، د. مقداد. منابع مشكلات الأمة الإسلامية والعالم المعاصر ودور التربية الإسلامية وقيمها فى معالجتها. الرياض، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م، ص ٧١.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. اللطائف والطب الروحاني (تحقيق) عطا، عبد القادر، أحمد، ص ١٣١.
(٣) المرجع السابق، ص ١٣٢.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. صيد الخاطر. ص ٢٥٢.
(٥) صليبا، جميل. المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية. بيروت، دار الكتاب اللبناني، القاهرة، دار الكتاب المصري، ١٩٧٩ م، الجزء الثاني، ص ١٥٤.
[ ٣١ ]
الفكر التربوي عند ابن الجوزي
هو مجموعة الآراء التي تتعلق بنظام التربية من جميع جوانبه وما يتعلق بها من الوسائل والأساليب لبناء المسلم المتكامل، من خلال مؤلفاته المختلفة.
٣ - الأصالة
معناه اللغوي هو: "امتياز الشيء أو الشخص على غيره بصفات جديدة صادرة عنه، فمعنى الأصالة في الإنسان إبداعه، وفي الرأي جودته، وفي الأسلوب ابتكاره، وفي النسب عراقته، والأصالة بهذا المعنى ضد السخف والإسفاف والابتذال وهي أن يأتي المرء بشيء جديد مبتكر لم يسبقه إليه غيره، فإذا قلد غيره أو أتى بشيء مبتذل أو سخيف لم يكن أصيلًا" (١) وهذا ينطبق على الإِسلام لأنه تشريع إلهي لم يُسبَق إليه.
وعلى هذا فمعنى تأصيل التربية:
"توجيه الدراسات التربوية توجيهًا تربويًا إسلاميًا وذلك بإيجاد منهج فكري تربوي يقوم على الأسس الإسلامية وعلى نحو يحقق أهداف التربية الإِسلامية وغايتها" (٢).
٤ - المبدأ
عرف البعض كلمة المبدأ بأنها عبارة "عن فكرة عامة شاملة، تنبثق عنها أفكار فرعية، أو تنظم على ضوئها عمليات تربوية مثل مبدأ رعاية اليتيم، أو مبدأ فرضية التعليم والتعلم وبعض هذه المبادئ يمكن استنباطه من أساليب الرسول - ﷺ -، وأساليب القرآن الكريم في التعامل مع النفس
_________________
(١) صليبا، جميل. المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية. بيروت، دار الكتاب اللبناني، القاهرة، دار الكتاب المصري، ١٩٧٨ م، الجزء الأول، ص ٩٦.
(٢) يالجن، د. مقداد. "مرئياتي ومقترحاتي حول تأصيل العلوم الاجتماعية". بحث مقدم لندوة التأصيل الإسلامى للعلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية بالرياض، يومي الثلاثاء والأربعاء ٥ - ٦/ ٦/ ١٤٠٧ هـ، ص ١٣.
[ ٣٢ ]
الإنسانية والمجتمع، كمبدأ "التربية الذاتية" ومبدأ "مراعاة الفروق الفردية" (١).
ويمكن تعريفه بأنه، القاعدة العامة التي تبنى عليها آراء وأفكار تربوية جزئية وهي تستخلص من المصادر التشريعية الإسلامية مثل القرآن الكريم والسُّنة واجتهادات العلماء وتجاربهم في ضوئهما.
٥ - الرأي
يعرفه البعض بأنه: "الاعتقاد المحتمل، لا الاعتقاد اليقيني وهو وسط بين الشك واليقين" (٢)، وقد يكون الاعتقاد الجازم حول قضية من القضايا، أو صدق الحكم أو الفكر السديد في مسألة من المسائل العلمية.
معنى آراء ابن الجوزي: هو ما يعتقده من أفكار، يحتمل أن تكون صحيحة أو خاطئة في نظر الآخرين على وفق ما بنى عليه تلك الأفكار، سواء كانت مستخرجة من الكتاب والسنّة أو من أحاديث نبوية قد تكون أحاديث صحيحة أو ضعيفة أو موضوعة، أو من اجتهاداته الشخصية.
٦ - التحليل
وهو "عكس التركيب. وهو إرجاع الكل إلى أجزائه" (٣) وقيل: "التحليل هو عزل أجزاء الشيء بعضها عن بعض" (٤).
كذلك يقصد بالتحليل "تجزئة الكل إلى أجزائه التي يتألف منها، بسيطة كانت أو مركبة، ودراسة كل جزء منها دراسة خاصة به، لمعرفة صفاته وخصائصه، ووظائفه، ثم النظر في وجه ترابط الأجزاء بعضها
_________________
(١) نحلاوي، عبد الرحمن. التربية الإسلامية والمشكلات المعاصرة. بيروت، المكتب الإسلامي، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، ص ٥٥.
(٢) مرجع سابق، صليبا، جميل. المعجم بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية. الجزء الأول، ص ٦٠٤.
(٣) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٢٥٤.
(٤) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٢٥٥.
[ ٣٣ ]
ببعض، وأداء كل جزء منها وظيفته الخاصة به، بحسب موضعه من الكل، حتى اجتمع منها الكل فأدى وظيفته الكبرى القائمة على تعاون الأجزاء" (١).
وعلى هذا فمعنى التحليل في هذه الدراسة هو الكشف عن أجزاء المعرفة بطريقة متعمقة وشاملة وبعيدة عن التعقيد والغموض من جميع أطراف الفكرة الواحدة.
٧ - التقويم
معنى التقويم كما وضحه د. محمد مصطفى زيدان هو: "العملية التي يتم بها إصدار حكم على مدى تحقيق العملية التربوية لأهدافها الموضوعة لها" (٢).
وسيستخدم هذا الجانب التقويمي في إصدار حكم على آراء ابن الجوزي التربوية في ضوء القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة والقواعد الأصولية والفقهية، وضوابط الاجتهاد في الشريعة الإسلامية لمعرفة مدى مواءمتها روح الإِسلام.
_________________
(١) الميداني، عبد الرحمن، حسن، حبنكة. ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة. دمشق، بيروت، دار القلم، الطبعة الأولى، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م، ص ١٣٩.
(٢) زيدان، د. محمد، مصطفى. المصطلحات النفسية والتربوية. جدة، دار الشروق للنشر والتوزيع والطباعة، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، ص ١٦٦.
[ ٣٤ ]