السُّنّة النبوية: هي المصدر الثاني للتشريع الإِسلامي، وتعريف "السُّنّة في الاصطلاح الشرعي: هي ما صدر عن رسول الله - ﷺ - من قول، أو فعل، أو تقرير" (٢). أو صفة خِلْقيةٍ أو خُلْقيةٍ.
وقد عرفها ابن الجوزي بالمعنى نفسه تقريبًا بقوله: "تعرف شريعة رسول الله - ﷺ - إما بأفعاله، أو أقواله" (٣). ثم أنه بيَّن أهمية اتباع الرسول - ﷺ - فقال: "ومن تأمل خصائص الرسول - ﷺ - رأى كاملًا في العلم والعمل، فبه يكون الاقتداء، وهو الحجة على الخلق" (٤) وقال ابن الجوزي: "ولينظر في طريق رسول الله - ﷺ - وصحابته، فإنهم القدوة، ولا
_________________
(١) سورة ص، الآيات ٣١ - ٣٤.
(٢) مرجع سابق، خلاف. علم أصول الفقه. ص ٣٦.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣١٩.
(٤) المرجع السابق، ص ٩٠.
[ ٤١٢ ]
يَلتفت إلى بُنَيَّات الطريق" (١).
وقد استشهد ابن الجوزي في الكثير من آرائه التربوية بأحاديث الرسول - ﷺ -، أو بسيرته العطرة. وستقوم الباحثة بعرض الآراء التربوية الموثقة بأحاديث الرسول - ﷺ -، ثم عرض الآراء المعتمدة على الاستشهاد بأفعاله، ثم الآراء المستقاة من ألفاظ ومعاني أحاديثه - ﷺ - وهذا التقسيم للدراسة فقط، لأن مصطلح الأحاديث يشمل الأقوال والأفعال.
وقبل مناقشة وتخريج أحاديث الرسول - ﷺ - التي استشهد بها ابن الجوزي عند عرض آرائه التربوية في البابين الثالث والرابع، أحدد منهجي الذي سأسير عليه في دراسة هذه الأحاديث وتخريجها ثم الحكم عليها، ويتلخص ذلك فيما يأتي:
أ - تخريج الاْحاديث يتمّ على النحو الآتي:
١ - إذا كان الحديث في الصحيحين (البخاري ومسلم) أو أحدهما، فسأكتفي بذكره منهما أو أحدهما حسب النص الذي أورده ابن الجوزي. وإذا كان الحديث مذكورًا في أكثر من موضع سأكتفي بذكر موضع واحد فقط، وهو الموضع الذي يتطابق فيه اللفظ عند الإمام البخاري مع اللفظ الذي أورده ابن الجوزي.
٢ - وإذا لم يكن الحديث موجودًا في الصحيحين، فأخرجه من أحد كتب السنن الأربعة وهي سنن أبي داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه، وذلك حسب تخريج ابن الجوزي، بأن يذكر راويه بقوله: "روى أبو داود" فأخرجه من سنن أبي داود وأكتفي به، دون البحث عنه في كتب السنن الأُخرى وهكذا.
٣ - إذا أخرجت الحديث من الشيخين أو غيرهما فإنما مرادي أصل الحديث لاتمام المطابقة بين ألفاظ رواية ابن الجوزي والرواية المخرّجة.
٤ - إذا لم يكن الحديث في الكتب الستة، فإنني أعمد إلى تخريجه من مسند الإمام أحمد بن حنبل، وأكتفي بذكر موضع واحدٍ للحديث
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٣٢.
[ ٤١٣ ]
الذي أورده بشرط مطابقته لما ذكره ابن الجوزي.
٥ - إذا لم يكن الحديث في شيء من الكتب السابقة كلِّها أخرجه بواسطة الفهارس من المصادر والمراجع الحديثة بقدر المستطاع، مع عدم الالتزام بالأشهر من هذه الكتب عن بقيتها، إلا إذا دعت الحاجة للخروج عنه لإضافة معنى ما في إطارٍ محدودٍ.
ب - بيان حكم الحديث:
١ - إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فمعلوم أنه صحيح، بناءً على ما جرى عليه عرف الأئمة من علماء الحديث من الجزم بصحة أحاديث الشيخين بصفة عامة.
٢ - إذا كان الحديث في غير الصحيحين، فسأعتمد على تصحيح أو تضعيف علماء الحديث له، ما لم أجد له معارضًا أو مناقضًا، فأورد ما ذكر فيه، حتى أصل إلى الحكم عليه.
٣ - إذا لم أجد الحديث الذي استشهد به ابن الجوزي، في الكتب التي بحثت فيها، فسأذكر أنني لم أقف عليه ولم أجده.
وبعد بيان منهج التخريج، قُمتُ بتصنيف الأحاديث النبوية الشريفة التي استشهد بها ابن الجوزي على النحو الآتي:
أ - ذكر الأحاديث الصحيحة للشيخين البخاري ومسلم.
ب - ذكر الأحاديث التي وردت في كتب السنن الأربعة.
جـ - ذكر الأحاديث التي وردت في مسند الإمام أحمد بن حنبل.
د - ذكر الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة وأقوال علماء الحديث فيها، والآن أتناول تلك الموضوعات بشيء من التفصيل.
أ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بأحاديث الشيخين -في حدود الكتب التي درستها من مؤلفات ابن الجوزي-:
أقوم الآن بعرض الأحاديث النبوية الشريفة التي وثق ابن الجوزي بها آراءه التربوية:
١ - وثق ابن الجوزي رأيه التربوي في حب الرياسة في الدنيا دون
[ ٤١٤ ]
التفكر في عواقبها (١)، بقول الرسول - ﷺ - الذي قال فيه: "وفي أفراد مسلمٍ من حديث أبي ذر قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ، ألا تستعملني؟ قال: فضربَ بيدِه على منكبي ثم قال: يا أبا ذرٍ، إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ، وإنها يومَ القيامةِ خزيٌ وندامةٌ، إلّا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها. وفي لفظ آخر: يا أبا ذر إني أحبُ لك ما أحبُ لنفسي، لا تأمرنَّ على اثنين، ولا تولينَّ على مالِ يتيم" وقد رواه مسلم بلفظ: "يا أبا ذرٍ إني أراك ضعيفًا، وإني أحبُ لك ما أحبُ لنفسي. لا تأمرنَّ على اثنين. ولا تولينَّ مال يتيم" (٢).
٢ - وقد وثّق ابن الجوزي علاجه التربوي لانفعال الحسد (٣) بقول الرسول - ﷺ -: "لا حسدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه اللهُ -﷿- القرآن فهو يقوم به آناءَ الليلِ والنهارِ، ورجلٍ أتاه اللهُ مالًا فهو ينفقُه في الحقِّ آناءَ الليلِ والنهارِ" أُخرِج في الصحيحين (٤).
٣ - وقد وثق ابن الجوزي انفعال الغضب وعلاجه (٥) بعدد من أحاديث الرسول - ﷺ -، فقال في ذلك: "فذكر بسنده إلى أبي هريرة قال: أتى النبيّ - ﷺ - رجلٌ فقال: أوصني، فقال: لا تغضب، فردّد مرارًا،
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠١ - ١٠٢.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٤٥٧، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، حديث رقم ١٦ - (١٨٢٥)، وحديث رقم ١٧ - (١٨٢٦).
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٨.
(٤) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثالث عشر، ص ٥٠٢، كتاب التوحيد، باب قول النبي - ﷺ - رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار. حديث رقم ٧٥٢٩. وذكر أيضًا في الجزء التاسع، ص ٧٣، في كتاب فضائل القرآن، باب اغتباط صاحب القرآن، حديث رقم ٥٠٢٥ - ٥٠٢٦. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٥٥٨ - ٥٥٩، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلّمه وفضل من تعلّم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها، حديث رقم ٢٦٦ - ٢٦٨.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١١٠.
[ ٤١٥ ]
فقال: لا تغضب. رواه البخاري" (١).
٤ - وقال رسول الله - ﷺ -: "ليس الشديد بالصُّرَعةِ إِنَّما الشديد الذي يملكُ نفسَهُ عند الغضب" (٢).
٥ - "ومن حديث سليمان بن صُردَ قال: كنت جالسًا مع النبي - ﷺ - ورجلان يستبانِ، وأحدهما قد احمرَّ وجهه، وانتفختْ أوداجهُ. فقال النبي - ﷺ -: "إني لأعلمُ كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لذهب عنه ما يجد، قالوا له: إن النبي - ﷺ - قال: تعوذ باللهِ من الشيطان الرجيم. قال: أَوَ بي جنون؟ " (٣).
٦ - وقد وثق ابن الجوزي علاجه التربوي للخوف من الموت (٤)، بقولين من حديث الرسول - ﷺ -: "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: قال الله -﷿-: أنا عند ظنِ عبدي بي. متفق عليه" (٥).
"وعن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: "لا يموتن أحدُكم إلا وهو يحسنُ باللهِ الظنَّ". أخرجه مسلم" (٦).
_________________
(١) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء العاشر، ص ٥١٩، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، حديث رقم ٦١١٦.
(٢) أ - المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٥١٨، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، حديث رقم ٦١١٤. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠١٤، كتاب البر والصلة والآداب باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، وبأي شيء يذهب الغضب، حديث رقم ١٠٧ - (٢٦٠٩).
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء العاشر، ص ٥١٨ - ٥١٩، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، حديث رقم ٦١١٥.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢٤.
(٥) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثالث عشر، ص ٤٦٦، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، حديث رقم ٧٥٠٥. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠٦١، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، حديث رقم ٢ - (٢٦٧٥).
(٦) المرجع السابق، الجزء الرابع، ص ٢٢٠٥ - ٢٢٠٦، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، حديث رقم ٨١ - (٢٨٧٧) و٨٢ - (بدون).
[ ٤١٦ ]
٧ - ذكر ابن الجوزي مراحل النمو الإنساني، ومنها مرحلة نفخ الروح في الجنين (١)، فاستشهد بقول الرسول - ﷺ -: "إذا مرَّ بالنطفةِ ثنتان وأربعون ليلةً، بعثَ اللهُ إليها ملكًا فصوَّرها وخلقَ سمعها وبصرَها، وجلدَها ولحمَها وعظامَها، ثم قال: يا رب أذكرٌ أم أنثى، فيقضي ربُك ما شاءَ، ويكتبُ الملكُ، ثم يقول: يا ربّ رزقُه؟ فيقضي ربُك ما شاء ويكتبُ الملك، ثم يخرجُ بالصحيفةِ في يدهِ، فلا يزيدُ على ما أمرَ ولا ينقصُ" (٢).
٨ - وثّق ابن الجوزي رأيه في أهمية التداوي (٣) للمحافظة على جسم الإنسان بقول الرسول - ﷺ -، فقال: "فإن الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: ما أنزلَ اللهُ داءً إلا وأنزلَ له دواءً فتداووا" (٤).
٩ - ذكر ابن الجوزي بعضًا من آداب العالم في أثناء تدريسه، ومنها أهمية أن يتأسّى العالم بالرسول - ﷺ - في أن يرفع صوته أو يخفضه حسب الموقف التعليمي (٥). وقد استشهد بالحديث فقال: ". . . عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - كان إذا خطب الناس احمرت عيناه ورفع صوته واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبَّحكم أو مسَّاكم" (٦).
١٠ - أثبت ابن الجوزي أن التكرار (٧) من العوامل المساعدة على
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. زاد المسير في علم التفسير. الجزء الخامس، ص ٤٦٢ - ٤٦٣.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠٣٧، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي، في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله، وشقاوته وسعادته، حديث رقم ٢٦٤٥.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٨٧.
(٤) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء العاشر، ص ١٣٤، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث رقم ٥٦٧٨.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب القُصّاص والمذكّرين. (تحقيق) الصباغ، محمد، لطفي، ص ٣٦٣.
(٦) النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثاني، ص ٥٩٢، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، حديث رقم ٤٣ - (٨٦٧).
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحثُّ على حفظ العلم وذكرُ كبار الحفاظ. ص ٢١.
[ ٤١٧ ]
التعلم الجيد، وقد وثّق رأيه بقول الرسول - ﷺ -: "تعاهدوا القرآن فإنه أشدُّ تفصِّيًا من صدورِ الرجالِ من النعمِ من عُقلِها" (١).
١١ - ذكر ابن الجوزي أهمية مراعاة الفروق الفردية (٢) في القدرات العقلية، وقد وثّق رأيه بقول علي - ﵁ -: "حدّثوا الناسَ بما يعرفون. أتحبّونَ أن يُكذَّب اللهُ ورسولهُ" (٣).
١٢ - ذكر ابن الجوزي في التربية الروحية أهمية الجانب التعبدي وأثره التربوي في النفس البشرية، وحتى تتحقق لابد من الطهارة المادية والمعنوية، فذكر في الطهارة المادية، الطهارة من نجس وهو البول (٤)، وقد وثّقه بقول الرسول - ﷺ - فقال: "عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه مرّ بقبرين يعذبان فقال: "إنهما ليَعذَّبانِ وما يعذبانِ في كبيرٍ: أما أحدهما فكان لا يستنزهُ من البولِ. . . ." (٥).
هذه الرواية أوردها الإمام مسلم في صحيحه الجزء الأول، ص
_________________
(١) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء التاسع، ص ٧٩، كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، حديث رقم ٥٠٣٣. وقد روى البخاري هذا الحديث بلفظ: "تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عُقلها". ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٥٤٥، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضائل القرآن وما يتعلق به، من باب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا، وجواز قول أُنسِيتها، حديث رقم ٢٣١ - (٧٩١).
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. أخبار الحمقى والمغفلين. ص ١٢٥.
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ٢٢٥، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، حديث رقم ٤٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢١٧.
(٥) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثالث، ص ٢٢٢ - ٢٢٣، كتاب الجنائز، باب الجريدة على القبر، حديث رقم ١٣٦١. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٢٤٠، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، حديث رقم ١١١ - (٢٩٢).
[ ٤١٨ ]
٢٤٠ - ٢٤١، كتاب الإيمان، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، حديث رقم (١١١ - ٢٩٢)، أما روايات البخاري الخمس كلها "لا يستتر من البول". لذلك سنكتفي بتخريج الإمام مسلم.
١٣ - كذلك ذكر ابن الجوزي الطهارة من الحدث (١)، وفيها قال: "ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله - ﷺ - في سفرةٍ سافرناها فأدركنا ونحن نتوضأُ فجعلنا نمسحُ أرجلَنا قال: فنادى بأعلى صوته مرتين أو ثلاثًا: "ويلٌ للأعقاب من النارِ" (٢).
١٤ - ذكر ابن الجوزي في التربية الروحية، أهمية الاعتناء بسنن الفطرة (٣) ومنها السواك وقد استشهد له بحديثين من أحاديث الرسول - ﷺ -. فقال: "أخبرنا عبد الأول بسنده عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "لولا أن أشقَّ على أمتي أو على الناسِ، لأمرتهم بالسواكِ مع كل صلاة" (٤).
١٥ - والحديث الثاني قال ابن الجوزي في السواك أيضًا: وأخرجا من حديث حذيفة قال: كان رسولُ الله - ﷺ - يشوصُ فاهُ بالسواكِ" (٥).
١٦ - ذكر ابن الجوزي (٦) في إسباغ الوضوء حديثين للرسول - ﷺ -
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢١٧.
(٢) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ٢٦٥، كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين، حديث رقم ١٦٣. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٢١٤، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، حديث رقم ٢٧.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢١٨ - ٢١٩.
(٤) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثاني، ص ٣٧٤، كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، حديث رقم ٨٨٧. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٢٢٠، كتاب الطهارة، باب السواك، حديث رقم ٤٢ - (٢٥٢).
(٥) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ٣٧٥، كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، حديث رقم ٨٨٩. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٢٢٠، كتاب الطهارة، باب السواك، حديث رقم ٤٦ - (٢٥٥).
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢١٧ - ٢١٨.
[ ٤١٩ ]
فقال: "من أتمَّ الوضوء كما أمرهُ اللهُ -﷿- فالصلواتُ المكتوباتُ كفاراتٌ لما بينهن" (١).
١٧ - والحديث الثاني قوله - ﷺ -: "إذا توضأَ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ، فغسلَ وجهَه خرجَ من وجههِ كلُ خطيئةٍ نظرَ إليها بعينيهِ مع الماءِ أو معَ آخرِ قطرِ الماءِ، فإذا غسلَ يديهِ خرجَ من يديهِ كلُ خطيئةِ، كان بطشتها يداهُ مع الماءِ أو مع آخر قطر الماءِ، فإذا غسَل رجليه خرجت كلُ خطيئة مشتها رجلاهُ مع الماءِ، أو معَ آخرِ قطرِ الماءِ حتى يخرجَ نقيًا من الذنوبِ" (٢).
١٨ - استشهد ابن الجوزي بحديثين من أحاديث الرسول - ﷺ - على أثر الصلاة (٣) فقال: "واعلم أن الشرع عظم أمر الصلاة وضرب الأمثال بفضلها، أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، أنبأنا أبو عامر الأزدي، وأبو بكر الغورجي، قالا أخبرنا أبو محمد الجراحي، أنبأنا أبو العباس المحبوبي، أنبأنا الترمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا الليث عن ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة. عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمس مراتٍ هل يبقى من درنِه شيء؟ قالوا: لا. قال: فذلك مَثَلُ الصلوَاتِ الخمسِ يمحو اللهُ بهن الخطايا. أخرجاه في الصحيحين" (٤).
١٩ - "وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى
_________________
(١) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٢٠٨، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء والصلاة عقبه، حديث رقم ١١.
(٢) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٢١٥، كتاب الطهارة، باب خروج الخطايا مع مع ماء الوضوء حديث رقم ٣٢ - (٢٤٤).
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٣٢.
(٤) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثاني، ص ١١، كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة، حديث رقم ٥٢٨. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٤٦٢، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات، حديث رقم ٢٨٣ - (٦٦٧).
[ ٤٢٠ ]
رمضانَ مكفّراتٌ ما بينهن إذا اجتنبتِ الكبائرُ" (١).
٢٠ - استشهد ابن الجوزي بحديث الرسول - ﷺ - على أن الزكاة ركن من أركان الإسلام (٢)، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: "بُني الإسلامُ على خمسٍ .. فذكر منهن الزكاة" (٣).
٢١ - ذكر ابن الجوزي بعض المعاني التربوية للإنفاق من المال الحلال (٤)، موثقًا كلامه بحديثٍ للرسول - ﷺ - يبيِّن أجر المتصدق، فقال: "أخبرنا ابن الحصين بسنده عن سعيدِ بن يسارٍ عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: من تصدقَ بعِدلِ تمرةِ من كسبٍ طيبٍ -ولا يصعدُ إلى اللهِ إلا الطيبُ- فإن اللهَ يتقبلُها بيمينهِ ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكُم فلوَّه حتى تكونَ مثلَ الجبلِ" (٥).
٢٢ - قال ابن الجوزي في الصوم "إنه من أشرف العبادات، وله فضيلة ينفرد بها عن جميع التعبدات وهى إضافته إلى الله -﷿- (٦) بقوله -﷿-: "الصومُ لي وأنا أجزي به" (٧).
_________________
(١) المرجع السابق (ب)، الجزء الأول، ص ٢٠٩، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، حديث رقم ١٦.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٥٠.
(٣) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ٤٩، كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، حديث رقم ٨. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٤٥، كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإِسلام ودعائمه العظام، حديث رقم ٢١.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٥٦.
(٥) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثالث عشر، ص ٤١٥، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، حديث رقم ٧٤٣٠. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثاني، ص ٧٠٢، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، حديث رقم ٦٣ - (١٠١٤).
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٦١.
(٧) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثالث عشر، ص ٤٦٤، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، حديث رقم ٧٤٩٢.
[ ٤٢١ ]
٢٣ - وثق ابن الجوزي فضيلة الحج (١) بقول الرسول - ﷺ -: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (٢).
٢٤ - وضع ابن الجوزي لعلاج الكذب طرق عدة منها معرفة الكاذب احتقار الناس له وقلة ثقتهم به، فيدفعه ذلك لترك الكذب، وقد وثق كلامه (٣) بقول الرسول - ﷺ -: "ما يزالُ الرجلُ يكذبُ ويتحرى الكذبَ حتى يكتبَ عند الله كذابًا" (٤).
٢٥ - استشهد ابن الجوزي في التربية الإرادية، بشأن الصبر (٥) على مرارة الأقدار بالحديث القدسي "لا يزالُ العبدُ يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَه، فإذا أحببتُه كنت سمعَهُ الذي يسمعُ به، وبصره الذي يبصرُ به" (٦).
٢٦ - وقد استشهد ابن الجوزي في تربية الإرادة بعد الوقوع في المعصية (٧) بقول الرسول - ﷺ - بقوله: "ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قلتُ يا رسولَ الله أيُ ذنبٍ أعظمُ؟ قال: أن تجعلَ للهِ ندًّا وهو خلقَك. قلت: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتلَ ولدَك من أجلِ أن يطعمَ معك. قلت: ثم أيُّ؟ قال: أن تزاني حليلةَ جارك" (٨).
_________________
(١) = ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثاني، ص ٨٠٧، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، حديث رقم ١٦٥.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٨٠.
(٣) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثالث، ص ٥٩٧، كتاب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها، حديث رقم ١٧٧٣. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثاني، ص ٩٨٣، كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، حديث رقم ٤٣٧ - (١٣٤٩).
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٤.
(٥) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠١٣، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، حديث رقم ١٠٥.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٥.
(٧) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الحادي عشر، ص ٣٤٠ - ٣٤١، كتاب الرقاق، باب التواضع حديث رقم ٦٥٠٢.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٨٠.
(٩) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثالث
[ ٤٢٢ ]
٢٧ - وثّق ابن الجوزي تربية الإرادة بعد الوقوع في المعصية بالتوبة (١) النصوح، بقول الرسول - ﷺ -، فقال: "وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: "للهُ أفرحُ بتوبةِ عبدهِ المؤمنِ من رجل نزَل بأرض دويّةٍ (مهلكة) معه راحلتُه، فطلبَها حتى أدرَكهُ الموتُ. قَال: أرجعُ إلى مكاني الذي أضللتُها فيه فأموتُ فيه، فأتى مكانه فغلبتْه عيناه، فاستيقظ فإذا راحلتُه عند رأسهِ عليها طعامُه وشرابُه وزاده وما يصلحُه، فاللهُ أشدُ فرحًا بتوبةِ عبدهِ المؤمن من هذا براحلتهِ وزادهِ" (٢).
٢٨ - صنف ابن الجوزي التائبين في صنفين من الناس، الصنف الأول هو الذي زاد ندمه (٣)، وقوي مقته لنفسه، فرأى تعريضها للقتل
_________________
(١) = عشر، ص ٤٩١، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، حديث رقم ٧٥٢٠. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٩٠، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، حديث رقم ١٤١ - (٨٦). وقد روي هذا الحديث في الصحيحين بلفظ آخر ففي صحيح مسلم. عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله - ﷺ -: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك. قال قلت له: إن ذلك لعظيم. قال قلت: ثم أي؟ قال ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك. قال قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تزاني حليلة جارك".
(٢) المرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٢٥.
(٣) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري الجزء الحادي عشر، ص ١٠٢، كتاب الدعوات، باب التوبة، حديث رقم ٦٣٠٨. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢١٠٣، كتاب التوبة، باب الحض على التوبة والفرح بها، حديث رقم ٣ - (٢٧٤٤). والحديث في الصحيحين بألفاظ مقاربة. ولفظ مسلم قال فيه: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن، من رجلٍ في أرض دوية مَهْلَكة معه راحلته. عليها طعامه وشرابه. فنام فاستيقظ وقد ذهبت. فطلبها حتى أدركه العطش. ثم قال: ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه. فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت. فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه: فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده".
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٣٦٠.
[ ٤٢٣ ]
مباحا، وهذا ما فعل ماعز، وقد استشهد ابن الجوزي بقصته الواردة في الحديث فقال فيها: ". . . . عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنتُ جالسًا عند النبي - ﷺ - إذ جاءهُ رجلٌ يقال له ماعزُ بن مالك فقال: يا نبيَ اللهِ إني قد زنيتُ وأنا أريدُ أن تطهَرني فطهرني، فقال له النبي - ﷺ -: ارجع. فلما كان من الغدِ أتاه أيضًا فاعترف عنده بالزنى. فقال له النبيُ - ﷺ -: ارجع. ثم أرسلَ النبي - ﷺ - إلى قومِه فسألَهُم عنه فقال: ما تعلمون من ماعزِ بن مالكٍ الأسلمي؟ هل ترون به بأسًا وما تنكرون من عقلهِ شيئًا؟ قالوا: يا نبي الله. ما نرى به بأسًا، ولا ننكرُ من عقله شيئًا. ثم عاد إلى النبي - ﷺ - الثالثةَ فاعترف عنده بالزنى وقال: يا نبيَ اللهِ طهرني. فأرسل النبي - ﷺ - إلى قومِه أيضًا فسألهم عنه. فقالوا له كما قالوا في المرة الأُولى: ما نرى به بأسًا، وما ننكرُ من عقلهِ شيئًا. ثم رجعَ إلى النبي - ﷺ - الرابعة فاعترفَ عنده بالزنى، فأمر النبي - ﷺ - فحفرَ له حفيرةٌ فجُعِلَ فيها إلى صدرهِ ثم أمرَ الناسَ أن يرجموه". وقال في هذا الحديث وحديث المرأة الغامدية: انفرد بإخراج الحديثين مسلم" (١).
٢٩ - وفى الوسائل النفسية الإيحائية لتقوية الإرادة، وثّق ابن الجوزي كلامه (٢) بحديث الرسول - ﷺ - عن الثلاثةِ الذين دخلوا إلى غار، فانطبقت عليهم صخرةٌ، فقال أحدهم: "اللهم إنه كان لي أبوان وأولاد، فكنت أقفُ بالحليب على أبوي أسقيهما قبل أولادي، فإن كنت فعلتُ ذلك لأجلك فافرج عنا، فانفرج ثلثُ الصخرة. وقال الآخرُ: اللهم إني استأجرتُ أجيرًا فتسخطَ أجره: فاتجرت به، فجاء يومًا فقال: ألا تخافُ الله وتعطيني أجرتي؟ فقلت: انطلق إلى تلك البقرِ ورعاتهِا فخذها، فإن كنتُ فعلتُ ذلك لأجلك فافرج عنا فانفرج ثلثا الصخرة. فقال الآخر: اللهم إني علقتُ بنتَ عمٍ لي فلما دنوتُ منها قالت: اتقِ اللهَ ولا تفض الخاتمَ إلا بحقهِ، فقمتُ عنها. فإن كنت فعلتُ ذلك لأجلك فافرج عنا، فرفعت الصخرةُ وخرجوا" (٣).
_________________
(١) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٣٢٣، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث رقم ٢٣.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥٦.
(٣) أ - مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء العاشر،
[ ٤٢٤ ]
٣٠ - في التربية الأخلاقية (١)، وثّق ابن الجوزي رأيه بقوله: "وقد سئلت عائشةُ -﵂- عن خُلُق رسولِ الله - ﷺ - فقالت: كان خُلُقهُ القرآن. وهو في صحيح مسلم (٢). وقد أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد (٣).
التعليق على الأحاديث الصحيحة التي استشهد بها ابن الجوزي في آرائه التربوبة:
من خلال عرضنا للأحاديث السابقة التي استشهد بها ابن الجوزي، نلاحظ أنه اعتمد على الصحيحين (البخاري ومسلم) أو أحدهما، وقد أجمع جمهور العلماء على صحتهما، ولا تحتاج إلى نظر أو بحث، وذلك لأن الإمامين قد التزما "بإخراج الأحاديث الصحيحة بأسانيد نظيفة (سليمة) لا تحوي رجالًا ضعفاء أو متروكين، كما أنها خالية من العلل القادحة الخفية التي تقدح في صحة الحديث. فوجود الحديث في أحد الصحيحين يكفي للحكم على صحة الحديث، ولا حاجة إلى البحث في إسناده، لأن الغاية من البحث في الإسناد إنما هي الوصول إلى معرفة صحة الحديث أو عدم صحته" (٤).
وعلى ذلك فإننا نرى -في حدود بحثنا- أن ابن الجوزي قد
_________________
(١) = ص ٤٠٤، كتاب الأدب، باب إجابة دعاءَ من برَّ والديه، حديث رقم ٥٩٧٤. ب - مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠٩٩، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال، حديث رقم ١٠٠ - (٢٧٤٣).
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. زاد المسير في علم التفسير. الجزء الثامن، ص ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٣) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٥١٣، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، حديث رقم ١٣٩ - (٧٤٦). ففي حديث طويل أخرجه مسلم: قال حكيم بن أفلح: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خُلق رسول الله - ﷺ -، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله - ﷺ - كان القرآن. . . ." إلى آخر هذا الحديث.
(٤) مرجع سابق، ابن حنبل، أحمد. المسند. الجزء السادس، ص ١٦٣.
(٥) الطحان، د. محمود. أصول التخريج ودراسة الأسانيد. الرياض، مكتبة الرشد، الطبعة الخامسة، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، ص ٢٠٨.
[ ٤٢٥ ]
استشهد بـ (٣٠) حديثًا صحيحًا من إخراج الشيخين أو أحدهما، إلا أنه يلاحظ أنه لم يكن دقيقًا دائمًا في نقل ألفاظ الأحاديث.
ب - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بأحاديث نبوية وردت في كتب السنن الأربعة:
سأقوم بعرض الأحاديث النبوية التي وثّق بها ابن الجوزي آراءه التربوية، وخرجها من كتب السنن الأربعة وهي سنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه وهذا في حدود بحثي وفي نطاق الكتب التي رجعت إليها من مؤلفات ابن الجوزي الكثيرة. وبعد ذكر الحديث سأبين درجته، لأنه لا يكفي مجرد وجود الأحاديث. في هذه الكتب للحكم بصحتها "لأن مؤلفيها لم يلتزموا بإخراج الصحيح وحده فيها" (١).
١ - وثّق ابن الجوزي رأيه في طبيعة خَلق الإنسان (٢) بقوله: "وقد روى أبو موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن اللهَ خلقَ آدم من قبضة قبضَها من جميع الأرض. . . .".
أخرج هذا الحديث أبو داود في سننه (٣)، وأخرجه الترمذي،، "وقال فيه: هذا حديث حسن صحيح" (٤).
٢ - وقد وثّق ابن الجوزي علاجه التربوي لانفعال الحسد (٥) بقوله: "فعن الزبير بن العوَّام قال: قال رسول الله - ﷺ -: "دبَّ إليكم داءُ الأمم قبلَكم الحسد والبغضاءُ، والبغضاءُ هي الحالقةُ، حالقةُ الدينِ لا حالقةُ الشعرِ، والذي نفسُ محمدِ بيدهِ لا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أفلا أنبِّئكُم بشيءٍ إذا فعلتموه تحابيتم: أفشوا السلامَ بينكم". أخرج هذا الحديث
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢١٥.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ١٥٨.
(٣) مرجع سابق، الأزدي. سنن أبي داود. الجزء الخامس، ص ٦٧، كتاب القدر، باب في القدر، حديث رقم ٤٦٩٣.
(٤) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح. وهو سنن الترمذي. الجزء الخامس، ص ٢٠٤، كتاب تفسير القرآن، باب "ومن سورة البقرة"، حديث رقم ٢٩٥٥.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٧.
[ ٤٢٦ ]
الترمذي وقال فيه: "هذا حديث قد اختلفوا في روايته عن يحيى بن أبي كثير. فروى بعضهم عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد عن مولى الزبير عن النبي - ﷺ -، ولم يذكروا فيه عن الزبير" (١). وقد أخرج هذا الحديث "الإمام أحمد بن حنبل في المسند عن طريق يعيش بن الوليد عن الزبير بن العوام" (٢)، وكذلك أخرجه "في موضعين عن طريق يعيش بن الوليد عن مولَّى لآل الزبير بن العوام" (٣). "والحديث ضعيف على كلا الحالين فالإسناد الأول منقطع لأن يعيش لم يدرك الزبير بن العوام، والإسناد الثاني فيه مولى آل الزبير وهو مجهول" (٤). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه البزار وإسناده جيد" (٥)، ولكن "إسناد البزَّار في سنده مولى آل الزبير وهو مجهول كما مر" (٦).
٣ - وقد ذكر ابن الجوزي (٧) في علاج الغضب حديث أبي ذر فقال: "وروى أبو داود في سننه من حديث أبي ذر عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا غضبَ أحدكُم وهو قائمٌ فليجلس، فإن ذهبَ عنه الغضبُ وإلّا فليضطجعْ". أخرج هذا الحديث أبو داود في سننه" (٨)، وقال الهيثمي فيه: رواه أبو داود باختصار القصة دون ذكر أبي الأسود -رواه
_________________
(١) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي. الجزء الرابع، ص ٦٦٤، كتاب صفة القيامة، باب ٥٦، حديث رقم ٢٥١٠.
(٢) مرجع سابق، ابن حنبل، أحمد. المسند. الجزء الأول، ص ١٦٤.
(٣) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ١٦٧.
(٤) ابن حنبل، أحمد. المسند. (تحقيق) شاكر، أحمد، محمد، دون ناشر وطبعة وتاريخ، الجزء الثالث، ص ٦، حديث رقم (١٤١٢).
(٥) الهيثمي، نور الدين، علي بن أبي بكر. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. (تحرير الحافظين الجليلين) العراقي وابن حجر، بيروت، لبنان، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، المجلد الثامن، ص ٣٠، باب ما جاء في السلام وإفشائه.
(٦) الهيثمي، نور الدين، علي بن أبي بكر. كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة. (تحقيق) الأعظمي، حبيب الرحمن، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، الجزء الثاني ص ٤١٩.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١١٠.
(٨) مرجع سابق، الأزدي. سنن أبي داود. الجزء الخامس، ص ١٤١، كتاب الأدب، باب ما يقال عند الغضب، حديث رقم ٤٧٨٢.
[ ٤٢٧ ]
أحمد (١) ورجاله رجال الصحيح" (٢).
٤ - وثّق ابن الجوزي العلاج التربوي للخوف من الموت عند مداخلة الشيطان (٣) بقوله: "وقد نقل أبو داود من حديث أبي اليسرَ عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: "أعوذُ بك أن يتخبطني الشيطانُ عند الموتِ" (٤). ولم يبين أبو داود درجة هذا الحديث، ولكن عند بيان منهجه في تخريج الأحاديث قال: "كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث. انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، وجمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض" (٥). وقد قال الهيثمي فيه: "رواه أحمد وفيه إبراهيم بن إسحاق ولم أجد من وثقه. وبقية رجاله ثقات" (٦) وقد صحّحه الشيخ الألباني (٧).
٥ - ذكر ابن الجوزي من ضمن علاج الخوف من الموت مراقبة الله تعالى في كل الأمور (٨)، وقد وثق كلامه بقوله: وفي حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: "احفظِ اللهَ تجدْهُ تجاهَك، تعرّفْ إلى اللهِ في
_________________
(١) مرجع سابق، ابن حنبل، أحمد. المسند. الجزء الخامس، ص ١٥٢.
(٢) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد الثامن، ص ٧٠ - ٧١، كتاب الأدب، باب ما يقول ويفعل إذا غضب ..
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢٣.
(٤) أ - السجستاني، أبو داود، سليمان، بن الأشعث الأزدي. رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه. (حققها وعلق عليها) الصباغ، د. محمد، بيروت، المكتب الإِسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٠١ هـ، ص ٢٧. ب - مرجع سابق، الأزدي. سنن أبي داود. الجزء الثاني، ص ٩٢، كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، حديث رقم ١٥٥٢.
(٥) المرجع السابق (ب)، الجزء الأول، ص ١٠، من المقدمة.
(٦) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد الثاني، ص ٣١٨، كتاب الجنائز، باب فيما يستعاذ فيه من الموتات.
(٧) مرجع سابق، الألباني. صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير). المجلد الأول، ص ٢٧٥، حديث رقم ١٢٨٢.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢٣.
[ ٤٢٨ ]
الرخاءِ يعرفْك في الشدةِ".
وقد أخرج هذا الحديث الترمذي وقال فيه: "هذا حديث حسن صحيح" (١).
٦ - وفي التربية الصحية في تطهير البدن من الحدث الأكبر، قال ابن الجوزي: "وأما غسل الجنابة (٢) فروى أبو داود من حديث علي - ﵁ - أنه قال: من تركَ موضعَ شعرةٍ من جنابةٍ لم يغسلَها فُعِل به كذا وكذا من النار".
أخرج هذا الحديث أبو داود في سننه (٣)، وقال ابن الأثير في هذا الحديث إنه "من رواية حمّاد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن زاذان، عن علي - ﵁ -، وإسناده صحيح، لأن حمادًا سمع من عطاء قبل اختلاطه" (٤). وقال فيه الشوكاني: "وقال النووي ضعيف وعطاء قد ضُعِّف قبل اختلاطه، ولحماد أوهام، وفي إسناده أيضًا زاذان وفيه خلاف" (٥) وقال الشيخ الألباني: ولكن العلماء "اختلفوا هل رواه قبل
_________________
(١) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي. الجزء الرابع، ص ٦٦٧، كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في صفة أواني الحوض، حديث رقم ٢٥١٦.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢١٨.
(٣) مرجع سابق، الأزدي. سنن أبي داود. الجزء الأول، ص ٦٥، كتاب الطهارة، باب الغسل من الجنابة، حديث رقم ٢٤٩.
(٤) أ - الجزري، مجد الدين، ابن الأثير. جامع الأصول في أحاديث الرسول. (تحقيق) الأرناؤوط، عبد القادر، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر التوزيع، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، الجزء السابع، ص ٢٨٠، الباب السادس في الغسل، الفرع الثاني في فرائضه وسننه وفيه ستة أنواع، النوع الأول في: كيفية الغسل، حديث رقم ٥٣١٧. معنى الاختلاط: "فساد العقل، وعدم انتظام الأقوال والأفعال". ب - عتر، د. نور الدين. منهج النقد في علوم الحديث. دمشق، دار الفكر، الطبعة الثالثة ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، ص ١٣٣.
(٥) الشوكاني، محمد، بن علي، بن محمد. نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار. بيروت، دار الكتب العلمية، دون تاريخ، المجلد الأول، ص ٢٤٧، كتاب الطهارة، باب تعاهد باطن الشعور وما جاء في نقضها.
[ ٤٢٩ ]
الاختلاط أو بعده، فلذا اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه، والحق الوقف عن تصحيحه وتضعيفه حتى يتبين الحال فيه" (١). وقال الشوكاني: "قال الحافظ وإسناده صحيح لأن من رواته عطاء بن السائب وقد سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط" (٢).
٧ - ذكر ابن الجوزي في التربية الروحية، أن من صفات الروح أنها لا تنال لذة إلا بواسطةٍ (٣)، موثقًا كلامه بقول الرسول - ﷺ - فقال: "إنها في حواصلِ طيرٍ خضرٍ تعلُقُ من شجرِ الجنةِ". كما جاء في أحاديث الشهداء.
وقد أخرج هذا الحديث ابن ماجه (٤) في سننه. وقال فيه الشيخ الألباني "حديث صحيح" (٥).
٨ - ذكر ابن الجوزي في الوسائل المعينة على الصبر وتقوية الإرادة (٦) قول الرسول - ﷺ -: "لو أن الدنيا تساوي (تعدل) عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ".
أخرج هذا الحديث الترمذي، وقال فيه: "هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه" (٧). وفي سنده عبد الحميد بن سليمان الخزاعي
_________________
(١) الألباني، محمد ناصر الدين. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة. دون ناشر، طبعة عام ١٣٩٨ هـ، المجلد الثاني، ص ٣٣٢، حديث رقم ٩٣٠.
(٢) مرجع سابق، الشوكاني. نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار. المجلد الأول، ص ٢٤٧، كتاب الطهارة، باب تعاهد باطن الشعور وما جاء في نقضها.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٥.
(٤) مرجع سابق، ابن ماجه، أبو عبد الله، محمد، بن يزيد، القزويني. سنن الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه. (حققه وصنع فهارسه بالكمبيوتر) الأعظمي، محمد، مصطفى الجزء الأول ص ٢٦٧، باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر، حديث رقم ١٤٤٨.
(٥) مرجع سابق، الألباني. صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير). المجلد الأول، ص ٣٢٥، حديث رقم ١٥٦٠.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٣.
(٧) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي. الجزء الرابع، ص ٥٦٠، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله -﷿-، حديث رقم ٢٣٢٠.
[ ٤٣٠ ]
"الضرير وهو أخو فليح وهو ضعيف" (١). وقال المناوي بعد أن نقل قول الترمذي عن الحديث بأنه صحيح غريب: "وليس كما قال ففيه عبد الحميد بن سليمان أورده الذهبي في الضعفاء، وقال أبو داود غير ثقة، ورواه ابن ماجة أيضًا وفيه عنده زكريا بن منظور، قال الذهبي في الضعفاء منكر الحديث ورواه عنه الحاكم أيضًا وصححه، فردّه الذهبي بأن زكريا بن منظور ضعفوه" (٢). لكن قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه البزار وفيه صالح مولى التوأمة وهو ثقة ولكنه اختلط وبقية رجاله ثقات" (٣). وذكر المناوي أنه قد أخرجه الضياء المقدسي في المختارة" (٤) فالحديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، وقال الألباني فيه: "وبالجملة فالحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب" (٥).
٩ - ذكر ابن الجوزي الأسباب التي تدعو الإنسان للمعصية، فمنها التسويف بالتوبة (٦)، وعلاجها المبادرة بالأعمال الصالحة، وقد وثّق كلامه بقول الرسول - ﷺ -: "صلِّ صلاة مودّع". هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه (٧)، وقال الهيثمي فيه: "رواه الطبراني
_________________
(١) العسقلاني، ابن حجر. تقريب التهذيب. (تحقيق) عبد اللطيف، عبد الوهاب، بيروت، دار المعرفة، دون طبعة وتاريخ، المجلد الأول، ص ٤٦٨.
(٢) أ - المناوي، محمد، عبد الرؤوف. فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دون طبعة وتاريخ، الجزء الخامس، ص ٣٢٩. ب - الذهبي، الحافظ. التلخيص بذيل المستدرك على الصحيحين. (إشراف) المرعشلي، د. يوسف، عبد الرحمن، بيروت، دار المعرفة، دون طبعة وتاريخ، الجزء الرابع، ص ٣٠٦، كتاب الرقاق، باب من اغتنم خمسًا قبل خمس.
(٣) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد العاشر، ص ٢٨٨، كتاب الزهد باب هوان الدنيا على الله.
(٤) مرجع سابق، المناوي. فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير. الجزء الخامس، ص ٣٢٨.
(٥) الألباني، محمد، ناصر الدين. سلسلة الأحاديث الصحيحة. دمشق، بيروت، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، المجلد الثاني، ص ٣٠٧.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٥١.
(٧) مرجع سابق، ابن ماجه. سنن الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه. الجزء الثاني، ص ٤٢٠، أبواب الزهد، باب الحكمة، حديث رقم ٤٢٢٣.
[ ٤٣١ ]
ورجاله ثقات" (١).
١٠ - بيَّن ابن الجوزي أن الطريق الموصل إلى محبة الله تعالى (٢) يكون في مخالفة الهوى واجتناب إرضاء الخلق في معصية الله تعالى، وقد استشهد بالحديث فقال: "وفي الحديث: من أرضى الناسَ بسخطِ اللهِ عاد حامده من الناس ذامًا".
أخرج هذا الحديث الترمذي عن عائشة -﵂- بقوله: "من التمسَ رضا اللهِ بسخطِ الناسِ كفاهِ اللهُ مؤنةَ الناسِ، ومن التمسَ رضاء الناسِ بسخطِ اللهِ وكلهُ اللهُ إلى الناسِ" (٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "وعن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: من طلب محامد الناس بمعاصي اللهِ عادَ حامدُه له ذاما -قلت له عند الترمذي من التمس رضا الناسِ بسخطِ اللهِ سخطَ اللهُ عليه وأسخطَ الناسَ عليه، رواه البزار من طريق قطبة بن العلاء عن أبيه وكلاهما ضعيف" (٤). وقد صحح الشيخ الألباني حديث الترمذي وأبي نعيم، في الحِلْيَة عن عائشة -﵂-" (٥).
التعليق على الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي في آرائه التربوية:
من خلال عرضنا للأحاديث السابقة التي استشهد بها ابن الجوزي
_________________
(١) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد العاشر، ص ٢٣٦، كتاب الزهد، باب منه في المواعظ.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٥١.
(٣) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي. (تحقيق) عوض، إبراهيم، عطوة، الجزء الرابع، ص ٦١٠، كتاب الزهد، باب ما جاء في اللسان، حديث رقم ٢٤١٤.
(٤) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد العاشر، ص ٢٢٤ - ٢٢٥، كتاب الزهد، باب فيمن يرضي الناس بسخط الله.
(٥) مرجع سابق، الألباني. صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير). المجلد الثاني، ص ١٠٤٠، حديث رقم ٦٠١٠. وقد ورد بلفظ "من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن أسخط الناس برضا الله كفاه الله مؤنة الناس".
[ ٤٣٢ ]
من كتب السنن الأربعة، وبعد تخريجها والحكم بصحتها، نلاحظ أنها بلغت عشرة أحاديث، سبعة أحاديث منها صحيحة، وحديثان حسنان، وحديث واحد ضعيف.
جـ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بأحاديث نبوية وردت في مسند الإمام أحمد
وذلك في حدود ما استخرجته من الكتب التي درستها من مؤلفاته:
سأقوم بعرض الأحاديث النبوية التي وثق بها ابن الجوزي آراءه التربوية، وهي في مسند الإمام أحمد بن حنبل، ثم أذكر درجة الحديث من حيث الصحة والضعف، فقد ذكر الحافظ بن كثير شأن المسند بقوله: "يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيء كثير مما يوازي كثيرًا من أحاديث مسلم، بل والبخاري أيضًا، وليست عندهما ولا عند أحدهما، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة، وهم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه" (١). ثم علق على أحاديثه في الكتاب نفسه بقوله: "وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد: إنه صحيح: فقول ضعيف؛ فإن فيه أحاديث ضعيفة، بل وموضوعةً، كأحاديث فضائل مرو، وعسقلان، والبِرْث الأحمر عند حمص، وغير ذلك، كما قد نبه عليه طائفة من الحفاظ" (٢). وقد قام الشيخ أحمد محمد شاكر بإحصاء عدد الأحاديث الصحيحة والضعيفة في المجلد الأول من المسند وأقل من ثلث المجلد الثاني من الطبعة القديمة، فقال في ذلك: "وهذه الأجزاء التسعة استوعبت المجلد الأول وأقل من ثلث المجلد الثاني من الطبعة القديمة، وكان مجموع ما فيها من الأحاديث بالإحصاء الدقيق ٦٥١١ حديثًا، الصحيح منها ٥٧٣٣ حديثًا، والضعيف ٧٧٨ حديثًا. أي أن نسبة
_________________
(١) ابن كثير، الحافظ. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث. (شرح الاختصار) شاكر، أحمد، محمد، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده، الطبعة الثانية، ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م، ص ٢٧.
(٢) المرجع السابق، ص ٣٢ - ٣٣.
[ ٤٣٣ ]
الضعيف فيها إلى مجموع الأحاديث أقل من ١٢ %. وهي نسبة ضئيلة محتملة. خصوصًا إذا لاحظنا أن أكثر ضعف الضعيف منها ضعف محتمل غير بالغ الدرجة القصوى من الضعف، إلا في القليل النادر الذي لا يكاد يذكر" (١).
وهناك الكثير من الآراء التي قيلت في مسند الإمام أحمد، ولا داعي لذكرها، حتى لا أخرج عن موضوع البحث، ويكفيني البحث عن درجة صحة الأحاديث التي وردت في كتب ابن الجوزي التي أدرسها.
١ - بيَّن ابن الجوزي أن من كمال العقل وبعد النظر أن يعرف الإنسان كيف ينفق ماله (٢) بطريقةٍ تسدّ ضرورات يومه وتوافق ظروف مستقبله، وقد وثّق كلامه بقوله: "وعن أبي الدرداء مرفوعًا: من فقهِ الرجلِ بعدُ النظرِ في معيشته. وقد روي موقوفًا".
أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء عن النبي - ﷺ -: "من فقهِ الرجلِ رفقهُ في معيشتهِ" (٣).
قال الهيثمي فيه؛ "رواه أحمد وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط" (٤). وأبو بكر بن أبي مريم هو: "أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسَّاني الشامي، وقد يُنسب إلى جده، قيل اسمه بكير، وقيل عبد السلام. قال الحافظ ابن حجر: ضعيف. وكان (أبو بكر بن أبي مريم) قد سُرق بيته فاختلط" (٥). وقال الذهبي: "ضعّفوه، له علم وديانة" (٦).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٨.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. اللطائف والطب الروحاني. (تحقيق) عطا، عبد القادر، أحمد، ص ١٠٤.
(٣) مرجع سابق، ابن حنبل، أحمد. المسند. الجزء الخامس، ص ١٩٤.
(٤) مرجع سابق، الهيثمي، نور الدين، علي، بن أبي بكر. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. (تحرير الحافظين الجليلين) العراقي وابن حجر، المجلد الرابع، ص ٧٤، باب الرفق في المعيشة.
(٥) مرجع سابق، العسقلاني، ابن حجر. تقريب التهذيب. (تحقيق) عبد اللطيف، عبد الوهاب، المجلد الثاني، ص ٣٩٨.
(٦) الذهبي. الكاشف معرفة من له رواية في الكتب الستة. بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م الجزء الثالث. ص ٢٧٥.
[ ٤٣٤ ]
"وضعفه غير واحد من الأئمة" (١). وقد نبه الشيخ الألباني إلى علة أُخرى في الحديث وهي الانقطاع فقال: "ثم هو منقطع لأن ضمرة لم يسمع من أبي الدرداء كما أفاده الذهبي. فإن بين وفاتيهما نحو مائة سنة" (٢).
٢ - وثق ابن الجوزي رأيه في حب الرياسة في الدنيا دون التفكر في عواقبها (٣)، بقوله: "وروي عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ -: ما من رجل يلي أمرَ عشرةِ فما فوقَ ذلك إلا أتى اللهَ -﷿- مغلولًا يومَ القيامةِ يدُه الى عنقهِ، فَكَّه برُّهُ، أو أوبقَه إثمُه، أولُها ملامةٌ، وأوسطُها ندامةٌ، وآخرُها خزيٌ يومَ القيامة". أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في المسند (٤)، وقال الهيثمي فيه: "يزيد بن أبي مالكٍ وثقه ابن حبان وغيره وبقية رجاله ثقات" (٥).
ويزيد بن أبي مالك هو: "يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمذاني الدمشقي. قال عنه الحافظ ابن حجر: صدوق ربما يهم" (٦)، فحديثه من قبيل الحسن. ونص الذهبي على توثيق أبي حاتم له" (٧). وقال الشيخ الألباني حديث حسن" (٨).
_________________
(١) أ - الجوزجاني، أبو إسحاق، إبراهيم، بن يعقوب. أحوال الرجال. (تحقيق) السامرائي، السيد، صبحي، البدري، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، الجزء الثاني، ص ١٧٢. ب - البستي، محمد، بن حيان، بن أحمد، التميمي. المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين. (تحقيق) زايد، محمود، إبراهيم، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، دون تاريخ، الجزء الثالث، ص ١٤٦.
(٢) مرجع سابق، الألباني، محمد، ناصر الدين. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة. المجلد الثاني، ص ٣٣، حديث رقم ٥٥٦.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. اللطائف والطب الروحاني. (تحقيق) عطا، عبد القادر، أحمد، ص ١٠١.
(٤) مرجع سابق، ابن حنبل. المسند. الجزء الخامس، ص ٢٦٧.
(٥) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد الخامس، ص ٢٠٥، كتاب الخلافة، باب فيمن ولي شيئًا.
(٦) مرجع سابق، العسقلاني. تقريب التهذيب. المجلد الثاني، ص ٣٦٨.
(٧) مرجع سابق، الذهبي. الكاشف معرفة من له رواية في الكتب الستة. الجزء الثالث، ص ٢٤٧.
(٨) أ - مرجع سابق، الألباني. صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير). المجلد الثاني، ص ٩٩٧، حديث رقم ٥٧١٨.
[ ٤٣٥ ]
٣ - وثق ابن الجوزي -أيضًا- رأيه التربوي في حب الرياسة في الدنيا دون التفكر في عواقبها بقوله: "وعن أبي هريرة مرفوعًا: "ويلٌ للأمراءِ، ويلٌ للعرفاءِ، ويلٌ للأمناءِ، ليتمنينَّ أقوامٌ يومَ القيامةِ أن ذوائبَهم كانت معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماءِ والأرضِ ولم يكونوا عملُوا على شيء".
أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده (١)، وقال الشيخ الألباني: إسناده ضعيف" (٢). وفصل القول في بيان ضعف الحديث، لأنه يدور على عباد بن أبي علي، وهو كما قال ابن حبان: مولى أبي رهم الغفاري". فقال في تخريجه: "وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي! وهذا من عجائبه، فإنه أورد عبادًا هذا في الميزان لهذا الحديث وقال: "وهذا حديث منكر، وقد علق له البخاري وحدث عنه حماد بن زيد. قال ابن القطان: لم تثبت عدالته". وأبو حازم هذا كنت ظننت قديمًا أنه سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، فلما وقفت على الحديث عند ابن حبان، تبين لي أنني كنت واهمًا، وأنه غيره، وليس من رجال الشيخين، بل لم يوثقه غير ابن حبان وابن عبد البر. ولم يوثقه الحافظ بل قال في التقريب: مقبول. يعني عند المتابعة، وإلا فليّن الحديث. ومما سبق تعلم أن قول المنذري في الترغيب (١/ ٢٧٩): رواه أحمد من طرق رواة بعضها ثقات". بعيد عن الصواب، وكذا قول الهيثمي في المجمع: "رواه أحمد ورجاله ثقات في طريقين من أربعة، ورواه أبو يعلى والبزار" (٣) فإنهما يوهمان أن له أكثر من طريق واحد عن أبي هريرة، مع أنه ليس له عند أحمد ولا عند غيره ممن خرَّجنا عنه غير الطريق المذكورة، كما يوهمان أن ثقة رجاله مما يعتد به، مع ما علمت من جهالة
_________________
(١) = ب - مرجع سابق، الألباني. سلسلة الأحاديث الصحيحة. المجلد الأول، ص ٧٤، حديث رقم ٣٤٩.
(٢) مرجع سابق، ابن حنبل. المسند. الجزء الثاني، ص ٣٥٢.
(٣) التبريزي، محمد، بن عبد الله، الخطيب. مشكاة المصابيح. (تحقيق) الألباني محمد، ناصر الدين، بيروت، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، الجزء الثاني، ص ١٠٩٣، كتاب الإمارة والقضاء، حديث رقم ٣٦٩٨.
(٤) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد الخامس، ص ٢٠٠، كتاب الخلافة، باب كراهة الولاية ولمن تستحب.
[ ٤٣٦ ]
حال عباد بن أبي علي، وأزيد هنا فأقول: لم يوثقه غير ابن حبان، ولذلك لم يعتد الحافظ به فقال فيه: "مقبول" وقد عرفت أنه يعني أنه لين الحديث عند التفرد كما هو الشأن هنا" (١) وعلى هذا فالحديث ضعيف ..
٤ - وثق ابن الجوزي علاج انفعال الغضب (٢) بحديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا غضبَ أحدكُم فليسكتُ".
أخرج هذا الحديث الإمام أحمد من طريق شعبة عن ليث عن طاووس عن ابن عباس، وفي هذه الرواية تصريح ليث بالسماع من طاووس فقد قال "سمعت طاووسًا" (٣)، وأخرجه أحمد من حديث ابن عباس أيضًا من طريق سفيان عن ليث عن طاووس عن ابن عباس، وذلك في موضعين ليس فيهما تصريح بالسماع (٤)، وكذا أخرجه البزار من طريق ليث من غير تصريح بالسماع (٥)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد في موضعين أحدهما فيه تصريح بالسماع (٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات لأن ليثًا صرح بالسماع من طاووسٍ" (٧). وهذا فيه نظر لأن ليثًا فيه ضعف بل قد ضعفه الهيثمي نفسه حيث قال عن الحديث نفسه في موضع آخر: "رواه أحمد والبزار وفيه ليث بن أبي سليمٍ وهو ضعيف" (٨).
_________________
(١) مرجع سابق، الألباني، محمد، ناصر الدين. غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام. بيروت، المكتب الإِسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، ص ١٢٨.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١١٠.
(٣) مرجع سابق، ابن حنبل. المسند. الجزء الأول، ص ٢٣٩.
(٤) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٢٨٣، ٣٦٥.
(٥) مرجع سابق، الهيثمي. كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة. (تحقيق) الأعظمي، حبيب الرحمن، الجزء الأول، ص ٩٠.
(٦) مرجع سابق، البخاري، محمد، بن إسماعيل. الأدب المفرد. بيروت، دار الكتب العلمية، دون تاريخ، ص ١٩١ باب يسكت إذا غضب. وص ٣٨، وص ٩٥ باب العفو والصفح عن الناس.
(٧) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد الثامن، ص ٧٠، كتاب الأدب، باب ما يقول ويفعل إذا غضب.
(٨) المرجع السابق، المجلد الأول، ص ١٣١، كتاب العلم، باب في قوله علموا ويسروا.
[ ٤٣٧ ]
وقال الألباني: "وهذا سند ضعيف، ليث كان اختلط" (١).
وليث قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فتُرِك" (٢).
وقال أحمد: "مضطرب الحديث ولكن حدَّث عنه الناس" (٣)، وضعّفه الجوزجاني فقال: "يضعَّف حديثه ليس بثبتٍ" (٤) وكذا النسائي قال: "ضعيف" (٥)، وقال يحيى بن معين: "ليس حديثه بذاك، ضعيف" (٦).
فالحديث ضعيف لكن ذكر له الألباني شاهدًا بإسنادٍ حسنٍ وقال في آخر كلامه: "فالحديث صحيح إن شاء الله تعالى" (٧)، ومراده صحيح بمجموع الطرق والشواهد.
٥ - وثّق ابن الجوزي رأيه في أهمية التفكر في ظاهرة الموت (٨)، بقول النبي - ﷺ -: "إنما نفسُ المؤمنِ طائرٌ تعلُقُ في شجرِ الجنةِ حتى يردَّهُ اللهُ -﷿- إلى جسدهِ يوم يبعثه. . . .".
_________________
(١) مرجع سابق، الألباني، محمد، ناصر الدين. سلسلة الأحاديث الصحيحة. الريإض، مكتبة المعارف، الطبعة الرابعة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م، المجلد الثالث، ص ٣٦٣، حديث رقم ١٣٧٥.
(٢) مرجع سابق، العسقلاني. تقريب التهذيب. المجلد الثاني، ص ١٣٨.
(٣) ابن حنبل، أحمد. العلل ومعرفة الرجال. (تعليقات وحواشي) د. قوج بكيت، طلعت، وجراح أوغلي، د. إسماعيل، استانبول، المكتبة الإِسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، ١٩٨٧ م، الجزء الأول، ص ٤٠٠.
(٤) مرجع سابق، الجوزجاني. أحوال الرجال. الجزء الثاني، ص ٩١.
(٥) النسائي، أبو عبد الرحمن، أحمد، بن شعيب. الضعفاء والمتروكون. (تحقيق) الضنّاوي، بوران والحوت، كمال، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، ص ٢٠٩.
(٦) الرازي، عبد الرحمن، المنذر، التميمي. كتاب الجرح والتعديل. حيدر آباد الدكن - الهند، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الطبعة الأولى، ١٣٧٢ هـ - ١٩٥٢ م، المجلد السابع، ص ١٧٨.
(٧) مرجع سابق، الألباني. سلسلة الأحاديث الصحيحة. المجلد الثالث، ص ٣٦٤، حديث رقم ١٣٧٥.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٧٢.
[ ٤٣٨ ]
هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند بلفظ "إنما نسمة المسلم طير. . . ."، من حديث كعب بن مالك (١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح" (٢). وقال الألباني فيه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين" (٣).
٦ - وفي التربية الروحية، وثّق ابن الجوزي رأيه في سنن الفطرة (٤) بقوله: "قال مجاهد: أبطأ الملكُ عن رسولِ الله - ﷺ - ثم أتاهُ فقال: لعلِّي أبطأتُ؟ قال: قد فعلتَ. قال: وماليَ لا أفعلُ وأنتم لا تتسوكونَ ولا تقصونَ أظفاركم ولا تنقُّون براجمَكم" (٥).
أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - (٦) بلفظ: "أنه قيل له يا رسول الله لقد أبطأ عنك خبر جبريلُ -﵇- فقال: ولم لا يبطئ عني وأنتم حولي لا تستنّون ولا تقلّمون أظفارَكم ولا تقصون شواربكم ولا تنقّون رواجبَكم" (٧).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه أحمد والطبراني وفيه أبو كعب مولى ابن عباس، قال أبو حاتم: "لا يعرف إلا في هذا الحديث. رواه
_________________
(١) مرجع سابق، ابن حنبل. المسند. الجزء الثالث، ص ٤٥٥.
(٢) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد الثاني، ص ٣٢٩، كتاب الجنائز باب في الأرواح.
(٣) مرجع سابق، الألباني. سلسلة الأحاديث الصحيحة. المجلد الثاني، ص ٧٣٠، حديث رقم ٩٩٥، وقد أورده بلفظ: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يبعثه الله إلى جسده يوم القيامة".
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢١٨.
(٥) البراجم: جمع بُرجُمة، وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها. أخذ معنى البراجم من هامش مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٢٢٣، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة.
(٦) مرجع سابق، ابن حنبل. المسند. الجزء الأول، ص ٢٤٣.
(٧) مرجع سابق، معنى رواجبكم: "الرواجب: مفاصل أصول الأصابع التي تلي الأنامل، وقيل: هي بواطن مفاصل أصول الأصابع،. . . وفي الحديث: "ألا تنقون رواجبكم؟ هي ما بين عقد الأصابع من داخل، وأحدها راجبة". ابن منظور. لسان العرب. المجلد الأول، ص ٤١٣.
[ ٤٣٩ ]
الطبراني ورجاله ثقات" (١).
وقال في هذا الحديث الشيخ أحمد شاكر: "إسناده حسن. أبو كعب مولى ابن عباس: لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو تابعي حاله على الستر، حتى يتبيّن، فلذلك حسَّنَّا الحديث" (٢).
التعليق على الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي في آرائه التربوية:
من خلال عرضنا للأحاديث الستة السابقة التي استشهد بها ابن الجوزي من مسند الإمام أحمد بن حنبل، وبعد تخريج الأحاديث والحكم بصحتها، كانت كالآتي: حديثان صحيحان، وحديثان حسنان، وحديثان ضعيفان.
د - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بأحاديث قد تكون صحيحة أو حسنة أو ضعيفة أو موضوعة وهي أحاديث خارج نطاق الكتب السبعة السابقة غالبًا:
سأعرض الأحاديث النبوية التي وثّق بها ابن الجوزي آراءه التربوية -وذلك في حدود كتبه التي درستها بل في حدود ما استخرجته من هذه الكتب- ومن المعلوم أن كتبه كثيرة جدًا، بل هناك أحاديث لم أهتدِ إلى أي مرجع لها، ولم تُذكر في أحد الكتب السبعة السابقة وهي ما بين صحيح أو حسنٍ أو ضعيفٍ أو موضوع.
١ - ذكر ابن الجوزي سبعة أمور لعلاج الهوى، منها أن يتفكر فيما يطلبه من اللذات فسيخبره العقل أنه ليس بشيءٍ وإنما عين الهوى عمياء (٣)، ثم استشهد بقوله: "وفي الحديث عن ابن مسعود - ﵁ - "إذا أعجبت أحدَكم امرأةٌ فليذكر مناتنها". وذكر الحديث نفسه في
_________________
(١) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد الخامس، ص ١٦٧، كتاب اللباس باب في تقليم الأظفار وغير ذلك.
(٢) مرجع سابق، ابن حنبل. المسند. الجزء الرابع، ص ٣٢، حديث رقم ٢١٨١.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. ص ١٥.
[ ٤٤٠ ]
موضع آخر بقوله: "إذا أعجبت أحدَكم امرأةٌ فليذكر مثالبَها". وهذا الحديث بحثت عنه، فلم أقف عليه في كتب الحديث رغم المراجعة والتتبع للأمهات والمجاميع الموسوعية من كتب الحديث وغيرها (١).
٢ - ذكر ابن الجوزي رأيه التربوي في علاج انفعال الحزن (٢) وقال: "وجاء في الحديث: بقيةُ عمرِ المؤمنِ لا قيمَة له إن لم يستدركْ فيه ما فاتَ". هذا الحديث بحثت عنه، فلم أقف عليه في كتب الحديث.
٣ - وثّق ابن الجوزي بحديثٍ شريف العلاج التربوي من أجل إعلاء الدافع الجنسي للبالغ وذلك عن طريق الزواج الشرعي، فقال: "فقد جاء في الحديث من بلغَ له ولدٌ أمكنه أن يزوجَه فلم يفعل فأحدثَ الولدُ إثمًا كان الإثمُ بينهما" (٣). هذا الحديث عزاه المتقي الهندي في: منتخب كنز العمال إلى مسند الديلمي من حديث ابن عباس بلفظ (٤)، وذكره الديلمي في كتاب الفردوس بمأثور الخطاب من حديث أبي أمامة (٥).
أورده الألباني بلفظ: "من ولدَ له مولودٌ فليحسنْ أدبَه واسمه، فإذا بلغَ فليزوجه، فإن بلغ ولم يزوجه فأصابَ إثمًا باءَ بإثمه". وقال فيه:
_________________
(١) أسماء الكتب:
(٢) كتاب الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير. للسيوطي.
(٣) كتاب تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث. لابن الربيع الشيباني.
(٤) كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة من الأخبار الشنيعة الموضوعة. للكناني.
(٥) كتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. للشوكاني.
(٦) كتاب سلسلة الأحاديث الضعيفة. للألباني.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١١٨.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". المطبوع ضمن رسائل باسم كتاب التحفة البهية والطرفة الشهية. ص ٥٩.
(٩) مرجع سابق، الهندي، المتقي. منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال على حواشي مسند الإمام أحمد. الجزء السادس، ص ٤٣٥.
(١٠) الديلمي، أبو شجاع، شيرويه، بن شهرزاد، بن شيرويه، الهمداني. الفردوس بمأثور الخطاب. (تحقيق) زغلول، السعيد، بسيوني، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، الجزء الثالث، ص ٤٨٦، حديث رقم ٥٥٠٧.
[ ٤٤١ ]
ضعيف. رواه ابن بكير الصيرفي في فضائل من اسمه أحمد ومحمد، من حديث ابن عباس وأبي سعيدٍ الخدري مرفوعًا وضعفه لأن في سنده شدادًا بن سعيد الراسبي" (١). وقد ذكره العقيلي فقال عنه: "قال البخاري: ضعفه عبد الصمد ولكنه صدوق في حفظه بعض الشيء، قال العقيلي: وله غير حديث لا يتابع على شيء منها" (٢).
وقال الإمام أحمد: "أبو طلحة شداد شيخ ثقة، وعن يحيى بن معين قال: شداد بن سعيد الراسبي ثقة" (٣). وقال الذهبي: "وثقه أحمد وغيره وضعفه من لا يعلم" (٤). وقال ابن حجر: "صدوق يخطئ" (٥). فالحديث يعتبر ضعيفًا.
٤ - وثق ابن الجوزي رأيه في المحافظة على البالغ، إذا لم يتيسر له الزواج، أن يغض بصره (٦)، فقال: قيل: "النظرُ إلى المرأةِ سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليس من تركه ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ أعطاهُ اللهُ إيمانًا في قلبه يجدُ حلاوتَه".
أخرج هذا الحديث "الحاكم في المستدرك، من حديث حذيفة. وقال فيه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" (٧). وتعقبه الذهبي
_________________
(١) مرجع سابق، الألباني. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة. المجلد الثاني، ص ١٦٣ - ١٦٤، حديث رقم ٧٣٧.
(٢) العقيلي، أبو جعفر، محمد، بن عمرو، بن موسى، بن حماد. الضعفاء الكبير. (تحقيق) قلعجي، د. عبد المعطي، أمين، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، الجزء الثاني، ص ١٨٥.
(٣) مرجع سابق، الرازي، عبد الرحمن، بن محمد، بن إدريس، بن المنذر، التميمي. كتاب الجرح والتعديل. المجلد الرابع، ص ٣٣٠.
(٤) مرجع سابق، الذهبي. الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة. الجزء الثاني، ص ٦.
(٥) مرجع سابق، العسقلاني. تقريب التهذيب. المجلد الأول، ص ٣٤٧.
(٦) ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٦٠.
(٧) مرجع سابق، النيسابوري. المستدرك على الصحيحين. الجزء الرابع، ص ٣١٤، كتاب الرقاق. وقد ورد بلفظ: "النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه إيمانًا يجد حلاوته في قلبه".
[ ٤٤٢ ]
بقوله: إسحاق واهٍ وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه" (١). وجاء في التقريب: "هو عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي. ضعيف" (٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد من حديث ابن مسعود وقال: "رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف. وقد ورد بلفظ: "النظرةُ سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إِبليسَ من تركها مخافتي أبدلتُه إيمانًا يجدُ حلاوتُه في قلبه" (٣).
٥ - وثق ابن الجوزي رأيه في تربية الإرادة قبل الوقوع في المعصية بقول الرسول - ﷺ -: "إن اللهَ يبغضُ الشيخَ الزانيَ" (٤).
هذا جزء من حديث طويل أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وأوله: "ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله. . . ."، وقال فيه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" (٥). ووافقه الإمام الذهبي، فقال فيه: "صحيح على شرطهما" (٦).
٦ - وثّق ابن الجوزي رأيه في الثواب والعقاب بقوله: قال ابن عباس: "عرامةُ الصبي في صغرهِ زيادةٌ في عقلِهِ في كبرهِ" (٧) وقد ذكره المتقي الهندي في منتخب كنز العمال وقال فيه: "الحكيم عن عمرو بن
_________________
(١) مرجع سابق، الذهبي، الحافظ. التلخيص بذيل المستدرك على الصحيحين. الجزء الرابع، ص ٣١٤، كتاب الرقاق، باب النظر سهم من سهام إبليس مسمومة.
(٢) مرجع سابق، العسقلاني. تقريب التهذيب. المجلد الأول، ص ٤٧٢.
(٣) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد الثامن، ص ٦٣، كتاب الأدب، باب غض البصر.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٨١.
(٥) مرجع سابق، النيسابوري. المستدرك على الصحيحين. الجزء الأول، ص ٤١٧، كتاب الزكاة، باب الثلاثة الذين يحبهم الله تعالى والثلاثة الذين يبغضهم. ولفظه عند الحاكم: "الثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم".
(٦) مرجع سابق، الذهبي. التلخيص بذيل المستدرك على الصحيحين. الجزء الأول، ص ٤١٧، كتاب الزكاة، باب الثلاثة الذين يحبهم الله تعالى والثلاثة الذين يبغضهم.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤.
[ ٤٤٣ ]
معديكرب أبو موسى المديني في أماليه عن أنس" (١) وقال فيه السيوطي: "حديث صحيح" (٢). وقد ضعفه الشيخ الألباني (٣).
٧ - بيَّن ابن الجوزي أن وجود الله تعالى يتجلى من خلال مخلوقاته (٤)، ووثّق رأيه بقول الرسول - ﷺ -: "تفكرُوا في خلقِ الله ولا تتفكروا في اللهِ، فإنكم لن تقدُروا قدرِه".
أخرجه "أبو الشيخ في كتاب العظمة، باب الأمر بالتفكر في آيات الله -﷿- وقدرته وملكه وسلطانه وعظمته ووحدانيته، من حديث ابن عباس -﵄-، وفي سنده انقطاع وجهالة فهو ضعيف" (٥). وأخرجه "أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب وهو مرسل ضعيف" (٦).
وقد قال فيه الشيخ الألباني بعد عرض تخريجه وتضعيفه من جميع الجوانب: "وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي" (٧). ولم يظهر لي وجه التحسين لأن جميع الطرق ضعفها شديد.
٨ - أكد ابن الجوزي أهمية النية (٨)، لأثرها في زيادة الإيمان،
_________________
(١) مرجع سابق، الهندي، علي، المتّقي. منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال في هامش مسند الإمام أحمد بن حنبل. الجزء الأول، ص ٢٣٩.
(٢) مرجع سابق، السيوطي. الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير. المجلد الثاني، ص ١٥١.
(٣) مرجع سابق، الألباني. ضعيف الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير). المجلد الرابع، ص ٢٨، حديث رقم ٣٦٩٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٥٩.
(٥) الأصبهاني، أبو محمد، عبد الله، بن محمد، بن جعفر، بن حيان، أبو الشيخ. العظمة. (تحقيق) المباركفوري، رضاء الله، محمد، إدريس، الرياض، دار العاصمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، الجزء الأول، ص ٢١٦.
(٦) مرجع سابق، الأصبهاني، أبو القاسم، إسماعيل، محمد، بن الفضل، الجوزي. الترغيب والترهيب للأصبهاني. (خرج الأحاديث) زغلول، محمد، السعيد، بسيوني، و(راجعه) زايد، محمود، إبراهيم، بيروت - لبنان، مؤسسة الخدمات الطباعية حسيب درغام وأولاده، الجزء الأول، ص ٢٨٩.
(٧) مرجع سابق، الألباني. سلسلة الأحاديث الصحيحة. المجلد الرابع، ص ٣٩٦ - ٣٩٧، حديث رقم ١٧٨٨.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٠.
[ ٤٤٤ ]
مستشهدًا بقول الرسول - ﷺ -: "نيةُ المؤمنِ خير من عملهِ".
أخرجه ابن الربيع الشيباني الشافعي الأثري بقوله: "رواه العسكري في الأمثال، والبيهقي في الشعب عن أنس به مرفوعًا، وقال ابن دحية لا يصح، وقال البيهقي إسناده ضعيف" (١) كذلك ضعفه الشيخ الألباني (٢).
وسيتم التعليق على هذه الأحاديث عند مناقشة الآراء التربوية الموثقة بأحاديث غير صحيحة.
أحاديث العقل:
وثّق ابن الجوزي آراءه في التربية العقلية بعددٍ من الأحاديث التي لم ترد في أي من الكتب الستة، لذلك صنَّفتُها مستقلة عن غيرها، لأن ابن الجوزي له رأي فيها، سأوضحه عند مناقشة الآراء التربوية الموثقة بأحاديث غير صحيحة، اجتنابًا للتكرار. وهذه هي الأحاديث وتخريجها!
٩ - "عن ابن عباس قال: لما خلقَ اللهُ العقلَ. قال له أدبرْ فأدبرَ ثم قال له أقبل فأقبلَ. قال وعزتي ما خلقتُ خلقا قطُ أحسنَ منك؛ فبك أعطي وبك آخذُ وبك أعاقبُ" (٣). ذكره ابن الجوزي نفسه في الموضوعات (٤)، وذكره الشيباني الشافعي الأثري، وقال فيه: "قال ابن تيمية واتبعه غيره أنه موضوع كذب باتفاقٍ" (٥).
وقال الهيثمي فيه: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه الفضل بن
_________________
(١) مرجع سابق، الأثري. كتاب تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث. ص ١٨٥.
(٢) مرجع سابق، الألباني. الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير). المجلد السادس، ص ١٧، حديث رقم ٥٩٨٨.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. الأذكياء. ص ٣.
(٤) ابن الجوزي. الموضوعات. (تحقيق) عثمان، عبد الرحمن، محمد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، الجزء الأول، ص ١٧٤.
(٥) مرجع سابق، الأثري. كتاب تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث. ص ٤٣.
[ ٤٤٥ ]
عيسى الرقاشي، وهو مجمع على ضعفه" (١).
١٠ - "عن ابن عباس أنه دخل على عائشة -﵂-، فقال: يا أمَ المؤمنين أرأيتِ الرجلَ يقلُ قيامُه ويكثرُ رقادُه، وآخرُ يكثرُ قيامُه ويقلُ رقادُه. أيهما أحبُ إليك؟ قالت: سألتُ رسولَ الله - ﷺ - عما سألتني. فقال: أحسنهما عقلًا. فقلت: يا رسولَ الله. إنما أسألُك عن عبادتهِما، فقال: يا عائشةُ إنهما لا يُسألان عن عبادتهِما، إنما يُسألان عن عقولهما. فمن كان أعقلَ كان أفضلَ في الدنيا والآخرة" (٢). ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات، "وقال فيه: هذا حديث لا يصح" (٣). وذكره الشوكاني مختصرًا وقال فيه: "رواه الحارث في مسنده، وهو موضوع" (٤).
١١ - قال رسول الله - ﷺ -: "إن لكل سبيل مطيةً وثيقة ومحجةً واضحةً، وأوثقُ الناسُ مطيةً وأحسنهم دلالةً، ومعرفة بالمحجةِ الواضحة أفضلُهم عقلًا" (٥).
أخرج هذا الحديث "داود بن المحبر في كتاب العقل، وقال فيه الكناني: ومن طريقه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وكلها موضوعة كما قاله الحافظ ابن حجر في المطالب العالية" (٦).
١٢ - "عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الرجلَ ليكونُ من أهل الصيامِ وأهلِ الصلاةِ وأهلِ الحجِ وأهلِ الجهادِ، فما يُجزى يومَ
_________________
(١) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد الثامن، ص ٢٨، كتاب الأدب باب ما جاء في العقل والعقلاء.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. ص ٦.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب الموضوعات. الجزء الأول، ص ١٧٦.
(٤) الشوكاني، محمد، علي. الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. (تحقيق) اليماني، عبد الرحمن، يحيى، المعلمي، بيروت، دمشق، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ، ص ٤٧٧، برقم ١٣٤٤.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. ص ٧.
(٦) الكناني، أبو الحسن، علي، بن محمد، بن عراق. تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة. (تحقيق) عبد اللطيف، عبد الوهاب، وعبد الله، محمد، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، المجلد الأول، ص ٢١٣.
[ ٤٤٦ ]
القيامةِ إلا بقدرِ عقلهِ" (١).
هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات بنحوه، وقال فيه: "هذا حديث ليس بصحيح. قال ابن حبان: منصور يروي المقلوبات لا يجوز الاحتجاج به" (٢).
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه منصور بن صقيرٍ، قال ابن معين: ليس بالقوي، وسقط من الإسناد إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك" (٣).
١٣ - وقوله - ﷺ -: "لقد سبق إلى جناتِ عدنٍ أقوامٌ، ما كانوا بأكثرَ الناسِ صلاةً ولا صيامًا ولا حجًّا ولا اعتمارًا، ولكنهم عقلوا عن اللهِ -﷿- مواعظَه، فوجلت منهم قلوبهم، واطمأنت إليه النفوسُ، وخشعت منهم الجوارحُ، ففاقوا الخليقةَ بطيبِ المنزلةِ وحسنِ الدرجةِ عند الناسِ في الدنيا، وعند اللهِ في الآخرةِ" (٤).
وهذا الحديث عزاه المتَّقي الهندي إلى "ابن السني وابن شاهين والديلمي عن علي، كما في منتخب كنز العمال" (٥).
وذكره الديلمي في كتاب الفردوس بمأثور الخطاب (٦)، وذكره صاحب كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة وقال فيه: "أخرجه سليمان بن عيسى السجزي في كتابه في العقل، وهو من وضعه" (٧).
١٤ - "عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أولُ شيءٍ
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. ص ٧.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب الموضوعات. الجزء الأول، ص ١٧٢.
(٣) مرجع سابق، الهيثمي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. المجلد الثامن، ص ٢٨، كتاب الأدب، باب ما جاء في العقل والعقلاء.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. مرجع سابق ص ٧.
(٥) مرجع سابق، الهندي، المتقي. منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال المطبوع على حواشي مسند الإمام أحمد بن حنبل. الجزء الأول، ص ١٧٣.
(٦) مرجع سابق، الديلمي. الفردوس بمأثور الخطاب. الجزء الرابع، ص ٣٦٠، حديث رقم ٧٠٣٥.
(٧) مرجع سابق، الكناني. تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة. المجلد الأول، ص ٢٢٤.
[ ٤٤٧ ]
خلقَه اللهُ القلمُ، ثم خلقَ النونَ، وهي الدواةُ، ثم قال: اكتب. قال: وما أكتبُ. قال: اكتب ما يكونُ وما هو كائن إلى يوم القيامة. ثم خلقَ العقلَ. فقال: وعزتي لأكملنَّك فيمن أحببتُ ولأنقصنَّك ممن أبغضتُ" (١).
وذكره الشوكاني وقال فيه: "قال ابن عدي: باطل منكر، آفته محمد بن وهب الدمشقي. وقال الذهبي في كتابه ميزان الميزان: صدق ابن عدي في أن هذا الحديث باطل. وقد أخرجه الدارقطني في الغرائب من طريقه" (٢).
التعليق على الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي في آرائه التربوية:
يتضح لنا من تخريج الأحاديث الواردة في الفقرة (د)، وعددها أربعة عشر حديثًا، بعد معرفة درجة صحتها أو ضعفها، أنها كالآتي: حديث واحد صحيح وخمسة أحاديث ضعيفة بالإضافة إلى ستة أحاديث موضوعة، وحديث وأثر بحثت عنهما فلم أقف على تخريجهما.
هـ - التقويم العام لجميع الأحاديث النبوية التي استشهد بها ابن الجوزي في حدود دراستنا وفي حدود الكتب التي رجعتُ إليها:
حتى يكون التقويم مستندًا إلى حقائق علمية صحيحة، سأعطي تعريفًا مفيدًا موجزًا عن أقسام الحديث وحكم العمل بكل منها، في ضوء هذه التعاريف سيتم التقويم.
أقسام الحديث:
القسم الأول: الحديث الصحيح: هو: "الحديث المسند الذي يتصل
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. الأذكياء. ص ٣.
(٢) مرجع سابق، الشوكاني. الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. ص ٤٧٨ - ٤٧٩.
[ ٤٤٨ ]
إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذًّا ولا معلّلًا" (١).
وعرّفه الحافظ ابن كثير بقوله: هو "الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معلّلًا" (٢).
أما تعريفه عند الإمام السيوطى فهو: "ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة" (٣). وشروط هذا القسم تنطبق على صحيحي البخاري ومسلم.
القسم الثاني: الحديث الحسن: وتعريفه: "هو ما اتصل سنده بنقل عدل خفيف الضبط، وسلم من الشذوذ والعلة" (٤). هو مستفاد من كلام ابن حجر الذي قال فيه: "فإن خف الضبط، فالحسن لذاته، وبكثرة طرقه يُصحَّحُ" (٥). وقال فيه ابن كثير: "هو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور" (٦).
وقد وضح د. صبحي الصالح الفرق بين الحديث الصحيح والحسن بقوله: "العدل في الحسن خفيف الضبط، بينما هو في الصحيح تام الضبط. وكلا التقسيمين سالم من الشذوذ والعلة. وكِلاهما يُحتج به
_________________
(١) ابن الصلاح، أبو عمرو، عثمان، بن عبد الرحمن، الشهرزوري. مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث. بيروت، دار الكتب العلمية، طبعة عام ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م، ص ٧ - ٨.
(٢) شاكر، أحمد، محمد. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير. بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م، ص ٢١.
(٣) مرجع سابق، السيوطي. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. الجزء الأول، ص ٦٣.
(٤) الصالح، د. صبحي. علوم الحديث ومصطلحه عرض ودراسة. بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الحادية عشر، ١٩٧٩ م، ص ١٥٦.
(٥) العسقلاني، أحمد، بن علي، بن حجر. نزهة النظر شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. جدة: مكتبة جدة، طبعة عام ١٤٠٦ هـ، ص ٣٣.
(٦) مرجع سابق، شاكر. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير. ص ٣٧.
[ ٤٤٩ ]
ويُستشهد بمضمونه" (١). وشروط هذا الحديث تنطبق على كتب السنن الأربعة ومسند الإمام أحمد بن حنبل في الغالب لأن فيها الصحيح والحسن وبعض الضعيف.
القسم الثالث: الحديث الضعيف: وتعريفه: هو "ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن" (٢). أو بمعنى آخر "ما فقد شرطًا من شروط الحديث المقبول" (٣)، وشروط الحديث المقبول ستة هي: "العدالة، الضبط (ولو لم يكن تامًّا)، الاتصال، فقد الشذوذ، فقد العلة القادحة، العاضد عند الاحتياج إليه" (٤).
ويتفرع من الحديث الضعيف أنواع متعددة، سنكتفي بذكر ما توصلنا إليه أثناء تخريج الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي، وهي أربعة أنواع: المرسل والمنقطع والمتروك والمنكر، وتعريفها كالآتي:
الحديث المرسل هو: "ما سقط من آخر إسناده من بعد التابعي" (٥) و"المرسل في الأصل ضعيف مردود لفقده شرطًا من شروط القبول وهو اتصال السند، وللجهل بحال الراوي المحذوف لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي" (٦).
الحديث المنقطع: هو: "الحديث الذي سقط من إسناده رجل، أو ذكر فيه رجل مبهم" (٧). والحديث المنقطع ضعيف "للجهل بحال الراوي المحذوف" (٨).
_________________
(١) مرجع سابق، الصالح. علوم الحديث ومصطلحه عرض ودراسة. ص ١٥٦.
(٢) مرجع سابق، السيوطي. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. الجزء الأول، ص ١٧٩.
(٣) مرجع سابق، عتر، د. نور الدين. منهج النقد في علوم الحديث. ص ٢٨٦.
(٤) المرجع السابق، ص ٢٨٦.
(٥) مرجع سابق، العسقلاني. نزهة النظر شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. ص ٤١.
(٦) الطحان، د. محمود. تيسير مصطلح الحديث. الرياض، مكتبة المعارف، الطبعة الثامنة، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، ص ٧٢.
(٧) مرجع سابق، الصالح. علوم الحديث ومصطلحه عرض ودراسة. ص ١٦٨.
(٨) مرجع سابق، الطحان. تيسير مصطلح الحديث. ص ٧٨.
[ ٤٥٠ ]
الحديث المتروك: "هو الحديث الذي رواه واحد متهم بالكذب في الحديث، أو ظاهر الفسق بفعلٍ أو قولٍ، أو كثير الغفلة، أو كثير الوهم" (١).
والحديث المنكر: هو "الحديث الذي يرويه الضعيف مخالفًا لرواية الثقة. وهو يباين الشاذ، إذ إن راوي الشاذ ثقة، بينما راوي المنكر ضعيف غير ثقةٍ" (٢). والمقصود بالشاذ هو "ما رواه الثقة مخالفًا الثقات .. وقد عرفه الإمام الشافعي بقوله: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي حديثًا يخالف ما روى الناس" (٣).
حكم رواية الحديث الضعيف والعمل به:
حكم الحديث الضعيف روايةً وعملًا، كان مثار اختلافٍ كبير بين العلماء، "وقد أجاز بعضهم رواية الضعيف من غير بيان ضعفه بشروط:
أولًا: أن يكون الحديث في القصص، أو في المواعظ، أو في فضائل الأعمال، ونحو ذلك مما لا يتعلق بصفات الله تعالى وما يجوز له ويستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن، ولا بالأحكام كالحلال والحرام وغيرهما.
ثانيًا: أن يكون الضعف فيه غير شديد، فيخرَّج. من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، والذين فحش غلطهم في الرواية.
ثالثًا: أن يندرج تحت أصلٍ معمولٍ به.
رابعأ: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط (٤).
وقد علق المؤلف الشيخ أحمد شاكر على هذه الشروط بقوله: "والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال،
_________________
(١) مرجع سابق، الصالح. علوم الحديث ومصطلحه عرض ودراسة. ص ٢٠٦.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٠٣.
(٣) مرجع سابق، ابن الصلاح. مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث. ص ٣٦.
(٤) مرجع سابق، شاكر، أحمد، محمد. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير. ص ٩١.
[ ٤٥١ ]
لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصًا إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله - ﷺ -، من حديث صحيح أو حسن. وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك: "إذا روينا في الحلال والحرام شدَّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا "فإنما يريدون به -فيما أرجح، والله أعلم- أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة، فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقرًا واضحًا، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو الضعف فقط" (١).
وبناء على ما تقدم من حكم رواية الحديث الضعيف والعمل به، فيكون حكمي على الرأي التربوي لابن الجوزي صحيحًا إذا كان هناك ما يدعمه من حديث صحيح استشهد به مع بقية الأحاديث الضعيفة التي وثق بها رأيه، ويكون ضعيفًا إذا وثق بحديث ضعيف وكان الرأي مخالفًا للمنهج التربوي الإسلامي. أما إذا كان الحديث ضعيفًا والرأي التربوي صحيحا فيكون هذا الرأي صحيحًا.
وأُفصِّل القول عند عرض الآراء التربوية التي استشهد بها بأحاديث ضعيفة ثم أعلق عليها.
القسم الرابع: وهو الحديث الموضوع: الذي يختلقه الكذابون وينسبونه إلى الرسول - ﷺ -.
وتعريفه: "هو المختلق المصنوع، وهو شرّ الضعيف وتحرم روايته مع العلم به في أي معنى كان إلا مُبَيَّنًا" (٢).
وهناك أقسام أخرى لا داعي لذكرها حتى لا يطول البحث في بيان أقسامه التي لم ترد أثناء تخريج الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٩٢.
(٢) مرجع سابق، السيوطي. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. الجزء الأول، ص ٢٧٤.
[ ٤٥٢ ]
بعد هذه النبذة التعريفية بأقسام الحديث، وعرض الأحاديث النبوية التي استشهد بها ابن الجوزي في آرائه التربوية، ثم تخريجها ومعرفة درجة صحتها أو ضعفها، وجدت أن مجموع هذه الأحاديث ستون حديثًا (٦٠). وقبل إعطاء النتيجة النهائية لهذه الأحاديث، أقوم الآن بمناقشة الآراء التربوية التي ثبت من خلال تخريج الأحاديث التي استشهدت بها أحاديث ضعيفة أو موضوعة أو لم أجدها في كتب التخريج، حتى أحدد إمكانية اعتبارها من الآراء التربوية الموافقة للفكر التربوي الإسلامي أم لا يمكن بسبب ضعف الحديث ومخالفة الرأي التربوي للشريعة الإسلامية وقواعدها الأصولية والفقهية، أما الآراء التربوية الموثقة بأحاديث صحيحة فلا تحتاج إلى مناقشة لأنها صحيحة وموافقة للفكر التربوي الإسلامي.
و- مناقشة الآراء التربوية الموثقة بأحاديث غير صحيحة:
١ - وثق ابن الجوزي علاج دافع الحسد بأحاديث نبوية منها قوله - ﷺ -: "دب إليكم داءُ الأمم قبلكم الحسدُ والبغضاءُ، والبغضاءُ هي الحالقةُ، حالقةُ الدين لا حالقةُ الشعرِ، والذي نفسُ محمدٍ بيدهِ لا تؤمنوا حتى تحابُوا، أفلا أَنبئكم بشيءٍ إذا فعلتموه تحابيتُم: أفشُوا السلامَ بينكم" (١).
وقد ثبت أن هذا الحديث ضعيف. فهل يعني هذا أن علاج ابن الجوزي للحسد حسب استشهاده بهذا الحديث مرفوض وغير صحيح؟
إن استشهاد ابن الجوزي بهذا الحديث الضعيف، لا يقلل من صحة رأيه التربوي في علاج الحسد لأنه وثق كلامه بحديث صحيح رواه الشيخان وهو قول الرسول - ﷺ -: "لا حسدَ (المقصود به هنا الغبطة) إلا في اثنتين: رجل آتاهُ اللهُ -﷿- القرآنَ فهو يقومُ به آناءَ الليلِ والنهارِ، ورجل آتاهُ اللهُ مالًا فهو ينفقُه في الحقِ آناءَ الليلِ والنهارِ". وعلى ذلك فإننا نستبعد الحديث الضعيف ونستشهد بالحديث الصحيح، والرأي التربوي يعدّ صحيحًا ولا غبار عليه.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٧.
[ ٤٥٣ ]
٢ - بيَّن ابن الجوزي رأيه التربوي في علاج دافع حب المال، ببيان كيفية الإنفاق الصحيح، فقال: "ينبغي أن تكون النفقة أقل من الكسب، ليقتني من الفضل ما يكون معدًّا لحادثة لا تؤمن، وهذا ما يأمر به العقل الناظر في العواقب، ولا يبالي به الهوى الناظر إلى الحالة الحاضرة. وعن أبي الدرداء مرفوعًا: من فقهِ الرجلِ بعدُ النظرِ في معيشتهِ" (١).
على الرغم من أن الحديث الذي استشهد به ابن الجوزي ضعيف، إلا أن رأيه التربوي في كيفية الكسب والإنفاق لا يتعارض مع المفهوم الإسلامي، وقد سبق أن فصلناه في الباب الثالث، الفصل الأول ص ١٣٧ وما بعدها من هذا الكتاب، وعلى ذلك فإننا نعد رأيه صحيحًا.
٣ - أورد ابن الجوزي رأيه في كيفية معاملة الطفل العنيد وضرورة اللطف واللين معه، وقد وثقه بقول ابن عباس "عرامةُ الصبي في صغرهِ زيادة في عقلهِ في كبرهِ" وقد ثبت أن هذا الحديث ضعيف. رَغم أن رأيه التربوي صحيح ولا غبار عليه، لذلك فإننا نستبعد الحديث الضعيف ونقبل بالرأي التربوي.
٤ - وضع ابن الجوزي للبالغ خطوات عدة للإعلاء من الحاجة الجنسية، منها غض البصر، وقد وثقه بقوله قيل: "النظرُ إلى المرأةِ سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليسَ، من تركَه ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ أعطاهُ اللهُ إيمانًا في قلبهِ يجدُ حلاوتَه" (٢).
وثق ابن الجوزي هذا الرأي أيضًا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٣). وعلى ذلك فإننا سنعتبر الرأي التربوي صحيحًا رغم استشهاده بحديث ضعيف.
٥ - وثق ابن الجوزي رأيه التربوي في أن وجود الله تعالى يتأكد من خلال مخلوقاته، بقول الرسول - ﷺ -: "تفكروا في خلقِ اللهِ ولا
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٠٤.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٦٠.
(٣) سورة النور، الآية ٣٠.
[ ٤٥٤ ]
تتفكرُوا في اللهِ، فإنكم لن تقدروا قدره" (١).
على الرغم من أن الحديث ضعيف، إلا أن رأي ابن الجوزي لا يخالف الحقيقة القرآنية التي أكدت ما ذهب إليه، ويمكن الرجوع إلى تفصيل ذلك في الباب الرابع (ص ٣٣١ وما بعدها). وعلى هذا فإن رأيه يعد صحيحًا.
٦ - على الرغم من استشهاد ابن الجوزي في أهمية النية بقول الرسول - ﷺ -: "نية المؤمن خير من عمله" (٢) وهو حديث ضعيف، إلا أن رأيه التربوي في أثرها في حث الإنسان للاستزادة من الأعمال الصالحة، لا يخالف المنهج التربوي الإسلامي ولكن لابد من اقتران النية بالعمل، وعلى ذلك فإن رأيه يعد صحيحًا.
٧ - وثق ابن الجوزي التربوية العقلية ببعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، على الرغم من معرفته بذلك، وذكر هذه الأحاديث في كتابه الموضوعات، وقد يكون لابن الجوزي العذر في ذكر هذه الأحاديث، أنه أراد بيانها وإيضاحها للقارئ حتى يكون على بينةٍ من هذه الأحاديث، فيحذر من الاستشهاد بها، بالإضافة إلى أن ابن الجوزي نفى صحة الأحاديث المتعلقة بالعقل، وذكر أنها جميعها غير صحيحة بقوله: "المنقول عن رسول الله - ﷺ - في فضل العقل كثير، إلا أنه بعيد الثبوت" (٣). وقول ابن الجوزي فيه نوع من المبالغة، لأن هناك أحاديث صحيحة وردت عن الرسول - ﷺ - في العقل، أثبتت الباحثة بعضًا منها في الباب الرابع، الفصل الثاني (ص ٢٨٠ وما بعدها). وعلى ذلك فإننا سنكتفي بالأحاديث الصحيحة التي استشهدت بها الباحثة، ونستبعد الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي بسبب ضعفها أو وضعها. كما إن الأحاديث التي بحثت عنها، فلم أقف على تخريج لها، هي استشهاده في علاج الهوى، بقول ابن
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى. الجزء الأول، ص ٥٩.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٠.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى. (مراجعة) الغزالي، محمد، ص ٧.
[ ٤٥٥ ]
مسعود - ﵁ -: "إذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مناتنها (مثالبها) " (١). ورأيه التربوي لا يخالف المنطق والعقل السديد. لذلك فإن رأيه يعد صحيحًا.
وبعد فإنه يتضح لنا بعد تخريج الأحاديث ومعرفة درجة صحتها أو ضعفها، أنها موزعة على الوجه الآتي:
١ - الأحاديث الصحيحة من الصحيحين أو أحدهما عددها (٣٠) حديثًا صحيحًا.
٢ - الأحاديث المخرجة من كتب السنن الأربعة، عددها (١٠) أحاديث منها:
٧ أحاديث صحيحة.
حديثان حسنان.
١ حديث ضعيف.
٣ - الأحاديث المخرجة من مسند الإمام أحمد بن حنبل عددها (٦) أحاديث منها:
حديثان صحيحان.
حديثان حسنان.
حديثان ضعيفان.
٤ - الأحاديث المخرجة من غير الكتب السبعة السابقة عددها (١٤) حديثًا منها:
١ حديث صحيح.
٥ أحاديث ضعيفة.
٦ أحاديث موضوعة. "أحاديث العقل".
١ حديث لم أقف له على تخريج.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٥.
[ ٤٥٦ ]
١ أثر من كلام عبد الله بن مسعود لم أقف له على تخريج.
وبذلك يصبح مجموع الأحاديث التي استشهد بها ابن الجوزي في توثيق آرائه التربوية (٦٠) حديثًا. وتوزيعها حسب صحة الحديث أو ضعفه كالآتي:
٤٠ حديثًا صحيحًا.
٤ أحاديث حسنة.
٨ أحاديث ضعيفة.
٦ أحاديث موضوعة.
٢ حديث لم أقف على تخريجهما.
المجموع= ٦٠ حديث.
وهكذا نجد أن نسبة الأحاديث الضعيفة والموضوعة إلى الأحاديث الصحيحة نسبة ضئيلة، على الرغم من ذلك قد يتساءل المرء كيف يغفل الحافظ (١) ابن الجوزي وهو مؤلف كتاب الموضوعات وكتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، وكتاب الضعفاء والمتروكين أن يوثق كتاباته بأحاديث صحيحة، فيستشهد بأحاديث ضعيفة أو موضوعة وهو القائل: "إن الحديث المنكر يقشعر له جلد طالب العلم -منه- وقلبه في الغالب" (٢)، وغير ذلك من أقواله التي تحث على الحذر من هذه الأحاديث؟
والباحثة قد تجد لابن الجوزي بعض المسوغات التي أسقطته في هذا السهو وهي:
١ - كون ابن الجوزي عالمًا جليلًا، له دراية كافية في علم الحديث لا ينفي عنه صفة البشرية، التي من شأنها القصور والغفلة والنسيان.
_________________
(١) يطلق لقب الحافظ على مرتبة من مراتب رواة الحديث، وهي أعلى درجة وأرفع مقام.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب الموضوعات. الجزء الأول، ص ١٠٣.
[ ٤٥٧ ]
٢ - ابن الجوزي من العلماء الذين لا يراجعون ما كتبوه، بسبب كثرة مؤلفاته، وقال في ذلك الإمام الذهبي "وكان كثير الغلط فيما يصنفه فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره" (١)، فلو راجع ابن الجوزي ما كتبه، لاستدرك ما كتبه من أحاديث ضعيفة وموضوعة وتجنب الاستشهاد بها.
٣ - من الملاحظ أنه على الرغم من استشهاده بأحاديث ضعيفة أو موضوعة، إلا أن رأيه التربوي لا يخالف المنهج التربوي الإسلامي، وهذا يدل على ثقافته الإسلامية الصحيحة، واستشهاده بهذه الأحاديث قد حصل منه سهوًا، وبسبب عدم مراجعته لما كتب.
وعلى الرغم من ذلك، فإننا لا ننسى فضل علمائنا الأجلاء -ومنهم ابن الجوزي- في المحافظة على الدين الإسلامي من دس المغرضين، وعرضه بطريقة صحيحة تخدم الغاية من التشريع الإلهي العظيم، ونلتمس لهم العذر فيما غفلوا عنه، وعن تصويبه وبيان الحق فيه، دون التقليل من شأنهم، أو التشهير بهم.
٢ - الآراء التربوية الموثقة بأفعال الرسول - ﷺ -:
سأقوم بعرض أقوال ابن الجوزي التي أيدها بأفعاله - ﷺ - ثم مناقشتها في ضوء علم الحديث:
١ - قال ابن الجوزي: "فالعاقل من نظر في مقدار إقامته، وتلمّح بيت نقلته، فحينئذ يقنع من الثياب بما يواريه، ومن البنيان بما يؤويه، وفي الحديث أن نوحا -﵇- لبث في بيت شعر ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، وأن رسول الله - ﷺ - ما وضع لبنةٍ على لبنةٍ، وكان في ثوبٍ عمَر اثنتا عشر رقعة" (٢).
استشهاد ابن الجوزي بفعل الرسول - ﷺ -، وأنه ما وضع لبنةً على لبنةٍ، مخالف لما ورد من بنائه - ﷺ - مسجده في المدينة المنورة باللبِن، وكان
_________________
(١) مرجع سابق، الذهبي. تذكرة الحفاظ. الجزء الرابع، ص ١٣٤٧.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٠.
[ ٤٥٨ ]
الرسول - ﷺ - يبني مع أصحابه" وينقل اللبِنَ والحجارَة بنفسِه ويقول:
اللهم إن العيشَ عيشُ الآخرة فاغفرْ للأنصارِ والمهاجرة
. . . وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله - ﷺ -. وجعل عمده الجذوع، وسقفه الجريد، وقيل له: ألا تسقفه؟ قال: "عريش كعريش موسى" وبنى بيوت نسائه إلى جانبيه، بيوت الحجر باللَّبِن، وسقفها بالجذوع والجريد" (١).
٢ - قال ابن الجوزي في التربية الجسمية: "وقد كان النبي - ﷺ - يأكلُ ما وجد، فإن وجد اللحم أكله، ويأكلُ لحمَ الدجاج، وأحبُ الأشياءِ إليه الحلوى والعسلُ، وما نُقل عنه أنه امتنع من مباحٍ" (٢).
ومجمل رأي ابن الجوزي لا يخرج عن سنته - ﷺ -، فقد ورد في صحيح مسلم، أنه قال لثوبان مولى رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع: أصلح هذا اللحمَ، قال فأصلحتُه. فلم يزل يأكلُ منه حتى بلغ المدينة" (٣).
وعن أكله للحلوى والعسل قول عائشة -﵂-: "كان رسولُ الله - ﷺ - يحبُ الحلوى والعسل" (٤).
أما قوله: ما نقل عنه أنه امتنع عن مباح إلا إذا كرهته نفسه فقد ورد عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "ما عابَ النبي - ﷺ - طعامًا قط، إن اشتهاهُ أكله، وإن كرهه تركه" (٥).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن عبد الوهاب، محمد. مختصر سيرة الرسول - ﷺ -. (تحقيق) الفقي، محمد، حامد، ص ٩٩ - ١٠٠.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٧.
(٣) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٥٦٣، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، في أول الإِسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، حديث رقم ٣٦.
(٤) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء التاسع، ص ٥٥٧، كتاب الأطعمة، باب الحلوى والعسل، حديث رقم ٥٤٣١.
(٥) المرجع السابق، الجزء التاسع، ص ٥٤٧، كتاب الأطعمة، باب ما عاب النبي - ﷺ - طعامًا، حديث رقم ٥٤٠٩.
[ ٤٥٩ ]
٣ - وثق ابن الجوزي أهمية الاعتدال عند تقوية الجسم بالطعام المناسب بفعل الرسول - ﷺ - وأصحابه الكرام فقال: "إنما كان الرسول - ﷺ - وأصحابه إذا لم يجدوا جاعُوا، وربما آثرُوا فصبروا ضرورة" (١).
وقد اشتقَّ هذا الفعل من الأحاديث ومنها حديث أبي هريرة - ﵁ -. قال: خرجَ رسولُ الله - ﷺ - ذاتَ يوم أو ليلةٍ. فإذا هو بأبي بكرٍ وعمر. فقال: "ما أخرجكما من بيوتِكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوعُ. يا رسول الله! قال: وأنا والذي نفسي بيده! لأخرجني الذي أخرجكما. قوموا". فقاموا معه. فأتى رجلًا من الأنصار. فإذا هو ليس في بيتهِ. فلما رأته المرأةُ قالت: مرحبًا! وأهلًا! فقال لها رسولُ الله - ﷺ -: أين فلانُ؟ قالت: ذهب يستعذبُ لنا من الماءِ. إذ جاءَ الأنصاريُ فنظر إلى رسولِ الله - ﷺ - وصاحبيه. ثم قال: الحمدُ لله. ما أحدٌ اليوم أكرمُ أضيافًا مني. قال فانطلقَ فجاءهم بعذقٍ فيه بسرٌ وتمرٌ ورطبٌ. فقال: كلوا من هذه. وأخذ المدية. فقال له رسول الله - ﷺ -: إياك! والحلوبَ"، فذبح لهم. فأكلوا من الشاةِ. ومن ذلك العذقِ. وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمرَ: والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامةِ. أخرجكَم من بيوتكم الجوع. ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" (٢).
٤ - وفي الوسائل المعينة على الصبر ذكر الاستعانة بأحوال الرسول - ﷺ -، فوثق ابن الجوزي (٣) ذلك بقوله: "أما الحال: فإنه - ﷺ - كان يتقلَّب على رمالِ حصير تؤثر في جنبه، فبكى عمرُ - ﵁ -. وقال كسرى وقيصرُ في الحرَيرِ والديباج، فقال له - ﷺ -: أفي شكٍ أنت يا عمرُ؟ ألا ترضى أن تكون لنا الآخرةُ وَلهم الدنيا؟ " (٤).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٦٠.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٦٠٩ - ١٦١٠، كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، ويتحققه تحققًا تامًا، واستحباب الاجتماع على الطعام، حديث رقم ١٤٠ - (٢٠٣٨).
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٣.
(٤) مرجع سابق، ابن ماجه. سنن الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه. الجزء الثاني، ص ٤١٧، أبواب الزهد، ضجاع آل محمد - ﷺ -، حديث رقم ٢٤٠٥.
[ ٤٦٠ ]
٥ - وقد استند ابن الجوزي في قوله: "فطريق المصطفى - ﷺ - العلم والعمل" (١) وقوله: "ومن تأمل حال الرسول - ﷺ - رأى كاملًا من الخلق يعطي كل ذي حقٍ حقه" (٢). وقوله: "وقد كان النبي - ﷺ - يعرفُ مجيئُه بريح الطيبِ، فكان الغاية في النظافة والنزاهةِ" (٣)، على شمائله وسيرته العطرة وسنته بأفعالها وتقريراتها وصفاتها، ولتوضيح هذه السيرة نحتاج إلى عرضٍ مفصّلٍ.
٣ - الآراء التربوية المستقاة من أحاديث الرسول - ﷺ -:
استقى ابن الجوزي بعض آرائه التربوية من معاني وألفاظ أحاديث الرسول - ﷺ -، وسأورد في هذه الفقرة نماذج من هذه الآراء:
١ - قال ابن الجوزي في لباس الأطفال: "وليلبسه الثياب البيض، فإن طلب الملون قال له: تلك ملابس النساء والمخانيث" (٤).
وقد اشتق ابن الجوزي هذا المبدأ من الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود في سننه، "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها خيرُ ثيابِكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خيرَ أكحالِكم الإثمدُ: يجلو البصرَ، وبنبتُ الشعرَ" (٥).
وهذا الرأي لابن الجوزي يحتاج إلى وقفة تفيد إلى أي مدى يمكن تطبيق ذلك؟ فمن الملاحظ أن هناك اختلافا واضحا في الظروف المناخية من حرارةٍ وبرودةٍ من دولة لأخرى، وفي المظاهر التضاريسية من جبالٍ ومزارع ووديانٍ، وهذه الظروف لا يناسبها دائما لبس اللون الأبيض، الذي ينصح به ابن الجوزي، لذلك لا يمكن تطبيق رأيه رغم صحته إلا في الأحوال التي يناسبها اللون الأبيض وعلى أي حال هو على سبيل الندب وليس واجبًا.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٢٢.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٢٢.
(٣) المرجع السابق، ص ١٥٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤.
(٥) مرجع سابق، الأزدي. سنن أبي داود. المجلد الرابع، ص ٥١، كتاب اللباس، باب في البياض، حديث رقم ٤٠٦١.
[ ٤٦١ ]
٢ - وقال ابن الجوزي في خلق الملائكة والشياطين: "خلقت الملائكة من نورٍ لا ظلمة فيه، وخلقت الشياطين من ظلمةٍ لا نور فيها، وركب البشر من الضدَّين" (١).
وربما أخذ معنى هذا القول من قول الرسول - ﷺ -: "خُلقتِ الملائكةُ من نور. وخُلقَ الجانُ من مارج من نار. وخُلِقَ آدمُ مما وُصِفَ لكم" (٢).
٣ - وفي علاج حب الدنيا وما إليه في قلب الإنسان، استخدم ابن الجوزي أسلوب الترهيب من عقاب الله تعالى فقال: "إن الحساب على كسب الحلال عسير. والتبذير ممنوع، وأن الله تعالى لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء، وأن كل شيء يؤجر المؤمن عليه إلا البناءَ" (٣).
والتحذير من المباهاة والكبر استقاه من قول الرسول - ﷺ -: "لا ينظرُ اللهُ إلى من جر ثوبه خيلاء" (٤).
أما قوله: "كلُ شيء يؤجرُ المؤمن عليه إلا البناءَ"، فقد استقاه من قول الرسول - ﷺ - في الحديث الصحيح: "يؤجرُ الرجلُ في نفقته كلها إلا في التراب" (٥)، وقد علق على موضوع البناء الإمام ابن حجر في شرح صحيح البخاري بقوله: "وفي ذم البناء مطلقًا حديث خبّاب رفعه قال: يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا في التراب" أو قال "البناء"، أخرجه الترمذي وصححه وأخرج له شاهدا عن أنس بلفظ "إلا البناء فلا خير فيه" والطبراني من حديث جابر رفعه: "إذا أراد اللهُ بعبدٍ شرًّا خضَّرَ له
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب اللطف في الوعظ. ص ٣١.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٢٩٤، كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة، حديث رقم (٦٠ - ٢٩٩٦).
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٠.
(٤) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٦٥١، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء، وبيان حد ما يجوز إرخاؤه إليه، وما يُستحبّ، حديث رقم ٤٢ - (٢٠٨٥).
(٥) السيوطي، جلال الدين، عبد الرحمن، بن أبي بكر. الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير. بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر التوزيع، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، المجلد الثاني، ص ٧٥٩، حديث رقم ٩٩٩٠.
[ ٤٦٢ ]
في اللبنِ والطينِ حتى يبنيَ" ومعنى خضر: بمعجمتين حسَّن وزنًا ومعنى. وله شاهد في الأوسط من حديث أبي بشر الأنصاري بلفظ "إذا أراد اللهُ بعبد سوءًا أنفقَ مالَه في البنيانِ" وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مرَّ بي النبيُ - ﷺ - وأنا أطين حائطًا فقال: الأمرُ أعجلُ من ذلك، وصححه الترمذي وابن حبان. وهذا كله محمول على ما لا تمسُّ الحاجةُ إليه مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر، وقد أخرجه أبو داود أيضًا من حديث أنس رفعه"، أما إن كل بناءٍ وبالٌ على صاحبه إلا ما لا، "أي إلا ما لابدَّ منه" (١).
ومن هذا التوضيح نجد أن ابن الجوزي قصد بتحذيره من البناء ما زاد على حاجة الإنسان، ولا يدخل في هذا بناء المساجد أو المدارس أو المستشفيات أو كل بناء قصد به النفع العام للناس، لأن الفرد يؤجر عليه.
٤ - وفي علاج الغضب قال ابن الجوزي: "فإن كان ناطقًا سكت، وإن كان قائمًا قعد، وإن كان قاعدًا اضطجع، ليسكِّن تلك الفورة" (٢).
وقد اشتق هذه الأنواع من العلاج من قول الرسول - ﷺ -: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع" (٣). ونحوه.
٥ - بيَّن ابن الجوزي أثر الفطرة على الطفل فقال: "الأصل في الأمزجة الصحة، والعلل طارئة، وكل مولود يولد على الفطرة" (٤).
وقد اشتق هذا المعنى من قول الرسول - ﷺ -: "ما من مولودٍ إلا يولدُ على الفطرةِ. فأبواه يهودانهِ وينصّرانهِ ويمجِّسانهِ، كما تُنْتَجُ البهيمةُ
_________________
(١) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الحادي عشر، ص ٩٢ - ٩٣، كتاب الاستئذان، باب ما جاء في البناء، شرح حديث رقم ٦٣٠٣.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٩.
(٣) مرجع سابق، الأزدي. سنن أبي داود. الجزء الخامس، ص ١٤١، كتاب الأدب، باب ما يقال عند الغضب، حديث رقم ٤٧٨٢.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣١.
[ ٤٦٣ ]
بهيمةً جمعاءَ. هل تحسون فيها من جدعاءَ" (١).
وبعد عرض الآراء التربوية التي استند فيها ابن الجوزي إلى السنة النبوية الشريفة بأقوالها وأفعالها، وصلت إلى أنه اعتمد عليها اعتمادًا كبيرًا، وبنى آراءه عليها باعتبارها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وهذا يدل على أهمية السنة النبوية في إغناء الفكر التربوي الإسلامي، وتبرز قدرة ابن الجوزي على توظيف ثقافته الحديثية في بلورة آرائه التربوية موشحة بألفاظ الحديث تارة، أو باقتباس المعنى تارةً أُخرى، أو باستقائها عامة من روح السنة النبوية المطهرة بأفعالها وتقريراتها. وقد عرض كل ذلك في أسلوبٍ واضحٍ ميسَّر.