إن اهتمام المنهج التربوي الإِسلامي بفهم العقيدة السليمة الدافعة للعمل الصالح، والسلوك القويم، هو الأساس لتربية هذا الجانب، لأنه يزيد الإيمان ويقويه ويدفع الناشئ إلى الفضائل. أما الاهتمام بالأمور الجدلية حول صفات الله تعالى، فمنهي عنها لأنها تثير الشكوك في النفوس وقد تؤدي إلى الكفر. وقد بيَّن ابن الجوزي طريقة التفكير في هذه الأمور العقائدية بقوله: "فينبغي أن يوقف في إثباته على دليل وجوده، ثم يستدل على جواز بعثه رسله، ثم تُتلقى أوصافه من كتبه ورسله، ولا يزاد على ذلك. ولقد بحث خلق كثير عن صفاته بآرائهم فعاد وبال ذلك عليهم" (٢). ثمَّ بيَّن ابن الجوزي الأسباب التي تدعو المرء إلى عدم الخوض في الأمور العقائدية وتأويلها. فقال: "إن الشرع قنع منا بالإيمان جملة، وبتعظيم الظواهر، ونهى عن الخوض فيما يثير غبار شبهة، ولا تقوى على قطع طريقه أقدام الفهم. وإذا كان قد نهى عن الخوض في القدر، فكيف يجوز الخوض في صفات المقدّر؟ وما ذاك إلا لأحد الأمرين اللذين ذكرتهما: إما لخوف إثارة شبهة تزلزل العقائد، أو
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. أحكام النساء. ص ٣.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٧٦.
[ ٣٢٥ ]
لأن قوى البشر تعجز عن إدراك الحقائق" (١). لذلك فالمنهج التربوي الإِسلامي، يركز على الجوانب الحيوية المؤثرة في العقيدة، التي تجعل الناشئ يدرك حقيقة وجوده، وأهمية عمارة الأرض بما يرضي الله تعالى، مستخدمًا في ذلك طاقاته وقدراته، لاستغلال خيرات الكون، وتسخيرها لعبادة الله تعالى.
أهم جوانب العقيدة المؤثرة هي:
١ - الجانب الأول: الإيمان بالله، لأنه الخالق والرازق والمالك والواهب والمحي والمميت. وهذا الإيمان يزيد بالتفكر في مخلوقات الله تعالى، والتدبر في آلائه. قال ابن الجوزي: "فرأيت من الجبال الهائلة، والطرق العجيبة. ما أذهلني، وزادت عظمة الخالق -﷿- في صدري" (٢).
٢ - الجانب الثاني: الإيمان بالحياة الآخرة. إذا آمن الإنسان بالحياة الآخرة، وأنها دار الإقامة الدائمة والخالدة. وأن الدنيا مزرعة رابحة للآخرة، إذا أحسن المرء استغلالها في الأعمال الصالحة، والطاعات الواجبة والنافلة. وربط حياته الآخرة يما يصيبه في الدنيا، فإنه لا شك سيكون في يقظةٍ دائمةٍ، ومحاسبيةٍ دقيقةٍ واستعدادٍ تام للقاء الله تعالى. وهذه المراقبة تضبط شهواته، وتقوم سلوكه، وتهذب خلقه، وتقلل من ارتباطه وتعلقه بالدنيا. قال ابن الجوزي في هذا المعنى: "همة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمته شغله .. والمؤمن إذا رأى ظلمةً ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلمًا ذكر العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة ذكر الجنة، فهمته متعلقة بماثُمَّ، وذلك يشغله عن كل ماتَم" (٣) والمؤمن في ذكر دائم، وشوق حائر، بين الجنة والنار. وهذه اليقظة هي التي تسدد طريقه، وتصحح اتجاهه وتصلح أعماله. قال ابن الجوزي: "وأعظم ما عنده أن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٨٤.
(٢) المرجع السابق، ص ١٥٤.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٩٩ - ٤٠٠.
[ ٣٢٦ ]
يتخايل دوام البقاء في الجنة، وأن بقاءه لا ينقطع ولا يزول، ولا يعتريه منغّص، فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبًا في تلك اللذات الدائمة التي لا تفنى، يطيش فرحًا، ويسهل عليه ما في الطريق إليها من ألم ومرض وابتلاء وفقد محبوب، وهجوم الموت ومعالجة غصصه .. ثم يتخايل المؤمن دخول النار والعقوبة فيتنغص عيشه، ويقوى قلقه، فعنده بالحالين شغل عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة، وفي صحراء الخوف أُخرى، فما يرى البنيان" (١). وهكذا ارتباط الحياة الدنيا بالآخرة من العوامل الإيجابية، التي تحي القلوب.
٣ - الجانب الثالث: الإيمان الصادق بشمولية الأحكام التشريعية لجميع جوانب الحياة الدنيوية وأن الشريعة من عند الله تعالى، وهو المشرع الوحيد لكل ما أنزل في قرآنه الكريم وسنة نبيه الأمين - ﷺ -. وأن ما أنزله وشرعه يتلاءم مع فطرة الناس التي خلقهم بها، وأن هذه التشريعات جاءت لتنظيم حياتهم، وتدبير مصالحهم بما يكفل لهم سعادة الدارين. قال ابن الجوزي: "ينبغي لمن آمن بالله تعالى أن يسلّم له في أفعاله، ويعلم أنه حكيم ومالك، وأنه لا يعبث" (٢). ثم عليه أن يتدبر في الحكمة من خلقه وإيجاده. قال ابن الجوزي: "فإذا كان ما خلق لنا لم يخلق عبثًا، أفنكون نحن .. ونحن مواطن معرفته ومجال تكليفه قد وجدنا عبثًا؟ ومثل هذا الجهل إنما يصدر ممن ينظر في قضايا العقول التي يحكم بها على الظواهر مثل أن يرى مبنيًا (بناءً) ينقض. والعقل بمجرده لا يرى ذلك حكمة ولو كشفت له حكمة لعلم أنه صواب. كما كشف لموسى مراد الخضر في خرق السفينة وقتل الغلام. ومعلوم أن ذبح الحيوان، وتقطيع الرغيف، ومضغ الطعام لا يظهر له فائدة على الإطلاق. فإذا علم أنه غذاء لبدن من هو أشرف بدنًا من المذبوح، حسن ذلك الفعل.
واعجبًا!! أوَما تقضي العقول بوجوب طاعة الحكيم، الذي تعجز عن معرفة حِكَمِه مخلوقاته. فكيف تعارضه في أفعاله؟ " (٣).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٠٠.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٦٥.
(٣) المرجع السابق، ص ٤٠٢.
[ ٣٢٧ ]