أما تأثيره فكان من خلال مؤلفاته العلمية الكثيرة في شتى العلوم والمعارف الإنسانية، التي ساهم بها -فقد أثرت في عصره وإلى يومنا هذا- في ثراء الحركة العلمية. كما وقد كان له تأثير من خلال مواعظه "التي حصل له فيها القبول والاحترام. حُكي أن مجلسه حزر بـ (٠٠٠، ١٠٠)
_________________
(١) الغزالي. منهاج العارفين. ص ١٠١، نقلًا من كتاب عبد العال، د. حسن، إبراهيم. مقدمة فى فلسفة التربية الإسلامية. الرياض، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م، ص ٢٣٤.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتطم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء التاسع، ص ١٦٩.
(٣) ابن الجوزي، للحافظ الإمام، جمال الدين، أبي الفرج، عبد الرحمن. تلبيس إبليس. بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٣٦٨ هـ، ص ١٦٦.
(٤) مرجع سابق، نصير، د. آمنة، محمد. أبو الفرج، ابن الجوزي آراؤه الكلامية والأخلاقية. ص ٢٣٥ - ٢٤٥.
[ ٩٢ ]
وحضر مجلسه الخليفة المستضيء مراتٍ من وراء الستر" (١). وظهر تأثيره في ما تركه من بصمات واضحة على غيره من العلماء المسلمين. ويعتبر ابن قيم الجوزية (٢) من العلماء المتأثرين به في السير على النهج نفسه عند كتابة المؤلفات، فكتاب ابن قيم روضة المحبين ونزهة المشتاقين يقابله كتاب ابن الجوزي ذم الهوى، وكتاب ابن قيم إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان يقابله كتاب ابن الجوزي تلبيس إبليس.
كذلك ظهر تأثر ابن قيم الجوزية واضحًا في اقتباسه لبعض الأفكار بألفاظها مثال: ذلك أن ابن الجوزي قال: "الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل قد خُلق في الإنسان لضرورة بقائه فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل، وإلى المشرب ما شرب، وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشهيه، فالهوى مستجلب له ما يفيد. . . الخ" (٣).
وبمثل هذا القول تحدث به ابن قيم الجوزية في الموضوع نفسه إذ قال: "الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل ولا شرب ولا نكح، فالهوى مستحث لما يريده. . . الخ" (٤).
قال ابن الجوزي أيضًا: "وقد عرفت ثمرة العقل وفائدته، فإنه هو الذي دل على الإله وأمر بطاعته وامتثال أمره، وأثبت معجزات الرسل
_________________
(١) مرجع سابق، المكي. مرآة الجنان وعبرة اليقظان فى معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان. الجزء الثالث، ص ٤٨٩.
(٢) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية، ولد سنة (٦٩١ هـ). تفقه في المذهب، وبرع وأفتى، وكان عارفًا بالتفسير، وبأصول الدين والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وبعلم الكلام والنحو وغير ذلك. وكان عالمًا بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف. وله مصنفات كثيرة في العلم. توفي في سنة (٧٥١ هـ). انظر ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الثاني، ص ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٣) ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. ذم الهوى (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى، (راجعه) الغزالي، محمد، الطبعة الأولى، ١٣٨١ هـ - ١٩٦٢ م، ص ١٢.
(٤) ابن قيم الجوزية. روضة المحبين ونزهة المشتاقين. مكة المكرمة، الباز، عباس، أحمد، دون تاريخ، ص ٤٦٩.
[ ٩٣ ]
وأمر بطاعتهم، وتلمح العواقب فاعتبرها فراقبها وعمل بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى فرد غَربَه، وأدرك الأمور الغامضة، ودبر على استخدام المخلوقات فاستخدمها، وحث على الفضائل ونهى عن الرذائل، وشد أسر الحزم، وقوى أزر العزم، واستجلب ما يزين، ونفى ما يشين، فإذا تُرك وسلطانه، أسر فضول الهوى، فحصرها في حبس المنع" (١).
وفي هذا المعنى قال ابن قيم الجوزية: "وهذا ثمرة العقل الذي به عُرف الله -﷾- وأسماؤه وصفات كماله ونعوت جلاله، وبه آمن المؤمنون بكتبه ورسله ولقائه وملائكته، وبه عُرفت آيات ربوبيته وأدلة وحدانيته ومعجزات رسله، وبه امتثُلتِ أوامره واجتنبت نواهيه، وهو الذي تلمح العواقب فراقبها، وعمل بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى فرد جيشه مغلولًا، وساعد الصبر حتى ظفر به بعد أن كان بسهامه مقتولًا، وحث على الفضائل، ونهى عن الرذائل، وفتق المعاني وأدرك الغوامض، وشد أزر العزم فاستوى على سوقه، وقوّى أزر الحزم حتى حظي من الله بتوفيقه، فاستجلب ما يزين، ونفى ما يشين، فإذا نزل وسلطانُه أسر جنود الهوى فحصرها في حبس (من ترك لله شيئًا عوضه الله خيرًا منه). ." (٢).
كما سار ابن قيم الجوزية على نهج ابن الجوزي -تقريبًا- في عرض الموضوعات، فمثلًا في كتابه روضة المحبين ونزهة المشتاقين، بدأه بذكر فضل العقل وأهميته في ضبط الشهوات، ثم تكلم على الحب، وأحكام النظر والمحبة والعشق وذم الهوى، وهي الموضوعات نفسها التي عالجها ابن الجوزي في كتابه ذم الهوى، وكثير منه مقتبس باللفظ والمعنى منه.
مثال: أورد ابن قيم الجوزية التعريفات نفسها الخاصة بالعشق، والتي ذكرها ابن الجوزي وهي كالآتي:
قال ابن الجوزي: "قال أفلاطون: العشق حركة النفس الفارغة بغير فكرة.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. ذم الهوى. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى، (راجعه) الغزالي، محمد، ص ١٠.
(٢) مرجع سابق، ابن قيم الجوزية. روضة المحبين ونزهة المشتاقين. ص ٧.
[ ٩٤ ]
وسئل يوذجانس عن العشق، فقال: سوء اختيار صادف نفسًا فارغة.
وقال أرسطاطاليس: العشق هو عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب.
وقال فيثاغورس: العشق طمع يتولد في القلب، ويترك وينمى، ثم يتربى ويجتمع إليه موادّ من الحرص، فكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الطمع، والفكر في الأماني، والحرص على الطلب، حتى يؤديه ذلك إلى الغمَّ المقلق. . . الخ" (١).
وقال ابن قيم الجوزية: "وقال بعض الفلاسفة: العشق طمع يتولد في القلب ويتحرك وينمى، ثم يتربى ويجتمع إليه مواد من الحرص، وكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج والتمادي في الطمع والحرص على الطلب، حتى يؤديه ذلك إلى الغم والقلق، .. وقال أفلاطون: العشق حركة النفس الفارغة. وقال أرسطاطاليس: العشق عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب. ." (٢).
وهناك الكثير من العبارات المستقاة من كتابات ابن الجوزي في مؤلفات ابن قيم الجوزية ولا يسعنا المقام لذكرها جميعًا.
كما ظهر تأثير ابن الجوزي في كتابات المحدثين وبحوثهم، التي تتناول علمه من جميع الجوانب، وتترجم إلى رسائل ماجستير ودكتوراه للاستفادة منه.