١ - الفطنة:
لم يعرَّف ابن الجوزي الفطنة، ولكنه سرد قصصًا تدل عليها. واعتبر الأنبياء من الأفراد المتميزين بقوة الفطنة الفطرية، فقال: "معلوم أن فطن الأنبياء فوق الفطن" (٣)، وقد قصّ قصص الأنبياء التي تدل على فطنتهم، ولا مجال لعرضها حتى لا يطول البحث، ويمكن الرجوع إليها في كتابه الأذكياء.
٢ - الذكاء:
وقد عرَّفه ابن الجوزي بقوله: "الذكاء جودة حدسٍ من هذه القوة تقع فى زمانٍ قصيرٍ غير ممهلٍ، فيعلم الذكي معنى القول عند سماعه" (٤).
ثم وضح معناها اللغوي بقوله: "قال الزجَّاج: الذكاءُ في اللغة تمامُ الشيءِ ومنه الذكاءُ في السنِ، وهو تمام السن ومنه الذكاءُ في الفهمِ
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤١٩.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. أخبار الحمقى والمغفلين. ص ١٢٥.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. الأذكياء. ص ١٠.
(٤) المرجع السابق، ص ٦.
[ ٢٨٤ ]
وهو أن يكون فهمًا تامًّا سريعَ القبولِ، وذكيت النارَ أي أتممتُ إشعالها. وعن أبي بكر بن الأنباري قال قولهم: "فلانٌ ذكيٌ معناه كاملُ الفطنة تامُها من قولِ العرب: قد ذكتِ النارُ تذكو إذا تمَ وقودُها، ويقال: أذكيتُها إذا أتممتُ وقودَها، ويقال: مسكٌ ذكيٌ إذا كان تامَّ الطيب، كاملَ نفاذِ الريحِ" (١). إذا الذكاءُ فطنةٌ وهو أعلى درجة من الفطنة.
٣ - الفهم:
لقد عرَّف ابن الجوزي الفهم: بأنه "جودة تتهيأ لهذه القوة" (٢). وقد عرّفها الإمام الجرجاني بقوله: تصوّر المعنى من لفظ المخاطب" (٣).
٤ - الذهن:
وقد عرَّف ابن الجوزي الذهن بأنه: "قوة النفس المهيأة المستعدة لاكتساب الآراء" (٤). ووافقه في رأيه الإمام الجرجاني الذي عرف الذهن بقوله: "قوة للنفس تشمل الحواسّ الظاهرة والباطنة معدة لاكتساب العلوم، وهو الاستعداد التام لإدراك العلوم والمعارف بالفكر" (٥).
لقد اكتفت الباحثة برأي ابن الجوزي في درجات العقل المرتفعة، لأنها وجدت أقوال العلماء الغربيين تدعم وتؤكد ما يقوله، وهذا مجاله في باب المقارنة، لذلك لم أذكره هنا. كذلك عرَّف ابن الجوزي درجات العقل المنخفضة على الوجه الآتي:
١ - الحمق:
وقد عرَّفه ابن الجوزي بقوله: "الحمق فساد في العقل أو في الذهن" (٦). والمعنى اللغوي هو: "الحمقُ: ضد العقل. الجوهري: الحُمْقُ والحَمقُ قلةُ العقلِ. والأحمقُ مأخوذٌ من انحماقِ السوقِ إذا
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٦.
(٢) المرجع السابق، ص ٦.
(٣) مرجع سابق، الجرجاني. كتاب التعريفات. ص ٢١٧.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. الأذكياء. ص ٦.
(٥) مرجع سابق، الجرجاني. كتاب التعريفات. ص ١٤٣.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. أخبار الحمقى والمغفلين. ص ٢٥.
[ ٢٨٥ ]
كسدت فكأنه فسدَ عقلُه حتى كسدَ" (١). وتعريف ابن الجوزي مناسب للمعنى اللغوي.
٢ - التغفيل:
وقد عرفه ابن الجوزي بقوله: "هو الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب مع صحة المقصود" (٢).
أما المعنى اللغوي للتغفيل فهو: "التغفيل: أم يكفيك صاحبُك وأنت غافلٌ لا تعنى بشيء. والتغفلُ: خَتْلٌ في عقلِه. والمغفَّلُ: الذي لا فطنَة له. والغفولُ من الإبل: البلهاءُ التي لا تمتنعُ من فصيل يرضعها ولا تبالي مَن حلبَها. والغفلُ: المقيدُ الذي أُغفلَ فلا يرجى خيرُه ولا يُخشى شرهُ" (٣).
وقد عرف بعض علماء النفس المغفل بالأبله: وهو الذي لا يستطيع أن يكسب رزقه، ولكنه يستطيع أن يحافظ على حياته بمشقةٍ" (٤).
٣ - الجنون:
وقد عرَّفه الجوزي بقوله: "عبارة عن الخلل في الوسيلة والمقصود جميعًا" (٥).
وقد عرَّفه الإمام الجرجاني بقوله: "هو اختلالُ العقلِ بحيث يمنعُ جريانَ الأفعالِ والأقوالِ على نهجِ العقلِ إلا نادرًا" (٦).
واعتبره علم النفس "مرضًا عقليا يصيب الفرد فينحدر بمستواه انحدارًا شديدًا" (٧) أما الحمقُ والتغفيلُ فإنهما يدلان على ضعف العقل،
_________________
(١) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد العاشر، ص ٦٧ - ٦٨.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. أخبار الحمقى والمغفلين. ص ٢٢.
(٣) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الحادي عشر. ص ٤٩٨.
(٤) السيد، د. فؤاد، البهي. الذكاء. القاهرة، دار الفكر العربي، الطبعة الرابعة ١٩٧٦ م، ص ٤٢٣.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. أخبار الحمقى والمغفلين. ص ٢٢ ..
(٦) مرجع سابق، الجرجاني. كتاب التعريفات. ص ١٠٧.
(٧) مرجع سابق، السيد، فؤاد، البهي. الذكاء. ص ٤٢٢.
[ ٢٨٦ ]
وهو نقص في الذكاء يجعل الفرد قاصرًا عن إدراك وتمييز أمورٍ كثيرةٍ.
الفروق بين درجات العقل عند ابن الجوزي
كما أن الناس يختلفون في صفاتهم البدنية، "فتختلف أطوالهم وأوزانهم وألوان بشرتهم يختلفون أيضًا في الذكاء والقدرات العقلية الأولية، والفروق الفردية في أية صفة من الصفات العقلية هي في جوهرها فروق في الدرجة أو المستوى وليست فروقًا من النوع. فالفرق بين الغباء والعبقرية فرق في المستوى (الدرجة) وليس فرقًا في نوع الذكاء" (١).
وقد أدرك ابن الجوزي هذه الحقيقة، فوضع فروقًا لحدود العمليات العقلية التي يقوم بها العقل وذلك للتمييز بين درجاتها، فقال: حدّ الفهم: العلم بمعنى القول عند سماعه، وقال بعضهم: حد الذكاء: سرعة الفهم وحدته، والبلادة جموده" (٢).
ومعنى قول ابن الجوزي، أنه اعتبر الفهم من العمليات العقلية المتفرعة من الذكاء، وحدوده الفهم بمجرد السماع، أما الذكاء فدرجته أعلى من الفهم، لأنه يدل على سرعة الفهم وحدته، أما البلادة فهي ضعف الفهم وبطؤه في استيعاب المراد.
وقد ميز ابن الجوزي بين حدود الأحمق والمجنون فقال: "الأحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه الطريق فاسد، ورويته في الطريق الواصل إلى الغرض غير صحيحةٍ، والمجنون أصل اختياره فاسد، فهو يختار ما لا يُختار" (٣).