لقد أودع الله تعالى في فطرة الإنسان الدافع الجنسي وجعله وسيلة حيوية لاستمرار النوع البشري، ولتحقيق هذا الهدف كما يرضاه الله أمر الإسلام بالزواج؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٢). وقال - ﷺ -: "يا معشر الشبابِ من استطاع منكم الباءة فليتزوجْ، فإنه أغضُ للبصرِ وأحصنُ للفرجِ. ومن لم يستطع فعليه بالصوم. فإنه له وجاءٌ". (٣)
وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "ولولا تركيب الهوى المائل بصاحبه إلى النكاح ما طلبه أحد، ففات النسل، وآذى المحتقن" (٤). وهذا الدافع وُضع في الإنسان كالباعث المستحث لإنجاب الولد، ولم يوضع للذة والمتعة فقط، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "فمن علم أن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٤٦.
(٢) سورة النساء: الآية ١.
(٣) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثاني، ص ١٠١٨، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، حديث رقم ١ - (١٤٠٠).
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٢٤.
[ ٢٦٥ ]
هذه الأشياء إنما خلقت إعانة للبدن على قطع مراحل الدنيا، ولم تخلق لنفس الالتذاذ، وإنما جعلت اللذة فيها كالحيلة في إيصال النفع بها، إذ لو المقصود التنعم بها لما جعلت الحيوانات البهيمية أوفى حظًّا من الآدمي منها" (١). وقوله في الغاية من النكاح: "فإن طلب التزوج للأولاد، فهو الغاية في التعبد، وإن أراد التلذذ فمباح يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى من إعفاف نفسه والمرأة .. إلى غير ذلك" (٢).
لقد اعترف المنهج التربوي الإسلامي بهذه الطاقة الحيوية، وعمل على تهذيبها وإعلائها عن طريق الزواج الشرعي الحلال، الذي جعل له مقاصد، وقد حددها ابن الجوزي في وجهين هما:
"أحدهما: إبقاء الجنس وهو معظم المقصود.
والثاني: دفع الفضلة المحتقنة المؤذي احتقانها" (٣).
لذلك لابد من فهم هذه المقاصد الشرعية وتحقيقها، واجتناب مخالفتها والحذر من حصرها في الاستمتاع فقط، وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "ومن أقبح الأمور الانهماك في النكاح طلبًا لصورة اللذة، ناسيًا ما يجني ذلك من انحلال القوة، ويزيد في الحرام بالعقوبة" (٤).
وقد وضع ابن الجوزي بعض الضوابط لتصريف هذه الطاقة الحيوية والمحافظة عليها، منها الاعتدال دون شرهٍ، فقال: "إن مال إلى شهوات النكاح وأكثر منها، قل التذاذه وفنيت حرارته وكانت سببًا في عدم مطلوبه منها. ومن استعمل ذلك بمقدار ما يجيزه العقل ويحتمله كان التذاذه أكثر، لبعد ما بين الجماعين، وأمكنه التردد لبقاء الحرارة" (٥).
ثم يبيّن ابن الجوزي أضرار الشره في الجماع، فيقول: "كلما كثر استعماله امتنعت أوعية المني من الدر، فانجذب إليها غذاء ليس بنضيج،
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٢٤.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٦.
(٣) المرجع السابق، ص ١٢٤.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٥٣.
(٥) المرجع السابق، ص ٤٥٠.
[ ٢٦٦ ]
واستلبت قوى الأصول وهي الدماغ والقلب والكبد، فتبرد الحرارة الغريزية، ويسرع لذلك الهلاك، ثم إن صورة الوطء تنبو عنها النفوس الشريفة، إلا أن يدفع به شر محتقن، أو يُطلب الولد، فأما أن يصير عادةً، ويكون بالتمتع بنفس الفعل، فتلك مزاحمة البهائم" (١).
ثم ينصح ابن الجوزي الشاب بالمحافظة على هذه الطاقة، فيقول: "ينبغي للصبي إذا بلغ أن يحذر كثرة الجماع ليبقى جوهره، فيفيده ذلك في الكبر، لأنه من الجائز كبره، والاستعداد للجائز حزم، فكيف للغالب؟ كما ينبغي أن يستعد للشتاء قبل هجومه. ومتى أنفق الحاصل وقت القدرة تأذى بالفقر إليه وقت الفاقة" (٢).
كما ينصحه بالزواج من واحدةٍ، وإلا نكح غيرها فقال: "وإن قدر على الاقتصار، فإن الاقتصار على الواحدة أولى، فإن كانت على الغرض قنع، وإن لم تكن استبدل، ونكاح المرأة المحبوبة يستفرغ الماء المجتمع، فيوجب نجابة الولد وتمامه وقضاء الوطر بكماله" (٣).