قال ابن الجوزي: "الموسم الأول: من وقت الولادة إلى زمن البلوغ" (٣). ويقابل هذا الموسم في علم نفس النمو مرحلة الطفولة، وهي مقسمة كالتالي:
١ - مرحلة المهد: من الميلاد حتى أسبوعين.
مرحلة الرضاعة: من أسبوعين إلى عامين.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٧٢ - ٧٣.
(٢) ١ - العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الحادي عشر، كتاب القدر، ص ٤٧٧.
(٣) ابن رجب، زين الدين. جامع العلوم والحكمة.
(٤) النسيمي. الطب النبوي.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي، جمال الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". من كتاب التحفة البهية والطرفة الشهية. ص ٥٧ - ٥٨.
[ ٢١٢ ]
٢ - مرحلة الطفولة المبكرة: من (٢ - ٦ سنوات) (مرحلة ما قبل المدرسة + الحضانة).
٣ - مرحلة الطفولة الوسطى (٦ - ٩ سنوات) المرحلة الابتدائية: الصفوف الثلاثة الأُولى.
٤ - مرحلة الطفولة المتأخرة (٩ - ١٢ سنة) المرحلة الابتدائية: الصفوف الثلاثة الأخيرة" (١).
يتضح من تقسيم ابن الجوزي للمراحل (المواسم)، أنه توزيع عام يتفق مع التقسيم الحديث، ولكنه ليس بتقسيم مفصَّل مثل التقسيم الحديث، الذي يعتبر أكثر تفصيلًا في جزئياته.
وقد اهتم ابن الجوزي بمرحلة الطفولة اهتمامًا كبيرًا من جميع الجوانب العقلية والخلقية والاجتماعية والسلوكية، وسنوضح هذا الاهتمام في الآتي:
أ- أهمية مرحلة الطفولة في نظر ابن الجوزي:
تعتبر مرحلة الطفولة المبكرة من المراحل الأساسية في بناء وتشكيل شخصية الطفل الخلقية، والنفسية، والعقلية، والاجتماعية، وعليها تعتمد المراحل القادمة، وذلك لأن الطفل في هذه المرحلة يقبل كل ما يقال له من دون مناقشة أو جدال، لأن الأطفال يرون أن كل ما يقوله الكبار صحيح وصادق حتى لو كذب عليهم الكبار، لذلك تستغل هذه المرحلة في تلقين الاْطفال أكبر قدر ممكن من مبادئ العقيدة والقيم والآداب والسلوكيات الصالحة. أما بعد ذلك من المراحل، فالأطفال الكبار يحتاجون إلى مناقشتهم وإقناعهم بما يُلقى عليهم، لذلك تحتاج التربية إلى جهد أكبر ووقت أطول، من هنا قال ابن الجوزي: "أقوم التقويم ما كان في الصغر، فأما إذا تُرِك الولد، وطبعَه فنشأ عليه ومرن، كان رده صعبًا" (٢).
_________________
(١) مرجع سابق، زهران. علم نفس النمو. ص ٩٩.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٣.
[ ٢١٣ ]
وهذا ما يؤكده العلماء اليوم، يقول د. محمد محمود محمد: "وتعتمد العادات في تكونها على الأساليب التربوية التي تتبع مع الطفل في نشأته الأُولى، حيث يسهل تكوين العادات لمرونة الجهاز العصبي طبقًا للمثل القائل بأن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر" (١). لذلك أوصى ابن الجوزي المربين ألا يهملوا تأديب الطفل وتربيته في الصغر، حتى لو شكا ثقل التأديب عليه، فاستشهد بقول الشاعر:
"لا تسهُ عن أدب الصغير ولو شكا ألَم التعب" (٢)
وتتميز هذه المرحلة باستعداد الطفل لتقبل كل ما يلقى إليه من قيم وسلوكيات وآداب ومعارف، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فإن قلبه فارغ يقبل ما يلقى إليه" (٣)، وقد حدد العمر الزمني المناسب للتعلم بخمس سنين، فقال: "وإذا جاوز الصبي خمس سنين بان فهمه وحسن اختياره لنفسه" (٤). وليس معنى هذا أن الطفل بعد هذه المرحلة لا يستطيع التعلم، بل يستطيع ولكن بدرجةٍ أصعب ووقت أطول وجهد أكثر، "لأن الكبار لا يسلكون سلوكًا معينًا بناءً على المحاكاة والتقليد غالبًا. إنما يسلكون هذا السلوك ويطبقون المبادئ الخلقية بناء على الاقتناع النظري والعقلي" (٥).
وبما أن هذه المرحلة، مرحلة المرونة والقابلية للتعلم، فيجب على المربين أن يدركوا تمامًا خصائص هذه المرحلة من جميع جوانبها النفسية والعقلية والاجتماعية، وما يتميز به كل طفل عن الآخر، من حيث استعداداته وقدراته وميوله ورغباته، حتى يستطيع المربي أن يوجهه بطريقة سليمة، توظف قدراته وطاقاته في الاتجاه الصحيح. وفي ذلك يقول ابن
_________________
(١) مرجع سابق، محمد. علم النفس المعاصر في ضوء الإسلام. مرجع سابق، ص ٢٧٠.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". من كتاب التحفة البهية والطرفة الشهية. ص ٥٨.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٥٨.
(٥) يالجن، د. مقداد. بناء البيت السعيد فى ضوء الإسلام. الرياض، دار المريخ، طبعة ١٤٠٨ هـ -١٩٨٧ م، ص ١٦٤.
[ ٢١٤ ]
الجوزي: إعلم أن الطبيب ينظر إلى سن المعالج، ومكانه، وزمانه، ثم يصف، فكذلك ينبغي أن تكون رياضة كل شخص على قدر حاله" (١). وهذا الرأي المبني على معرفة الفروق الفردية ومراعاتها من الآراء الحكيمة والصائبة لابن الجوزي في المجال التعليمي والتربوي.
كما أكد ابن الجوزي ضرورة معرفة المربي بخصائص نمو الطفل، وذلك لأن "إهمال معرفة استعدادات الطفل المختلفة كثيرًا ما يؤدي، إلى عدم تكيفه لعملية التعلم، أو إلى الإضرار بصحته الجسمية والنفسية" (٢).
وقد أكد ابن الجوزي أهمية التنشئة الاجتماعية للطفل في هذه المرحلة. وما يتبعها من خلق وسلوك قويم يهذب النفس، فقال: "ثم المواظبة على الرياضة أصل عظيم في حق الصبيان، فإن ذلك يفيدهم أن يصير الخير عادة" (٣). وهذا مصداق لقول الرسول - ﷺ -: "الخير عادة والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٤).
ثم وضح ابن الجوزي أن تدريب الطفل على النظافة والطهارة، وعلى ممارسة الآداب والفضائل، لابد أن يتم قبل سن الخامسة، حتى تتمكن هذه الآداب والقيم في نفسه منذ نعومة أظفاره، وتصبح جزءًا من شخصيته، وفي هذا يقول: "فينبغي أن يعوِّده النظافة والطهارة منذ الصغر، ويثقفه بالآداب، فإذا بلغ خمس سنين أخذه بحفظ العلم" (٥).
كذلك رأى ابن الجوزي، أنه لابد من المحافظة على شخصية الطفل من التميع أو الذوبان، فرأى أن تتميز شخصية الولد عن البنت في
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٣.
(٢) الغريب، د. رمزية. التعلم. القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة السادسة، ١٩٧٨ م، ص ٤٢.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٣.
(٤) ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني. سنن ابن ماجه. (حققه ووضع فهارسه بالكمبيوتر) الأعظمي، محمد، مصطفى، الرياض، شركة الطباعة العربية السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م، الجزء الأول، ص ٤٣، المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث رقم ٢٠٩.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، ص ١٧.
[ ٢١٥ ]
اللباس، حتى يشب على الرجولة ويكره الميوعة، فقال: "وليلبسه الثياب البيض، فإن طلب (الولد) الملون، قال له: تلك ملابس النساء والمخانيث" (١) وقد استقى ابن الجوزي رأيه في لون لباس الطفل من قول الرسول - ﷺ -: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الأثمد يجلو البصر، وينبت الشعر" (٢).
إن الطفل بحاجة إلى تعلم واكتساب الكثير من الآداب والأخلاقيات، التي يستطيع أن يتعامل بها مع غيره من الأفراد، بعضها متعلق بكيانه النفسي والجسمي لإكسابه القدرة والتحمل لمواجهة مصاعب الحياة، وبعضها الآخر لتهذيب سلوكه والارتقاء بخلقه.
فأما ما يتعلق بكيانه النفسي والجسمي، فقال فيه ابن الجوزي: "ويمنع من كثرة الأكل والنوم، ويعوّد الخشونة في المطعم والمفرش، فإنه أصح لبدنه، ويعالج بالرياضات الجسمانية كالمشي" (٣). وذلك حتى يضمن ابن الجوزي للطفل حياةً معيشية، متعددة الأنماط ما بين رغد العيش، وشظف الحياة وقسوتها، فيستطيع الطفل مواجهة الصعوبات التي تعترضه في حاضر أيامه ومستقبله، والتغلب عليها بما عُود عليه.
أما ما يتعلق بتهذيب خلق الطفل، فقد رأى ابن الجوزي: "أن يحبب إليه الحياء والسخاء" (٤) لأنهما من الصفات الخلقية التي يحبها الله ورسوله - ﷺ -، لما تضمنه من الخير الكثير. لقوله - ﷺ -: "الحياءُ خيرٌ كلُه" (٥)، كما يحذر الأطفال من الأخلاق السيئة، وعلى رأسها الكذب، الذي يؤدي بصاحبه "إلى ارتكاب المعاصي، قال رسولنا الكريم - ﷺ -:"إن
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤.
(٢) الأزدي، أبو داود، سليمان بن الأشعث، السجستاني. سنن أبي داود. (تحقيق) عبد الحميد، محمد، محيي الدين، القاهرة، دار إحياء السنة النبوية، دون طبعة وتاريخ، الجزء الرابع، ص ٨، كتاب الطب، باب في الأمر بالكحل، حديث رقم ٣٨٧٨.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤.
(٤) المرجع السابق، ص ١٣٤.
(٥) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٦٤، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها، وفضيلة الحياء، وكونه من الإيمان، حديث رقم ٦١.
[ ٢١٦ ]
الصدقَ يهدي إلى البرِ، وإن البِر بهدي إلى الجنة، وإن الرجلَ ليصدقُ حتى يكون صديقًا. وإن الكذبَ يهدي إلى الفجورِ، وإن الفجورَ يهدي إلى النارِ، وإن الرجلَ ليكذبُ حتى يكتبَ عند الله كذابًا" (١).
كما أوصى ابن الجوزي أن يحث الأطفال على بر الوالدين، لما لهما من الفضل عليهم. ولحديث رسولنا الكريم - ﷺ - عندما جاءه رجل وسأله: من أحقُ بحسنِ صحابتي؟ قال: أمُك. قال: ثم من؟ قال: أمُك. قال: ثم من؟ قال أمُك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك" (٢).
وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وليُحذر الصبي من الكذب غاية التحذير، ومن المخالطة للصبيان المعوجين. وليوصه بزيادة البر للوالدَين" (٣).
كذلك أوصى ابن الجوزي أن يؤدَّب الطفل بالآداب الاجتماعية، التي تهذب سلوكه فقال: "يؤدب بالنهي عن استدبار الناس، والامتخاط بينهم والتثاؤب" (٤).
إلى غير ذلك من الآداب الاجتماعية والمعايير السلوكية، التي تُغرس في نفس الطفل فتكون كما قال ابن الجوزي: "فإذا ترعرع كان الأدب شعاره من غير تعلم والحياء لباسه من غير ترهيب" (٥).
ب- وسائط التربية عند ابن الجوزي:
حتى يجد الطفل البيئة التربوية والاجتماعية الصالحة، التي تغرس فيه القيم والسلوكيات الفاضلة، وتقيه من السلوكيات السيئة، وتوجهه
_________________
(١) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء العاشر، ص ٥٠٧، كتاب الأدب باب قول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، حديث رقم ٦٠٩٤.
(٢) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٤٠١، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، حديث رقم ٥٩٧١.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٤٤.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤.
(٥) المرجع السابق، ص ١٣٨.
[ ٢١٧ ]
بطريقةٍ صحيحةٍ لابد من وجود عدد من المؤسسات أو الوسائط التي تقوم بهذا الدور الهام في حياة الطفل. ومن خلال آراء ابن الجوزي التربوية -لاحظت الباحثة- أن ابن الجوزي ركز على الدور التربوي للأسرة والصحبة، وأهمل دور المؤسسات التربوية الأُخرى كالمسجد والمدرسة ووسائل الإعلام .. وغيرها، في هذه المرحلة وفي المراحل الأُخرى.
لذلك ستذكر الباحثة آراء ابن الجوزي التربوية في البيئة الأسرية التي قصرها على الوالدين والصحبة، وأغفل تأثير الإخوة والأقارب في غرس القيم والآداب في نفس الطفل.
١ - الأسرة:
أدرك ابن الجوزي الدور التربوي والتوجيهى للآباء، وأثره في تشكيل شخصية الطفل، والحفاظ على فطرته السليمة من المؤثرات الخارجية فيه. فقال: "إن هذا الموسم يتعلق معظمه بالوالدين فهما يربيان ولدهما ويعلمانه ويحملانه على مصالحه، فلا ينبغى أن يفترا عن تأديبه وتعليمه، فإن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر" (١).
وقد استمد ابن الجوزي قوله من حديث رسولنا - ﷺوإن لم يستشهد به- حيث قال: "أَلا كلُكم راع، وكُلكم مسؤول عن رعيته؛ فالأمير الذي على الناسِ راع، وهو مسؤول عن رعيتهِ. والرجلُ راع على أهلِ بيته وهو مسؤول عنهم. والمرأةُ راعية على بيتِ بعلِها وولدِه، وهي مسؤولة عنهم. والعبدُ راع على مالِ سيدهِ، وهو مسؤول عنه. ألا فكلكم راعِ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيتِه" (٢).
وقد اعتبر ابن الجوزي اهتمام الوالد بتربية ولده أمانة يُسأل عنها يوم القيامة، فقال: "وليعلم الوالد أن الولد أمانة في عنقه" (٣). وقد
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٥٨.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٤٥٩، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم، حديث رقم ١٨٢٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤.
[ ٢١٨ ]
اشتق هذا المعنى أيضًا من قول الرسول - ﷺ -: "إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه، أَحفِظَ ذلك أم ضيعه؟ حتى يُسأل الرجل عن أهلَ بيته" (١)، وقد حدد ابن الجوزي دور الأب في ثلاثة أمور هي: التربية والتعليم، وتحمل المسؤولية، وذلك في قوله: "يربيان ولدهما ويعلمانه ويحملانه على مصالحه" (٢). وقد استقى ابن الجوزي دور الأب مما قررته الشريعة الإسلامية، وإن لم يصرح بذلك، وذكرها الشيخ محمد أبو زهرة بقوله: "يولد الطفل فتثبت عليه ثلاث ولايات:
١ - ولاية التربية الأُولى: وهي في الفترة التي لا يستطيع أن يقوم فيها بحاجاته بنفسه وهي الحضانة.
٢ - والولاية الثانية: ولاية الحفظ والصيانة والتعليم. وهي الولاية على النفس.
٣ - والولاية الثالثة: تدبير شؤون ماله إذا كان له مال. وهذه تسمى الولاية على المال" (٣).
كما نبه ابن الجوزي الوالد عند معاملته لابنه أن يجمع بين الحزم والحنان، حتى يجني ثمرة التهذيب والتوجيه والإصلاح، فقال: "ينبغي أن تكتم بعض حبك للولد، لأنه يتسلط عليك، ويضيع مالك، ويبالغ في الإدلال، ويمتنع عن التعلم والتأدب" (٤). وذلك لأن الإفراط في الدلال وإظهار مشاعر الحب للطفل "يؤدي إلى تكوين الغرور والثقة الزائدة بالنفس والعصيان وعدم احترام السلطة عند الأطفال، فإذا ما ظهرت هذه الميول ظهورًا فعليًا في سلوك الأطفال، فإنها تؤدي إلى سوء التكيف الشخصي والاجتماعي، ويصبح الطفل نتيجة لهذا في حالة من التوتر الانفعالي تتميز بعدم الأمان والكفاية" (٥)، لذلك ينبغي
_________________
(١) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح. وهو سنن الترمذي. الجزء الرابع، ص ٢٠٨، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الإمام، حديث رقم ١٧٠٥.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٥٨.
(٣) أبو زهرة، محمد. تنظيم الإسلام للمجتمع. القاهرة، دار الفكر العرب، ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م، ص ٩٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٤٥.
(٥) فراج، عثمان، لبيب. أضواء على الشخصية والصحة العقلية. القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الأولى، ١٩٧٠ م، ص ١٣٤ - ١٣٥.
[ ٢١٩ ]
الاعتدال في هذه الأمور.
ولا يقتصر دور الأب على الرعاية والتوجيه، بل لابدَّ من المتابعة المستمرة، وبذل أقصى جهد في الاهتمام، مع استخدام جميع الوسائل التربوية والتهذيبية المناسبة لغرس القيم والآداب، واقتلاع الصفات السيئة إذا انحرف، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فمن رزق ولدًا فليجتهد معه، والتوفيق من وراء ذلك" (١).
٢ - الوسط الاجتماعي وأهمية الصحبة:
من المعروف أن الطفل مخلوق اجتماعي، يميل بفطرته إلى صحبة من في سنه، ومن خلال هذا الاجتماع والاحتكاك المباشر بهم، يؤثر ويتأثر ويتعلم العادات الاجتماعية، والآداب السلوكية واللغة وطريقة التفكير .. وكل ما له علاقة بتعامله مع الآخرين. وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وينبغي أن يعلم أن الطبع لص، فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طبائعهم فصار مثلهم" (٢).
وقد أدرك ابن الجوزي ما للصحبة من التأثير السلبي، أو الإيجابي في الآخرين، فحذر بقوله: "فيجنبه قرناء السوء من الصغر، ولا يعوده إياهم" (٣) وقوله: "وليُحَذر من مصاحبته للجهال والسفهاء، فإن الطبع لص" (٤). حتى لا يتأثر بهم، فتفسد أخلاقه.
وقد حث ابن الجوزي على مصاحبة ذوي الدين والخلق، حتى يقتدي بهم في سلوكهم وخلقهم وعلمهم، فيصبح من أصحاب الهمم العالية، والنفوس الأبية، والأخلاق الفاضلة، فقال: "وليحمل على صحبة الأشراف والعلماء" (٥) وقال في ذلك: "وليكن جلساؤك الكتب
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ١٧.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. تلبيس إبليس. ص ١١٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٤٤.
(٥) المرجع السابق، ص ٢٤٤.
[ ٢٢٠ ]
وانظر فى سير السلف، وتلمح سير الكاملين في العلم والعمل ولا تقنع بالدون" (١).
وقد بنى ابن الجوزي آراءه في الصحبة على قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (٢). وقول الرسول - ﷺ - "مثلُ الجليسِ الصالح والسوءِ كحامل المسكِ، ونافخ الكير، فحاملُ المسكِ إما أن يحذيكَ، وإمَا أن تبتاعَ منه، وإما أن تجدَ منه ريَحًا طيبة. ونافخُ الكير إما أن يحرقَ ثيابكَ، وإما أن تجدَ ريحًا خبيثة" (٣).
وهكذا لا تخرج آراء ابن الجوزي عن المنهج التربوي الإسلامي، ولكنها لا تشمل جميع الجوانب التربوية والنفسية والصحيةَ والخلقية والاجتماعية.
جـ - أساليب التربية الإسلامية في نظر ابن الجوزي:
لم يفت ابن الجوزي أن يذكر عددًا من الأساليب التهذيبية، والتقويمية، التي يحتاجها المربي لتعديل السلوك أو اقتلاعه أو غرسه، لأنه أدرك أن الأساليب التربوية المتنوعة "هي أداتنا الوحيدة لتحقيق ما نؤمن به من الأهداف، لذلك ينبغي العناية الكاملة بها، والتدقيق في بحثها واختيارها، إذ الوسيلة الفاسدة تضيع الهدف الصالح وتحيد عن الطريق" (٤). وحتى تؤدي هذه الأساليب دورها في غرس القيم الصالحة، واقتلاع السلوكيات الفاسدة، لابد أن تتناسب وفطرة الإنسان التي فطره الله عليها، وقبل أن يبين ابن الجوزي الأساليب التربوية، بين طبيعة النفس البشرية كما خلقها الله تعالى، وأهمية اختيار الوسيلة المناسبة لتقويم هذه الطبيعة، فقال: "إن الطباع لمَّا خُلقت مائلة إلى حب
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥٣.
(٢) سورة الفرقان، الآيات ٢٧ - ٢٩.
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء التاسع، ص ٦٦٠، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، حديث رقم ٥٥٣٤.
(٤) مرجع سابق، قطب، محمد. منهج التربية الإسلامية. الجزء الأول، ص ١٢.
[ ٢٢١ ]
الشهوات المردية والبطالة المؤذية افتقرت إلى مقوم، ومثقف ومحذر يرد، فهي في ضرب المثل كالماء يجري بطبعه، فإذا رد بسكر (١) وقف عن جريانه، ثم أخذ يعمل في فتح طريق.
فكما ينبغي أن يتعاهد ذلك السكر بالإحكام، فكذلك ينبغي أن تتعاهد الطباع بالزواجر ولا ينبغي أن يطول أمد التعاهد، فإن عمل الماء في باطن السكر دائم وإن خفي. وكذلك الطباع في ميلها إلى ما يؤذيها، ولهذا بُعث الأنبياء بالترغيب والترهيب، وأُنزلت عليهم الكتب للتثقيف والتأديب، فما زالوا مبشرين ومنذرين. ثم خلفهم العلماء. وقد كان العلماء كلهم يذكرون بفتاويهم وعلمهم" (٢).
وقد اقتضت حكمة الله تعالى المعالجة، لطبيعة النفس البشرية، أن تتعدد الأساليب التربوية في القرآن الكريم والسنة النبوية وتتنوع، حتى يتربَّى الإنسان من خلالها، ويعدِّل سلوكه، ويرتقي بنفسه، لأن "كل لون من هذه الألوان ينفذ إلى النفس من أحد منافذها، ويلعب على بعض أوتارها حتى يغادر الإنسان في النهاية، ولم يبق منفذ واحد لم ينفذ إليه، ولا وتر واحد لم يوقع عليه، ولا جانب ولا اتجاه" (٣).
وأهم الأساليب التربوية التي ذكرها ابن الجوزي هي:
أسلوب القدوة، أسلوب الكتابة والتأليف (الأسلوب المباشر)، أسلوب القصة، أسلوب الوعظ، أسلوب الترويح عن النفس، أسلوب ملء وقت الفراغ، وأسلوب الثواب والعقاب. وسأركز على الأساليب التربوية المتعلقة بتربية الأطفال، لارتباطها بموضوع هذا الفصل.
_________________
(١) معنى سكر: "وسكر النهر يسكره سكرًا: سد فاه. وكل شق سدَّ، فقد سُكِر، والسكر ما سدَّ به. والسكر: سد الشق ومنفجرِ الماء، والسكر: اسم ذلك السداد الذي يجعل سدًا للشق ونحوه". ومعنى الماء الساكر: الساكن الذي لا يجري، وقد سكر سكورًا. وسَكَرَ البحرُ: رَكَدَ". مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الرابع، ص ٣٧٥.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب القُصاص والمذكرين. (تحقيق) الصباغ، د. محمد، لطفي، ص ١٧٣ - ١٧٤.
(٣) مرجع سابق، قطب، محمد. منهج التربية الإسلامية. الجزء الأول، ص ٢٢١.
[ ٢٢٢ ]
١ - أسلوب التربية بالقدوة:
يعتبر الرسول - ﷺ - هو القدوة الحقيقية للمسلمين، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). وقال ابن الجوزي: "وأنفع العلوم النظر فى سيرة الرسول - ﷺ - وأصحابه" (٢) واقتبس هنا قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٣).
وبما أن النفوس البشرية جُبلت على حب الصالحين والاقتداء بهم، فقد بين ابن الجوزي التأثير الفعلي للقدوة في النفس، فقال: "لقيت مشايخ، أحوالهم مختلفة يتفاوتون في مقاديرهم في العلم. وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه، وإن كان غيره أعلم منه" (٤). وقوله أيضًا: "الاستدلال بالفعل أقوى من الاستدلال بالقول، فإن الطبيب إذا أمر بالحمية ثم خَلط لم يُلتفَت إلى قوله" (٥). وقد كان رسولنا الكريم - ﷺ - قدوة أصحابه فقد كانوا "يرونه -وهو بشر منهم- تتمثل فيه هذه الصفات كلها وهذه الطاقات فيصدقون هذه المبادئ الحية، لأنهم يرونها رأي العين ولا يقرأونها في كتاب! ويرونها في بشر، فتتحرك لها نفوسهم وتهفو لها مشاعرهم. ويحاولونَ أن يقبسوا قبسات من الرسول .. كل بقدر ما يطيق أن يقبس، وكل بقدر ما يحتمل كيانه الصعود. لا ييأسون ولا ينصرفون .. ولا يدعونه حلمًا مترفًا لذيذًا يطوف بالأفهام .. لأنهم يرونه واقعًا يتحرك في واقع الأرض. ويرونه سلوكًا عمليًا لا أماني في الخيال" (٦).
كذلك وضح ابن الجوزي أهمية القدوة في حياة المسلم، ودورها في المحافظة على سلوكه القويم أمام الآخرين، حتى يحصل التأثير
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية ٢١.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٦٦.
(٣) سورة الأنعام، الآية ٩٠.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٣٤.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى، الجزء الثاني، ص ٢٠٤.
(٦) مرجح سابق، قطب، محمد. منهج التربية الإسلامية. الجزء الأول، ص ٢٢٥.
[ ٢٢٣ ]
المطلوب، وفي ذلك يقول: "وحاسب نفسك عند كل نظرة وكلمة وخطوة، فإنك مسؤول عن ذلك، وعلى قدر انتفاعك بالعلم ينتفع السامعون، ومتى لم يعمل الواعظ بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل الماء عن الحجر" (١).
٢ - أسلوب الثواب والعقاب:
كان لابن الجوزي اهتمام بأسلوب الثواب والعقاب عند تعلم الطفل السلوكيات المرغوبة، وحتى يأتي هذا الأسلوب التربوي بالهدف منه في غرس القيم وتعديل السلوك، بطريقةٍ إيجابيةٍ مثمرة، نصح ابن الجوزي المربي الذي اعتبره كالطبيب، أن يكون عالمًا بطبيعة الطفل من كل الجوانب، والأسلوب المناسب الذي يصلحه، فقال: "وأعلم أن الطبيب ينظر إلى سن المعالج ومكانه وزمانه، ثم يصف، فكذلك ينبغي أن تكون رياضة كل شخص على قدر حاله" (٢)، لأن الأطفال -كما سيوضح الفكرة الأستاذ محمد قطب- يتفاوتون في الأسلوب الذي يصلحهم، "فمنهم من تكفيه الإشارة البعيدة فيرتجف قلبه ويهتز وجدانه، ويعدل عما هو مقدم عليه من انحراف، ومنهم من لا يردعه إلا الغضب الجاهر الصريح. ومنهم من يكفيه التهديد بعذاب مؤجل التنفيذ. ومنهم من لابد من تقريب العصا منه حتى يراها على مقربة منه. ومنهم بعد ذلك فريق لابد أن يحس لذع العقوبة على جسمه لكي يستقيم" (٣).
لذلك لابد من المعرفة الدقيقة لطبيعة نفسية الطفل، حتى يسهل استخدام الأسلوب المناسب معه عند ثوابه أو عقابه.
وقد حثَّ ابن الجوزي على البدء بأسلوب الثواب، فقال: "وينبغي أن يتلطف بالصبي، قال رجل لسفيان الثوري: نضرب أولادنا على الصلاة؟ قال: بشرهم" (٤). وذلك لأن أسلوب الثواب أقوى وأبقى أثرًا
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥٩.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٣.
(٣) مرجع سابق، قطب، محمد. منهج التربية الإسلامية. الجزء الأول، ص ٢٣٦.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٣.
[ ٢٢٤ ]
في نفس الطفل، لتشجيعه على السلوك المرغوب، من العقاب الذي يسبب للطفل الألم والإحباط. ثم ينوع المربي بين الثواب والعقاب للطفل حسب حالته والموقف الذي يمر به، وما بين الأطفال من فروق فردية، قال ابن الجوزي في ذلك: "إن الرياضة للنفس تكون بالتلطف والتنقل من حال إلى حالٍ، ولا ينبغي أن يؤخذ أولًا بالعنف، ولكن بالتلطف ثم يمزج الرغبة بالرهبة" (١).
ثم يحدد ابن الجوزي الخطوات المتبعة لتقويم سلوك الطفل، فيوصي أولًا: إذا أخطأ الطفل ثم اجتهد في إخفاء خطئه عن الناس خوفًا من العقاب أو حياء من الخطأ، فعلى المربي أن يتغافل عن إساءته، ولا يظهر معرفته لذلك؛ لأن الطفل أدرك من خوفه وحيائه الخطأ الذي وقع فيه، فهذا خير مهذب له وواقٍ من تكرار الخطأ، قال ابن الجوزي في ذلك: "فإن أساء تغافل عن إساءته، ولا يهتك مؤدبه ما بينه وبينه من الستر ولا يوبخ إلا سرًا" (٢). فإذا عاد الطفل مرةً أخرى لارتكاب الخطأ نفسه، فعلى المربي أن يوبخه ويلومه سرًا، حتى لا يشعر بامتهان كرامته أمام الآخرين. فإذا أقلع عن الخطأ فقد نفعته الموعظة، وإن لم تنفعه وعاد إلى إساءته، وتمكنت فيه الخصال القبيحة، فيصعب التخلص منها، شدد في عقابه حتى يتركها، فإن لم يجدِ معه هذا الأسلوب المعنوي، يلجأ المربي إلى آخر العلاج، وهو الضرب الذي يؤدي إلى صلاحه. قال ابن الجوزي: "فإذا علقت به عادة خبيثة بُولغ في ردعه عنها قبل أن تتمكن. ولا بأس بضربه إذا لم ينفع اللطف" (٣). والضرب الذي ينصح به ابن الجوزي هو من النوع الذي لا يشوه ولا يجرح ولا يؤذي الطفل إيذاءً شديدًا في بدنه أو عقله، وقد دلل ابن الجوزي على دور الضرب المؤدي للصلاح وتعديل السلوك بقول لقمان لابنه: "يا بني ضرب الوالد للولد مثل السماد للزرع" (٤). ولكنه لم يحدد مواصفات الضرب وأنواعه. كما أوصى ابن الجوزي بمعاملة الأطفال المتميزين
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٣٢.
(٢) المرجع السابق، ص ١٣٤.
(٣) المرجع السابق، ص ١٣٤.
(٤) المرجع السابق، ص ١٣٤.
[ ٢٢٥ ]
بحدة الطبع، باللطف والرفق والمعاملة الطيبة، لأن ذلك أجدى في تقويم سلوكهم ووقايتهم من اللجوء إلى العناد والإصرار على الخطأ فقال: "وإذا رآه عَرِمًا (١) في صغره فليتلطف به" (٢). وهذا المبدأ التربوي اشتقه ابن الجوزي من قول الرسول - ﷺ - وقد رواه ابن عباس -واستشهد به ابن الجوزي: "عَرامة الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره" (٣).
مما سبق نجد أن ابن الجوزي، ذكر وسائل وأساليب تربوية عدة لتهذيب سلوك الطفل، وتقويم اعوجاجه بصفة عامةٍ، دون تحديد لما يناسب كل مرحلة من مراحل النمو الإنساني، لأنه كما ذكر د. مقداد يالجن: "تختلف أساليب التربية والتعليم ووسائله بحسب مراحل النمو، فمثلًا الأساليب المناسبة لمرحلة الطفولة، والوسائل المستعملة لعملية التعليم، غير الأساليب والوسائل التي ينبغي أن تستعمل في مرحلة المراهقة، إذ إنها ينبغي أن تكون حسية بقدر الإمكان في المرحلة الأولى، وأن تكون عقلية إدراكيةً في المرحلة الثانية، وقد يقتضي الأمر الجمع بين الوسيلتين في بعض الموضوعات التعليمية" (٤).
لذلك لابد من تحديد الوسيلة المناسبة للمرحلة العمرية، التي تتناسب مع خصائص نموها.
وربما لم يحدد ابن الجوزي الأسلوب التربوي المناسب لكل مرحلة، لأنه لم يكتب في جوانب التربية كتاباتٍ متخصصة كما يكتب المتخصصون في هذا العصر.
_________________
(١) معنى عرمًا: "والعرام: الشدة والقوة والشراسة. وعَرَمَنا الصبيُّ وعَرَمَ علينا وعرم يعرِم ويعرُم عَرامة وعرامًا: أشر. وقيل: مرِح وبطِر، وقيل: فسد". ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثاني عشر، ص ٣٩٥.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤.
(٣) مرجع سابق، الهندي، علي، المتقي. منتخب كنز العمال فى سنن الأقوال والأفعال هامش مسند الإمام أحمد بن حنبل. (وضع فهارسه) محمد، ناصر الدين، الألباني، الجزء الأول، ص ٢٣٩. تخريج هذا الحديث في الباب الخامس، الفصل الأول من البحث وهو حديث ضعيف.
(٤) مرجع سابق، يالجن. بناء البيت السعيد فى ضوء الإسلام. ص ١٣٩ - ١٤٠.
[ ٢٢٦ ]
د- التوجيه التعليمي للأطفال عند ابن الجوزي:
تناول ابن الجوزي التوجيه التعليمي عند الأطفال بشيء من التفصيل، بينما أغفله في مرحلة البلوغ والشباب. وقد حدد سن الخامسة من عمر الطفل بداية التعليم المنظم المقصود، فقال: "فأما تدبير العلم فينبغي أن يحُمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل بالقرآن والفقه وسماع الحديث" (١). بينما خالفه علماء التربية وعلم النفس المحدثون وحددوا بداية مرحلة التعليم من "سن ٦ - ٩ سنوات" (٢). أما في تاريخنا التعليمي السابق فقد ذكر د. الأهواني مجمل آرائهم فقال: "لم يكن هناك سن معينة يبدأ عندها الطفل في تلقي العلم، وإنما كان الأمر متروكًا لتقدير آباء الصبيان، فإذا وجدوا أن الطفل بدأ في التمييز والإدراك، دفعوا به إلى الكتاب. عن أبي بكر بن العربي قال: "وللقوم في التعليم سيرة بديعة وهو أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب". ونحن نرجح أن هذه السن لم تكن محدودة، بل كانت تشمل مرحلة بين الخامسة والسابعة، تبعًا لاختلاف نضج الصبيان وتقدمهم في الفهم والتمييز" (٣).
ومن هنا نرى أن ابن الجوزي كان يسير على نهج العلماء المسلمين نفسه في تحديد سن الدراسة. كذلك بين ابن الجوزي أن وقت الصغر -دون تحديد السن- أفضل سنوات عمر الإنسان لحفظ العلم، فقال في ذلك: "وللحفظ أوقات من العمر، فأفضلها الصبا (٤) وما يقاربه من
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٤٤.
(٢) أ - مرجع سابق، زهران. علم نفس النمو. ص ٢٠٦. ب - صالح، د. أحمد، زكي. علم النفس التربوي. القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثالثة عشر، ص ١٣٩. جـ - مرجع سابق، الغريب، د. رمزية. التعلم. ص ٥١١.
(٣) الأهواني، د. أحمد، فؤاد. التربية في الإسلام. القاهرة، دار المعارف، دون طبعة وتاريخ، ص ٥٩.
(٤) معنى الصبا: "والصبوة: جمع الصبي، والصبية لغة، والمصدر الصبا: يقال رأيته في صباهِ أي في صغره. وقال غيره: رأيتهُ في صبائهِ أي في صغرهِ". مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الرابع عشر، ص ٤٥٠.
[ ٢٢٧ ]
أوقات الزمان" (١). ويستمر إلى خمس عشرة سنة، فقال في ذلك: "ليحصِّل له وليه المحفوظات أكثر من المسموعات، لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة سنة" (٢). ورأي ابن الجوزي في الحفظ يؤكد ما أثبته علم النفس من أن ذاكرة الطفل في هذه السن، تنمو بصورةٍ مستمرةٍ وسريعةٍ -إذا استمر في ممارسة الحفظ-، وتتميز بالوعي والإدراك لاستيعاب المعلومات وحفظها إلى سن خمس عشرة سنة بدرجة أكبر، وهذا لا يعني أن قدرة الطفل على الحفظ تتوقف بعد هذه السن، ولكنها تقل عما كانت بسبب الانشغال بالأمور المعيشية والحياتية للإنسان. وقد أكد د. فؤاد البهي ذلك بقوله: "ويستمر النمو بالتذكر المباشر حتى يبلغ ذروته في السنة الخامسة عشرة لميلاد الفرد، ثم يضعف وينحدر في سرعته وقوته ومداه" (٣). إذا توقفت القدرة الحافظة عن ممارسة الحفظ، وكذلك القدرات الأُخرى، لذا ينبغي الاهتمام بالطفل في هذه السن واستغلال قدرته على الحفظ، في حفظ القرآن الكريم.
وبما أن الطفل في هذه السن مهيأ عقليًا للتعلم، فقد وضع له ابن الجوزي بعض التوجيهات التعليمية التي تتناسب وقدراته واستعداداته ونموه العقلي. كما حدد بعض المبادئ التربوية. التي ينبغي أن يراعيها المعلم قبل تعليمه الأطفال، وتلك المبادئ هي:
١ - أن يكون المعلم عالمًا بخصائص نمو الأطفال واستعدادتهم وقدراتهم، وكيفية توجيه كل طفل على حسب نمو هذه الخصائص لديه. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إن الطبيب ينظر إلى سن المعالج ومكانه وزمانه، ثم يصف، فكذلك ينبغي أن تكون رياضة كل شخص على قدر حاله" (٤).
٢ - أن يبدأ في تعليمه العلوم الأساسية، ثم العلوم الأقل أهمية،
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٧.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٤٤.
(٣) مرجع سابق، السيد. الأسس النفسية للنمو. ص ٢٧٣.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٣.
[ ٢٢٨ ]
حتى لا ينتهي عمره، وهو لم يحصل العلوم الضرورية، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وإن كان كل العلوم حسنًا، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل" (١).
٣ - أن لا ينتقل من علم إلى آخر، حتى يتقن ما قبله ويستوثق من فهمه، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وأن لا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله " (٢).
٤ - أن يقرن العلم بالعمل. لأنهما السبيل إلى معرفة الله تعالى، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق ﷾، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه، فتلك الغاية المقصودة" (٣).
٥ - أن لا يقتصر على علم واحد، بل يأخذ من كل علم ما يحتاج إليه بقدر يساعده على السير في الحياة الدنيا، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إنه لما علم أن العمر لا يسع الكل، أخذ ما يحتاج إليه من الكل زادًا لمسيره" (٤) وقوله أيضًا: "ينبغي لكل ذي علم أن يلمَّ بباقي العلوم، فيطالع منها طرفًا، إذ لكل علم بعلم تعلق" (٥). وهذا يدلنا على رأي ابن الجوزي في اتصال وارتباط العلوم بعضها ببعض دون تجزئة أو فصل.
٦ - مراعاة الفروق الفردية بين الأفراد، لقول ابن الجوزي: "ما أكثر تفاوت الناس في الفهوم، حتى العلماء يتفاوتون التفاوت الكثير في الأصول والفروع" (٦).
وقوله بشأن الحفظ: "والناس يتفاوتون في ذلك؛ فمنهم من يثبت
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٨.
(٢) المرجع السابق، ص ١٧٨.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٣.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٩.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٣٩.
(٦) المرجع السابق، ص ٤٧٥.
[ ٢٢٩ ]
معه المحفوظ مع قلة التكرار. ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير. فينبغي للإنسان أن يعيد بعد الحفظ، ليثبت معه المحفوظ" (١). وقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول - ﷺ -: "تعاهدوا القرآنَ فإنه أشد تفصيًا من صدورِ الرجالِ من النعَمِ من عقلِها" (٢).
وقوله أيضًا: "لا ينبغي أن يُكلمَ كل قوم إلا بما يفهمون" (٣). وقد استشهد بقول علي بن أبي طالب - ﵁ -: "حدثوا الناسَ بما يعقلون. أتحبون أن يُكذبَ اللهُ ورسولُه" (٤). وهذه القاعدة التي قررها ابن الجوزي يشهد لها حديث آخر نذكره وإن لم يستشهد به ابن الجوزي، عن عائشة -﵂- أنها قالت: "أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننزلَ الناسَ منازلَهم" (٥). وعن عبد الله بن مسعود قال: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغهُ عقولُهم، إلا كان لبعضهم فتنة" (٦).
وقد قسم ابن الجوزي المنهج التعليمي إلى مرحلة ما قبل الدراسة النظامية أو الإلزامية، ومرحلة ما بعد هذه المرحلة.
١ - المنهج التعليمي في مرحلة ما قبل الدراسة النظامية:
لم يحدد ابن الجوزي السن الملزمة لدراسة هذا المنهج، ولكنه ركز فيه على غرس العقيدة الإسلامية الصحيحة من خلال التأمل في خلق
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ٢١.
(٢) المرجع السابق، ص ٢١.
(٣) ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. أخبار الحمقى والمغفلين. بيروت، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الخامسة، ١٤٠٣ هـ -١٩٧٣ م، ص ١٢٥.
(٤) المرجع السابق، ص ١٢٥. وقد ورد لفظ الحديث في. فتح البارى بشرح صحيح البخاري. "حدثوا الناس بما يعرفرن، أتحبون أن يكذب الله ورسوله". الجزء الأول، ص ٢٢٥، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، حديث ٤٩.
(٥) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٦، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.
(٦) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ١١، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.
[ ٢٣٠ ]
السماوات والأرض، ومعرفة الخالق ﵎. قال ابن الجوزي: "وأول ما ينبغي النظر فيه: معرفة الله تعالى بالدليل، ومعلوم أن من رأى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، وشاهد الأبنية المحكمة، خصوصًا في جسد نفسه، علم أنه لابد للصنعة من صانع، وللمبني من بانٍ" (١).
وقد استدل على ذلك من الآيات القرآنية، التي تدعو إلى النظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (٢).
ثم بعد معرفة الخالق من خلال مخلوقاته، يُوجه لمعرفة الرسول - ﷺ - والكتاب المنزل عليه. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ثم يتأمل دليل صدق الرسول - ﷺ -، إليه وأكبر الدلائل القرآن، الذي أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله، فإذا ثبت عنده وجود الخالق جل وعلا، وصدق الرسول - ﷺ -، وجب تسليم عنانه إلى الشرع، فمتى لم يفعل ذلك دل على خلل في اعتقاده" (٣).
في هذه النقطة ينصح ابن الجوزي بلفت نظر الطفل إلى إعجاز القرآن الكريم، ولكنه لم يوضح السن المناسبة، والطريقة الصحيحة التي يتم من خلالها توصيل الشعور بهذا الإعجاز القرآني إليه، بحيث يدركه الطفل، وتتحرك مشاعره نحو الله تعالى لتقديره وتقديسه والإيمان به، وأعتقد أن هذه النقطة ممكن تأجيلها إلى مرحلة لاحقة حتى تكبر مدارك الطفل ويستوعب هذا الإعجاز بوعي وفهم واقتناع. فإذا تأكد المربي من فهم الطفل لهذين الأمرين، واستوثق من يقينه بالله تعالى ورسوله - ﷺ - وكتابه الكريم، فعليه أن يعلمه الفرائض والواجبات التي يحتاجها في حياته اليومية، وقد قال في ذلك ابن الجوزي: "ثم يجب عليه أن يعرف ما يجب عليه من الوضوء والصلاة والزكاة -إن كان له مال- والحج
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٤.
(٢) سورة الغاشية، الآية ١٧ - ٢٠.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٤.
[ ٢٣١ ]
وغير ذلك من الواجبات. فإذا عرف قدر الواجب قام به" (١) ثم إذا عرف الطفل هذه الأمور بوعي وفهم وتدبير، انتقل إلى المرحلة الثانية وهي:
٢ - المنهج التعليمي الإلزامي
لم يحدد ابن الجوزي السن المناسبة لبداية تعليم هذا المنهج، ولكنه ذكر أن أول ما ينبغي تعليمه للطفل هو حفظ القرآن الكريم، ولا يقصد ابن الجوزي أن يحفظ القرآن كله، لأنه يدرك تمامًا أن قدرات الطفل لا تسمح بذلك، وإنما يتم حفظه على أجزاء. وقد قال في ذلك: "وأول ما ينبغى أن يكلف حفظ القرآن متقنًا، فإنه يثبت ويختلط باللحم والدم" (٢).
وقد حث ابن الجوزي على حفظ القرآن الكريم، لأن الطفل لديه القدرة على الحفظ الذي يثبت في ذاكرته، ومع حفظ القرآن الكريم، لابد من فهم معانيه وتفسير آياته بما يتناسب مع نمو الطفل ودرجة إدراكه واستيعابه هذه المعاني. ومن خلال الحفظ والتفسير، يرسخ في عقله وقلبه، ويختلط باللحم والدم، الذي يدعو للتطبيق الواعي. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم، كان الفهم لمعانيه أرفع الفهوم، لأن شرف العلم بشرف المعلوم" (٣).
وقول ابن الجوزي: "فيبتدئ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظرًا متوسطًا، لا يخفي عليه بذلك شيء، وإن صح له قراءة القراءات السبعة وأشياء من النحو وكتب اللغة وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك" (٤).
وقد وضح ابن الجوزي أيضًا أن حفظ الطفل للقرآن، لابد أن يصاحبه فهم لحقيقته كما أرادها الله تعالى، فقال: "المراد حفظ القرآن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٤.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٤٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. زاد المسير في علم التفسير. الجزء الأول، ص ٣.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٦٩.
[ ٢٣٢ ]
وتقويم ألفاظه ثم فهمه ثم العمل به ثم الإقبال على ما يصلح النفس ويطهر أخلاقها، ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع" (١).
ونلاحظ من قول ابن الجوزي، أنه دلنا على الطريقة الصحيحة لدراسة القرآن الكريم وما ينتج من حفظه، من تقويم ألفاظ الطفل للغة العربية، ثم فهم معانيه من خلال تفسير آياته، وبعد الفهم الواعي للاْحكام، يتم التطبيق والعمل به، بما يطهر النفس البشرية ويهذبها ويقوم سلوكها، ويرقي خلقها، من خلال أسلوب القرآن الذي يجمع بين الوعد والوعيد، والقصص والأمثال. فتسري روح القرآن في نفس الطفل وقلبه، فتغمره بنورها في أفكاره ومداركه وحواسه، فيتشبع الطفل به، ويتخلق بأخلاقه ويسمو بآدابه.
وبعد أن يتقن الطفل الكريم حفظًا وفهمًا وعملًا، ينظر في سيرة الرسول - ﷺ -، فقال ابن الجوزي: "أنفع العلوم النظر قي سيرة الرسول - ﷺ - وأصحابه" (٢). وذلك حتى يقتدي الطفل بالرسول - ﷺ - في سلوكه وخلقه وعلمه، وفى كل ما يتعلق بحياته العامة والخاصة، لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣).
وقد حذر ابن الجوزي من عادات أصحاب الحديث لأنهم "يفنون الزمان في سماع الأجزاء التي تتكرر فيها الأحاديث، فيذهب العمر، وما حصلوا فهم شيء. فإذا بلغوا سنًا طلبوا جواز فتوى، أو قراءة جزء من القرآن، فعادوا القهقهري، لأنهم يحفظون بعد كبر السن فلا يحصل مقصودهم" (٤). وهناك نوعيات أخرى من أصحاب الحديث ذكرهم ابن الجوزي بقوله: "فمنهم من يتشاغل بالحديث وعلمه وتصحيحه ولعله لا يفهم جواب حادثة، ولعل عنده للحديث مائة طريق. ومنهم من يجمع الكتب ويسمعها ولا يدري ما فيها، لا من صحة حديثها، ولا من فهم
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. تلبيس إبليس. ص ١١٢.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٦٦.
(٣) سورة الأحزاب، الآية ٢١.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٤٤.
[ ٢٣٣ ]
معناها، فتراه يقول الكتاب الفلاني سماعي، وعندي له نسخة والكتاب الفلاني والفلاني، فلا يعرف علم ما عنده من حيث فهم صحيحه من سقيمه، وقد صده اشتغاله بذلك عن المهم من العلم .. ثم ترى منهم من يتصدر بإتقانه للرواية وحدها فيمد يده إلى ما ليس من شغله، فإذا أفتى أخطأ، وإن تكلم في الأصول خلط" (١).
وحتى لا يضيع عمر الطفل ووقته وجهده في علم لا يفيده في دنياه وآخرته، بين ابن الجوزي ما ينبغي دراسته في مجال علوم الحديث والسنة لمن فارق سن الطفولة، فقال: ". . . وابتدا بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك، وقد رتبت العلماء من ذلك ما يستغني به الطالب عن التعب، ولينظر في التواريخ ليعرف ما لا يستغنَى عنه كنسب الرسول - ﷺ - وأقاربه وأزواجه وما جرى له" (٢).
ثم يدرس قواعد اللغة العربية، حتى يستطيع أن يفهم معاني القرآن الكريم وتفسيره، وأحاديث الرسول - ﷺ - وألفاظه. فيرى ابن الجوزي أن يدرس "مقدمة من النحو يعرف بها اللحن" (٣)، و"يعرف بها غريب القرآن والحديث، وما يفضل عن ذلك ليس بمذموم غير أن غيره أهم منه" (٤) وقوله: "ولكن معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب، وهو أمر لازم، وما عدا ذلك فضل لا يحتاج إليه" (٥). ثم يرى ابن الجوزي أن يدرس الفقه، لأنه كما يقول "عمدة العلوم" (٦)، "وأصل العلوم" (٧). وقال أيضًا بشأن الفقه "وليعلم أن الفقه عليه مدار العلوم" (٨).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) المرجع السابق، ص ١٦٩ - ١٧٠.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٤٤.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ٢٣.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. تلبيس إبليس. ص ١٢٦.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ٢٣.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٥.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٦٩.
[ ٢٣٤ ]
والفقه في الاصطلاح الشرعي: "هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، أو هو مجموعة الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية" (١). كذلك يرى ابن الجوزي أن "أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه، علم أنه أفضل العلوم" (٢). وثمرة الفقه التي يقصدها ابن الجوزي هي حصيلة أو مجموع الأحكام الشرعية التي يحتاجها المسلم في حياته العامة والخاصة بعد أن جعل أصله الفهم الصحيح لعلم العقيدة. لقول ابن الجوزي: "وأول ما ينبغي النظر فيه: معرفة الله تعالى بالدليل. . . ." (٣).
ثم بين ابن الجوزي طريقة دراسة الفقه فقال: "ليقبل على الفقه، فلينظر في المذهب والخلاف، وليكن اعتماده على مسائل الخلاف، فلينظر في المسألة وما تحتوي عليه، فيطلبه من مظانه، كتفسير آية وحديث وكلمة لغة. ويتشاغل بأصول الفقه وبالفرائض وليعلم أن الفقه عليه مدار العلوم" (٤). وحتى يكون الفقيه متمكنًا من علمه، يجب أن تكون لديه القدرة على الفهم الدقيق ثم الاستنباط، ثم الترجيح، ولابد أن يتزود من بعض العلوم بالقدر الذي يحتاجه ويساعده في التمكن من علمه، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "للفقيه أن يطالع من كل فن طرفًا، من تاريخ وحديث ولغة وغير ذلك، فإن الفقيه يحتاج إلى جميع العلوم، فليأخذ من كل شيء منها مهمًا" (٥) فعبارة ابن الجوزي "جميع العلوم" تدل على جميع العلوم الموجودة في عصره والتي يحتاجها الفقيه في التمكن من علمه.
وحتى يحصل المتعلم على فائدة العلم، ومتعة النفس، التي تدفعه للعمل بما تعلم، لابد من الإلمام بالرقائق، والاقتداء بالصالحين في سلوكهم، حتى يمزج العلم المجرد المقتصر على الأحكام، بالرقائق،
_________________
(١) خلاف، عبد الوهاب. علم أصول الفقه. الكويت، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة العاشرة، ١٣٩٢ هـ- ١٩٧٢ م، ص ١١.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٦٢.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفنة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٤.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٦٩.
(٥) المرجع السابق، ص ٤٣٨.
[ ٢٣٥ ]
والأحاديث التي تخاطب العاطفة والوجدان، فتنفعل بها النفس البشرية، وتحفزها للعمل بها، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج معناها بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين. لأنهم تناولوا مقصود النقل وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها .. ولا يصلح العمل مع قلة العلم" (١). كما حبذ ابن الجوزي تعليم الطفل الشعر العفيف، الذي يُنبت في قلبه العفة والطهر، والشعر الذي يحث على مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال، ومعالي الأمور، حتى ينشأ الطفل كريم النفس، قويم الخلق، عالي الهمة. ويجُنب شعر الغزل حتى لا يفسد الطفل، ويكون همه إشباع الشهوات، والجري وراء الملذات. وقال في ذلك: "وليجننه أشعار الغزل، لأنها بذور الفساد، ولا يمنع من أشعار السخاء والشجاعة ليمجد وينجد" (٢).
ونلاحظ أن المنهج التعليمي الذي وضعه ابن الجوزي، يركز على العلوم الإسلامية، وينتقد بشدة من يقضي عمره في تعلم العلوم التي لا تفيد، لأنه يرى أن يبدأ بالأهم من العلوم ثم المهم، وقال في ذلك: "وإن كان كل العلوم حسنًا، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل" (٣) وذلك لأنه -كما يقول أيضًا: "قد علم قصر العمر وكثرة العلم" (٤). لذلك ينبغي أن يركز على العلوم التي تهدف إلى مرضاة الله تعالى، وقال في ذلك: "ثم ينظر في مقصود العلوم، وهو المعاملة لله سبحانه والمعرفة به والحب له" (٥).
وهنا لنا وقفة في تركيز ابن الجوزي على تعليم العلوم الإسلامية واعتبارها الوحيدة المؤدية لمرضاة الله تعالى، مع أن جميع العلوم الأُخرى غير الدينية كالفيزياء والهندسة وغيرها تؤدي إلى مرضاة الله تعالى إذا نوى الإنسان ذلك. وبسبب هذا الفهم الخاطئ تعثرت الأُمة الإِسلامية
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢١٦.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٨.
(٤) المرجع السابق، ص ١٦٩.
(٥) المرجع السابق، ص ٣١٠.
[ ٢٣٦ ]
واعتمدت اعتمادًا كاملًا على الدول الغربية في معطيات الحضارة الحديثة. وأصبحت عاجزةً عن مواكبة هذه التقنية الحديثة بسبب جهل أبنائها وحصر تعليمهم في العلوم الشرعية فقط وتنفيرهم من العلوم الدنيوية الأُخرى.
والعلوم التي انتقدها ابن الجوزي هي: علم النجوم، (علم الفضاء الآن)، الكيمياء، علم الكلام. وقد اعتبر ابن الجوزي علم الفلك من العلوم التي ينبغي تعلمها بالقدر الذي يساعد لمعرفة الأوقات فقط، وقد قال في ذلك: "وما أبله من يقطع عمره في معرفة علم النجوم، وإنما ينبغي أن يعرف عن ذلك اليسير والمنازل لعلم الأوقات" (١).
كذلك انتقد بشدة علم الكيمياء بقوله: "وأبله من هؤلاء من يتشاغل بعلم الكيمياء، فإنه هذيان فارغ. وإذا كان لا يتصور قلب الذهب نحاسًا لم يتصور قلب النحاس ذهبًا. فإنما فاعل هذا مستحل للتدليس على الناس في جمع النقود. هذا إذا صحَّ له مراده" (٢).
أما علم الكلام فقد نهى عن الخوض فيه، لما يترتب عليه من إفساد العقيدة الصحيحة للإنسان وقال فيه: "ما نهى السلف عن الخوض في الكلام إلا لأمر عظيم، وهو أن الإنسان يريد أن ينظر ما لا يقوى عليه بصره، فربما تحير فخرج إلى الحجب، لأنا إذا نظرنا في ذات الخالق حار العقل وبهت الحس، فهو لا يعرف شيئًا لا بداية له، إنه لا يعلم إلا الجسم والجوهر والعرض، فإثبات ما يخرج عن ذاك لا يفهمه" (٣).
ولابد من وقفة متأنية لمناقشة رأي ابن الجوزي في علم النجوم، وعلم الكيمياء، وعلم الكلام. فرأيه في علم النجوم يعتبر إلى حد ما صحيح، لأنه حريص على سلامة عقيدة المسلم، من الجهل والخرافة، لاسيما أنه في التنجيم "يحاول المشتغلون به ربط تحركات الكواكب بما يحدث للإنسان من أحداث سعيدة أو غير سعيدة ومحاولة استشارة النجوم
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣١٠.
(٢) المرجع السابق، ص ٣١٠ - ٣١١.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٦٦.
[ ٢٣٧ ]
والوصول إلى التنبؤ بالغيب" (١). فخوفًا على عقيدة المسلم، حدد له ابن الجوزي تعلمه بقدر الحاجة إليه، وإن كان علم النجوم في عصر ابن الجوزي يعني التنجيم، فإنه في عصرنا يعني علم الفضاء وهو من العلوم المهمة التي نبغ فيها الغربيون.
أما رأيه في علم الكيمياء -فأعتقد- أنه جَانَبَ الحق والصواب، فعلم الكيمياء يبحث في المعادن بأنواعها، والصناعات المختلفة ومن أهم جوانبه صناعة الأدوية، والمواد العضوية على اختلافها، وجميع هذه المواد خلقها الله تعالى لفائدة الإنسان، وسخر له ما فيها لسد حاجاته، وتيسير أمر معاشه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢). بالإضافة إلى أنها من دلائل الإيمان بوجود الله تعالى.
ومن هنا نجد أن نقد ابن الجوزي الشديد لتعلم هذا العلم في غير موضعه.
يعتبر ابن الجوزي من المتعصبين للمذهب الحنبلي، لذلك فرأيه في علم الكلام الفلسفي مطابق لرأي الإمام أحمد بن حنبل الذي قال: "علماء الكلام زنادقة" (٣).
وهناك فرق بين علم الكلام الفلسفي، وعلم التوحيد في إطار القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وعلم التوحيد هو العلم الذي يبحث في أدلة إثبات وجود الله تعالى ذاتًا وصفات دون تأويل أو تحريف، وهذا منهج أهل السنة والجماعة. وهو (أي علم التوحيد) من العلوم الواجب معرفتها والاشتغال بها. لذلك فرأي أبن الجوزي في علم الكلام إذا خالف منهج أهل السنة والجماعة صحيح لا غبار عليه، حفاظًا على عقيدة المسلم.
_________________
(١) الدفاع، د. علي، عبد الله. العلوم البحتة في الحضارة العربية والإسلامية. ببروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م، ص ٣٤٨، نقلًا من كتاب. عصر الإسلام الذهبي. للمؤلف علي محمد رضا.
(٢) سورة الحديد، الآية ٢٥.
(٣) لبن، علي. الغزو الفكري في المناهج الدراسية. المنصورة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، ص ٤٦.
[ ٢٣٨ ]
هـ - الفروق الفردية بين الأطفال عند ابن الجوزي:
معنى الفروق الفردية: "هي تلك الصفات التي يتميز بها كل إنسان عن غيره من الأفراد، سواء أكانت تلك الصفة جسمية أو عقلية أم مزاجية. أم سلوكية نفسية أو اجتماعية" (١).
وسنذكر أهم الفروق الفردية التي تعرض لها ابن الجوزي.
١ - الفروق الفردية في قدرة الأطفال على التعلم:
يرى ابن الجوزي أن الأطفال يتفاوتون في قدرتهم على التعلم، فالطفل الذكي النبيه يتعلم بسهولة، والطفل الأقل ذكاء يتعلم بصعوبة، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وأمارة فلاح الصبي وفساده تبين من طفولته، فالنجيب (٢) منهم ينتبه بالتعلم، والذي ليس بنجيب لا ينفعه التعلم، كما لا يصير الهجين (٣) بالرياضة نجيبًا" (٤).
والقدرة على التعلم استعداد فطري وراثي، يساعد على التعلم الجيد، إذا وجد العناية والرعاية الكافية، وإذا أهمل تعرضت نجابته للضياع، والتربية لا تستطيع إيجاد شيء من العدم، ولكنها تساعد على نمو ما هو موجود فعلًا، مثل الهجين لا يتحول بالتربية إلى أصيل كريم. وقد عرف بعضهم "أمثال كولفن " الذكاء: بأنه "استعداد الفرد وقدرته على التعلم" (٥). وقد أكد ابن الجوزي هذا المفهوم، ووضح أن الأطفال يتفاوتون في مقدار ذكائهم من خلال قدرتهم على التعلم، متفقًا بذلك مع "كولفن" في تعريفه، فقال ابن الجوزي: "يتفاوت الصبيان بعد ذلك،
_________________
(١) الهاشمي، د. عبد الحميد، محمد. الفروق الفردية. بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، ص ٧.
(٢) النجيب: "من الرجال الكريم الحسيب، ابن الأثير، النجيب: الفاضل من كل حيوان". مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الأول، ص ٧٤٨.
(٣) الهجين: هو "العرب ابن الأَمَة لأنه معيب، قال الأزهري: الهجين من الخيل الذي ولدته برذونة من حصان عربي". مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثالث عشر، ص ٤٣١.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٣.
(٥) مرجع سابق، الهاشمي، د. عبد الحميد. الفروق الفردية. ص ١٢٤.
[ ٢٣٩ ]
منهم من يحتاج إلى محرض وهم الأكثر، ومنهم من تنبهه بأيسر تنبيه، ومنهم من يتعب معه الرائض وجبلته لا تقبل الرياضة" (١).
كذلك بين ابن الجوزي أن هناك تفاوتًا واضحًا في أنواع النشاط العقلي للأطفال والقدرات الطائفية التي تظهر بينهم أثناء التعلم. فمن الأطفال من لديه القدرة العددية في إجراء العمليات الحسابية، ومنهم من لديه القدرة على الخط والكتابة ولكنه لا يحسن الحساب، ومنهم من لديه القدرة على الحفظ الجيد ولكن ليس لديه القدرة على الكتابة. ومنهم من لا يجيد شيئًا. وفيهم قال ابن الجوزي: "فمن الصبيان بليد الذهن يطول مكثه في المكتب ويخرج وما فهم شيئًا" (٢) وهذا الصنف من الأطفال شبهه ابن الجوزي بالذي: "لا يعلم وجوده، ولا نال المراد من كونه" (٣) وقوله أيضًا: "ومن الصبيان من علق بشيء من الخط، لكنه ضعيف الاستخراج، رديء الكتابة، فخرج ولم يعلق إلا بقدر ما يعلق به حساب معاملته" (٤) وقوله: "ومنهم من جود الخط ولم يتعلم الحساب، وأتقن الآداب حفظًا" (٥).
٢ - الفروق الفردية بين الأطفال في السلوك:
إن السلوك القويم عند الطفل يتأثر بدرجة ذكائه وفهمه وإدراكه للأمور، وهذا ما يؤكده ابن الجوزي بقوله: "ومتى اعتدل المزاج وتكامل العقل، أوجب ذلك يقظة الصبي من حال صغره، فتراه يطلب معالي الأمور" (٦).
كذلك يرى ابن الجوزي أن كمال عقل الطفل يحثه على اكتساب فضائل الآداب، ومعالي الأمور، فقال: "وتُخلق له همة عالية، وشرف
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ١٧.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٠٥.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٠٥.
(٤) المرجع السابق، ص ٣٠٦.
(٥) المرجع السابق، ص ٣٠٦.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ١٦.
[ ٢٤٠ ]
نفس، فتحمله على طلب المعالي، وتمنعه ركوب الدنايا، فتراه يحب أن يكون رئيس الصبيان، فإذا ترعرع كان الأدب شعاره من غير تعلم، والحياء لباسه من غير ترهيب" (١).
وكما يتأثر سلوك الطفل بدرجة ذكائه، فإنه يتأثر بقلة ذكائه وصعوبة تعلمه، وسوء تقديره السلوك الصالح، ويصور ابن الجوزي هذا النوع من الأطفال بقوله: "ومن الصبيان من يجمع مع بعد ذهنه، وعدم تعلمه، أذى الصبيان، فهو يؤذيهم. ويسرق مطاعمهم، ويستغيثون من يده، فلا هو صلح، ولا فهم ولا كف عن الشر" (٢). وهذا نتيجة قصور فهمه عن إدراك نفعه، فإنه سلك سلوكًا سيئًا.
ثم بين ابن الجوزي الطريقة التي يستدل بها على علو همة الطفل من ضعفها. فقال: "ويتبين فهم الصبي وعلو همته وتقصيرها باختياراته لنفسه، فإن الصبيان تجتمع للعب، فيقول عالي الهمة من يكون معي، ويقول قاصر الهمة من أكون معه، ومتى علت همة الصبي آثر العلم" (٣).
وهذا يبين أن ذكاء الطفل دفعه إلى سلوك طريق أصحاب الهمم الكبيرة، والآمال العريضة.