قال د. مقداد يالجن: "تناول الإسلام موضوع الإرادة من حيث طبيعتها وروافدها وميادين تدريبها. وأما من حيث طبيعتها فإنها عبارة عن عزم وتصميم لفعل شيء أو تركه، وعلامة الإرادة هي النزوع المباشر إلى الفعل المراد أو إلى اتخاذ أسبابها" (٢)، ثم استشهد د. مقداد بقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ (٣). وعلى هذا فالإرادة لابدّ لها من باعث يدفعها لأداء العمل أو السلوك، وتظهر قيمة هذا الفعل من الإيمان بالله تعالى، وهي التي نعبر عنها بالنية. وقد عرف الفقهاء والعلماء النية بتعريفات عدة منها:
١ - تعريف الفقهاء: "لغة: القصد، وشرعا: قصد الشيء مقترنًا بفعله" (٤).
٢ - تعريف الإمام الغزالي: "إن النية والإرادة والقصد عبارات
_________________
(١) مرجع سابق، يالجن. جوانب التربية الإسلامية الأساسية. ص ٤٤٧.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٥٦.
(٣) سورة التوبة، الآية ٤٦.
(٤) السدلان، د. صالح، بن غانم. النية وأثرها في الأحكام الشرعية. الرياض، مكتبة الخريجي، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ -١٩٨٤ م، الجزء الأول، ص ٩١.
[ ٣٧٤ ]
متواردة على معنى واحد، وهو حالة وصفه للقلب يكتنفها أمران: علم وعمل.
العلم يقدمه لأنه: أصله وشرطه.
والعمل يتبعه لأنه: ثمرته وفرعه، وذلك لأن كل عمل، أعني كل حركة وسكون اختياري، فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم، وإرادة، وقدرة؛ لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه فلابد وأن يعلم، ولا يعمل ما لم يرد فلابد من إرادة. ومعنى الإرادة: انبعاث القلب إلى ما يراه موافقًا للغرض إما في الحال أو في المآل" (١). قال رسول الله - ﷺ -: "إنما الأعمالُ بالنيةِ، وإنما لامرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرتُه إلى اللهِ ورسولهِ، فهجرتُه إلى اللهِ ورسوله. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبُها أو امرأةٌ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٢).
وقد أدرك ابن الجوزي أهمية إخلاص النية لله تعالى في قبول العمل، فقال: "وليعلم المرائي أن الذي يقصده يفوته، وهو التفات القلوب إليه. فإنه متى لم يخلص حُرِم محبة القلوب ولم يلتفت إليه أحد، والمخلص محبوب؛ فلو علم المرائي أن قلوب الذين يرائيهم بيد من يعصيه لما فعل. وكم رأينا من يلبس الصوف، ويظهر النسك لا يُلتفت إليه، وآخر يلبس جيد الثياب ويبتسم، والقلوب تحبه" (٣).
كما بيَّن ابن الجوزي دور النية الخيرة في حثّ الإنسان على الالتزام بالأعمال الصالحة، فقال: "ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة. ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في الخير قائمة، من غير فتورٍ بما يعجز عنه البدن من العمل" (٤).
_________________
(١) مرجع سابق، الغزالي. إحياء علوم الدين. الجزء الرابع، ص ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٥١٥ - ١٥١٦، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ - "إنما الأعمال بالنية"، وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، حديث رقم ١٥٥ - (١٩٠٧).
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٨٧.
(٤) المرجع السابق، ص ٢٠، وفي. صيد الخاطر. (تحقيق) الطنطاويان. ص ٥٠ "بما لا يعجز عنه البدن من العمل".
[ ٣٧٥ ]
ثم أنه بيَّن أهمية تدريب المرء على استحضار النية الخالصة لله تعالى في كل تصرفاته وحركاته وسكناته، فقال: "فلا تعظنَّ إلا بنيةٍ، ولا تمشين إلا بنيةٍ، ولا تأكلنَّ لقمةً إلا بنيةٍ، ومع مطالعة أخلاق السلف ينكشف لك الأمر" (١).
وإذا دُرب الفرد على استحضار النية الطيبة في جميع أعماله، فإننا نكون قد عمَّقنا الناحية الخيرية في الإنسان، ووجهناه الوجهة الإيمانية الصحيحة، بعد أخذ شروط التربية الإرادية في الاعتبار، وشروط التربية الإرادية نذكرها فيما يأتي:
أ - مراعاة طاقة الطفل عند تدريبه:
ينبغي "تجنب تكليف الطفل في ميادين التدريب فوق طاقته، لأن ذلك يؤثر في نموه الطبيعي العام، كما يكوَّن في نفسه عقدًا ضد المربين وضد القيم الإِسلامية" (٢). يقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "وما احتمل من العلم يأمرانه به، وينهيانه عن القبيح، ويحثانه على المكارم؛ فإنه موسم الزرع" (٤).
ب - الاهتمام بتكليف الطفل ما يعقله:
فينبغي عدم تكليف الطفل في بداية نشأته بالأمور التكليفية التي لا يعقلها مثل الصلاة والصوم والحج، لقول الرسول - ﷺ -: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشبَّ، وعن المعتوهِ حتى يعقلَ" (٥). لأن المنهج التربوي الإِسلامي، يهدف إلى تربية الإرادة العاقلة الواعية، لا الإرادة الغافلة. وقد نصح ابن الجوزي بتعليم الطفل الصلاة وتدريبه عليها، حسب ما قررته الشريعة الإِسلامية، فقال:
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥٩.
(٢) مرجع سابق، يالجن. جوانب التربية الإسلامية الأساسية. ص ٤٥٩.
(٣) سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٥٨.
(٥) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح. وهو سنن الترمذي. الجزء الرابع، ص ٣٢، كتاب الحدود عن رسول الله - ﷺ - باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، حديث رقم ١٤٢٣.
[ ٣٧٦ ]
"فليعلمانه الطهارة والصلاة ويضربانه على تركهما إذا بلغ سبع سنين" (١). وقد اقتبس ذلك من قول الرسول - ﷺوإن لم يستشهد به- "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع" (٢). وقال: "يجب عليه أن يعرف ما يجب عليه من الوضوء والصلاة والزكاة -إن كان له مال- والحج وغير ذلك من الواجبات، فإذا عرف قدر الواجب قام به" (٣).
جـ - الاهتمام بتنشئة الطفل على الفضائل والآداب الصالحة:
ينبغي أن يتم تدريب الطفل منذ بداية نشأته، على الفضائل والأخلاقيات والآداب الصالحة، حتى تصبح جزءا من سلوكه وشخصيته. وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "أقوم التقويم ما كان في الصغر، فأما إذا ترك الولد وطبعَه، فنشأ عليه ومرن، كان ردّه صعبًا، ثم المواظبة على الرياضة (٤) أصل عظيم في حق الصبيان، فإن ذلك يفيدهم أن يصير الخير عادة" (٥).