اهتم المربون قديمًا وحديثًا بمعرفة الطبيعة الإنسانية باعتبارها موضوع التربية التي تهتم بصناعة الإنسان، وبقدر معرفَة الصانع أو جهله بموضوعها فإنه سوف ينجح أو يخفق فيها. وقد أدرك ابن الجوزي أهمية معرفة طبيعة خلق الإِنسان في التربية، ففصَّل في هذا الموضوع موضَّحًا أن الإنسان مخلوق متميز بكل صفات الكمال البشري المحدود، فسبحان الله الذي "أنشأ الأبدان من النطف، وحفظ فيها المهج (٤)، ونوَّر العيون فأحسن في تركيبها الدعج (٥)، وأنطق اللسان، فأبان سبل المراد ونهج،
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. أبو الفرج، عبد الرحمن. صيد الخاطر. ص ٢٥٣.
(٢) المرجع السابق، ص ٣٠٢.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٠٣.
(٤) "المهجة: دم القلب، ولا بقاء للنفس بعدما تراق مهجتها. وقيل المهجة الدم"، مرجع سابق، ابن منظور، أبو الفضل، جمال الدين، محمد بن مكرم. لسان العرب. المجلد الثاني، ص ٣٧٠.
(٥) "الدعج والدعجة: السواد، وقيل شدة السواد. وقيل الدعج شدة سواد سواد العين، وشدة بياض بياضها، وقيل: شدة سوادها مع سعتها". المرجع السابق، المجلد الثاني، ص ٢٧١.
[ ١٠٩ ]
وعلم الإِنسان البيان، فإذا خاصم فلج (١) " (٢).
وقد ذكر أن أصل خلقه من طين، مستندًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (٣)، والمراد بالإنسان هاهنا آدم -﵇-. والسلالة -على وزن- فعالة، وهي القليل مما يُسل، فاستل من كل الأرض. وقد روى أبو موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض" (٤).
أ- رأي ابن الجوزي في الجانب المادي
وقد وضح ابن الجوزي خلق الإِنسان فقال: "خلقت الملائكة من نور لا ظلمة فيه، وخلقت الشياطين من ظلمة لا نور فيها، وركب البشر من الضدين، فظلام نفسه مقترن بنور عقله، بينهما حاجز لطيف، لا تعلمه إلا بالمجاهدة" (٥).
إن الكيان البشري ذو طبيعة مزدوجة، فهو قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٦).
"والتحليل المخبري يقول: "إنه لو أرجعنا الإنسان إلى عناصره الأولية، لوجدناه أشبه بمنجم صغير، يشترك تركيبه حوالي (٢٢) عنصرًا، تتوزع بشكل رئيسي على:
١ - أُكسجين (o)، وهيدروجين (H)، على شكل ماء بنسبة ٦٥ -
_________________
(١) "الفلج: الظفر والفوز، وقد فلج الرجل على خصمه يفلج فلجًا. وفالج فلانًا ففلجه يفلجه: خاصمه فخصمه وغلبه. وأفلج الله حجته: أظهرها وقومها". المرجع السابق، المجلد الثاني، ص ٣٤٧.
(٢) ابن الجوزي. أبو الفرج، عبد الرحمن. التبصرة. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى، بيروت، مؤسسة جمال، ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م، الجزء الثاني، ص ١٥٧.
(٣) سورة المؤمنون، الآية ١٢.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. التبصرة. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى الجزء الثاني، ص ١٥٨.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب اللطف في الوعظ. ص ٢١ - ٣٢.
(٦) سورة ص، الآية ٧١ - ٧٢.
[ ١١٠ ]
٧٠ % من وزن الجسم.
٢ - كربون (C)، وهيدروجين (H) وتشكل أساس المركبات العضوية من سكريات ودسم، وبروتينات، وفيتامينات، وهرمونات أو خمائر.
٣ - مواد جافة يمكن تقسيمها إلى:
أ- سبع مواد هي: الكلور (CL)، والكبريت (S)، والفوسفور (P)، والمغنزيوم (MG)، والكالسيوم (Ca)، والبوتاسيوم (K) والصوديوم (Na)، وهي تشكل ٦٠ - ٨٠ % من المواد الجافة.
ب - سبع مواد أُخرى بنسبة أقل هي: الحديد (Fe)، والنحاس (Cu)، واليود (I)، والمغنيز (Mn)، والكوبالت (co)، والتوتياء (Zn)، والمولبيديوم (Mo).
ج - ستة عناصر بشكل زهيد هي: الفلور (F)، والألمونيوم (AL)، والبور (B)، والسيلينيوم (Se)، والكادميوم (Cd)، والكروم (cr) " (١) .
وقبضة الطين هذه تتمثل في مطالب الجسد وحاجاته الضرورية من أكل وشرب وجنس ولبس، وحب جميع متاع الدنيا وزينتها، وهذه التي نعبر عنها بالشهوات حسب التعبير القرآني لقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢). أو حسب مسمى علم النفس "الدوافع الفطرية الإِنسانية".
وقد تطرق علم النفس إلى نوعين من الدوافع هي: "الدوافع الإنسانية المادية الشهوية، والروحية السامية. وكذلك الدوافع الفطرية التي يولد الإنسان مزودًا بها من قبل الله ﷾ في شكل إمكانيات واستعداداتٍ تؤهّله لممارسة دوره ووظيفته المكلف القيام بها من
_________________
(١) دياب، د. عبد الحميد وقرقوز، د. أحمد. مع الطب في القرآن الكريم. دمشق، مؤسسة علوم القرآن، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ -١٩٨٠ م، ص ٧٢ - ٧٣.
(٢) سورة آل عمران، الآية ١٤.
[ ١١١ ]
قِبَل الخالق ﷾" (١). وهذه الشهوات أو الدوافع هي التي أشار إليها ابن الجوزي في قوله "وخُلقت الشياطين من ظلمة لا نور فيها وركب البشر من الضدين" وهذه الظلمة مقصود بها قبضة الطين المقتضية لشهوات الإِنسان ودوافعه.
ب: رأي ابن الجوزي في الجانب الروحي
والجانب الثاني المكوَّن لطبيعة الإنسان، هي النفخة من روح الله تعالى، وهذه النفخة من روح الله تعالى "تتمثل في الجانب الروحي للإنسان. تتمثل في الوعي والإدراك والإرادة. تتمثل في كل القيم والمعنويات التي يمارسها الإنسان" (٢). وهذه النفخة من روح الله .. هي إشراقة النور الرباني الذي تميزت به الملائكة والتي عبر عنها ابن الجوزي بقوله: "خلقت الملائكة من نور لا ظلمة فيه".
فعلى ذلك نجد أن ابن الجوزي يقرر الحقيقة القرآنية حين رأى أن البشر مركب من الضدين .. الطين والروح، لأنه بطبيعته المزدوجة يجمع بين "درجات تختلف بين الشدة واللطف، بين اللهفة والتمهل، بين الغلظة والرقة، بين العتامة والصفاء. أدناها شبيه بالحيوان، وأعلاها صاف رائق جميل. درجات تبدأ عند الطرف الحيواني من الإنسان، فتغلب عليها حركة الجسد الفائر المتلمظة، وتنتهي عند الطرف الملائكي من الإِنسان، فتغلب عليها رقة الروح ونورانية الشعاع" (٣).
ثم وضح ابن الجوزي أن الكائن الإنساني مترابط الأجزاء يعمل عمل الوحدة المتكاملة وبطريقة متداخلة ومتشابكة؛ فلكل عضو من أعضائه دوره الخاص، ووظيفته المكلف أداءها، فالروح في نظر ابن الجوزي "جوهر لا يتجزأ ولا يموت، وقدره جوهر لا قيمة له، وإنما آلات البدن خادم له تعين على السفر، له في زجاجة القلب نار
_________________
(١) السمالوطي، د. نبيل، محمد، توفيق. الإسلام وقضايا علم النفس الحديث. جدة، دار الشروق، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م، ص ٨٦.
(٢) قطب، محمد. دراسات في النفس الإنسانية. بيروت، القاهرة، جدة، دار الشروق، ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م، ص ٤٤.
(٣) المرجع السابق، ص ٤٩.
[ ١١٢ ]
كالسراج، الحياة ضوؤها، والدم دهنها، والحركة نورها، والشهوة حرارتها، والغضب دخانها" (١)، وهو بذلك يعتبر الروح العنصر الأساسي للكائن البشري، وله ارتباط وثيق بجميع جوانب النفس البشرية، فهو مركز الكيان البشري، والمهيمن الأكبر على حياة الإنسان. وقد بَّين الإمام الغزالي للروح معنيين: أحدهما: "أنه جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن، وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به، والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان، والروح مثالها السراج، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه" (٢).
وثانيهما: فهو "اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله:، ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٣)، وهو أمر عجيب رباني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته" (٤)، والمقصود من وصف ابن الجوزي، "إن الروح في ذاته جوهر لا يتجزأ، له في زجاجة القلب نار كالسراج .. الخ العبارة"، ووصفه الغزالي بأنه جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، فينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن" ليس إلا الأوكسجين، الذي يتحد مع خضاب الدم (الهيموجلوبين) الموجود في كريات الدم الحمراء وذلك في أثناء دورة الدم في الرئة .. فينفذ إليها الأوكسجين بواسطة الانتشار من الأسناخ (الحويصلات) الهوائية الموجودة في الرئة، عابرًا الحواجز الرقيقة من جدار الحويصلة الهوائية والشعيرات الدموية المنتشرة حول الحويصلة. ثم ينتقل بواسطة الأوردة الرئوية إلى الأذين الأيسر ومنه إلى البطين الأيسر، ومنه إلى
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب اللطف في الوعظ. ص ٨١.
(٢) مرجع سابق، الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين. الجزء الثالث، ص ٤ - ٥.
(٣) سورة الإسراء، الآية ٨٥.
(٤) مرجع السابق، الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين. الجزء الثالث، ص ٤ - ٥.
[ ١١٣ ]
العروق الضوارب إلى سائر البدن بواسطة الشريان الأبهر (الأورطَى) فينتشر بواسطتها إلى كل خلية في جسم الإنسان ويدخل إلى كل خلية حيث توجد الميتوكوندريا (المقدرة أو المصورة الحية) وهناك يقوم الأوكسجين بوظيفته في إحراق السكر والدهون في عمليات كيميائية بالغة التعقيد. وكما يقوم الأوكسجين بإشعال البنزين في موتور السيارة فيعطيها قوة الدفع والحركة، فكذلك يفعل الأوكسجين في الجسم حيث يحرق السكر والدهن ويحولهما إلى طاقة وثاني أوكسيد كربون وماء .. وهي عملية الاحتراق نفسها التي تحدث في البنزين وفي قطعة الفحم وفي قطعة الخشب" (١).
ج - رأي ابن الجوزي في طبيعة العقل والدماغ وصلتهما بالجسم
وبعد بيان رأي ابن الجوزي في الروح، نبين رأيه في العقل الذي قال فيه: "وقد اتخذ من مقدم الدماغ حارسًا، ومن وسطه وزيرًا، ومن مؤخره حافظًا، وجعل العقل أستاذًا، والحس تلميذًا، وفرق الأعضاء في خدمته رجالًا وركبانًا" (٢).
وقبل أن نحلل ما قاله، لابد من بيان أن كلمة الدماغ أصح وأشمل من كلمة المخ، لأن لفظ المخ "يطلق في الطب على جزء من الدماغ، وأما لفظ الدماغ فيطلق على المخ والمخيخ وجذع الدماغ" (٣).
وقد قسم ابن الجوزي الدماغ إلى ثلاثة أقسام: مقدّم الدماغ ووسطه ومؤخره. وهذا ما أثبته الطب الحديث، وجعله ثلاثة أجزاء رئيسية وهي:
١ - الدماغ المقَدّمي: ويشمل فَصي المخ وبكل فص مراكز هامة، عديدة إذ يكونا مهد الفطنة والذكاء والعبقرية في الإِنسان الذي يمتاز بوساطة المخ المقدمي على باقي المخلوقات، إذ يحكم ويملك ويسيطر، علاوة على وجود مراكز تتحكم في السيطرة على عضلات الجسم الإِرادية
_________________
(١) البار، د. محمد، علي. موت القلب أو موت الدماغ. جدة، الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦ م، ص ٥٤ - ٥٥.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب اللطف في الوعظ. ص ٨٢.
(٣) مرجع سابق، البار، د. محمد، علي. موت القلب أو موت الدماغ. ص ١٠٩.
[ ١١٤ ]
وأُخرى في السيطرة على الإحساسات المتباينة المختلفة وثالثة للحواس وضبط النفس، ولكل مركز أو حاسة جزء خاص به.
٢ - الدماغ المتوسط: وأهميته تأتي من أنه مسؤول عن اليقظة والوعي.
٣ - الدماغ المؤخر: ويتكون من:
أ- قنطرة فارول وهي تربط النخاع الستطيل بالمخ المتوسط والمخيخ.
ب - النخاع المستطيل وهو: حلقة الاتصال بين النخاع الشوكي والدماغ، وبه مراكز الحياة الأساسية التي تتحكم في التنفس والدورة الدموية والقلب.
جـ - المخيخ: ويتصل بالدماغ المتوسط وبالنخاع المستطيل وقنطرة فارول، وينحصر عمله في السيطرة على العضلات، ويحفظ قوة اتزان الجسم وينظم حركة العضلات الإرادية" (١).
وإذا أصيب الدماغ المؤخري بأي إصابات، فإنه يسبب إغماء طويلًا أو فقدانًا للوعي. لذلك يقول ابن الجوزي: "وجعل العقل أستاذًا والحسّ تلميذًا"، إنها مجرد عبارة أدبية، تنقصها الدقة العلمية، لأن العقل ليس مهيمنًا على تصرفات الإنسان وسلوكه، وكذلك الحواس لها وظائف لا يسيطر عليها العقل البشري، بل هي مستقلة عنه كما يظهِر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم المؤمنين الذين استخدموا حواسّهم في طريقها الصحيح: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣). لولا العقل المفكر لَمَا دمعت العيون بمجرد معرفة الحق. أما الذين عطلوا حواسهم عن وظائفها الحقيقية فقد قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٢٤ - ١٢٧.
(٢) سورة المؤمنون، الآية ٧٨.
(٣) سورة المائدة، الآية ٨٣.
[ ١١٥ ]
مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١).
وهكذا نجد أن الجسم الإنساني وما فيه من أعضاء وحواس لها وظائف متباينة ومتداخلة، لتمكن الفرد من القيام بواجب الاستخلاف في الأرض. وقد أثبت النص السابق قدرة ابن الجوزي وسَعة اطلاعه وثقافته في ترابط خلق الإِنسان الذي يعمل عمل وحدة متكاملة بما أثبت أكثره الطب الحديث من معلومات علمية قيمة، وقد صاغ ابن الجوزي تلك المعارف في أسلوب أدبي لطيف.
د - رأي ابن الجوزي في وظائف العقل البشري وصفاته
يرى ابن الجوزي أن الكائن البشري يتميز عن الحيوان بالعقل لأنه مناط التكليف، ويقرر أنه أجل الأشياء التي وهبها الله للإنسان وبه معرفة الإله وبه تضبط المصالح وتلحظ العواقب وتدرك الغوامض وتجمع الفضائل (٢). وهذه تعتبر من وظائف العقل البشري الأساسية.
ثنم وضَّح ابن الجوزي أربعة جوانب يتميز بها الإنسان عن الحيوان بصفات العقل فقال: "العقل ويطلق بالاشتراك على أَربعة معان أحدها الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية وهو الذي أراده من قال: هو غريزة وكأنه نور يقذف في القلب يستعدّ به لإدراك الأشياء، والثاني ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، والثالث علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلًا. والرابع أن منتهى قوته الغريزية إلى أن تقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة، والناس يتفاوتون في هذه الأحوال إلا في القسم الثاني الذي هو العلم الضروري" (٣).
_________________
(١) سورة الأحقاف، الآية ٢٦.
(٢) ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي. الأذكياء. دمشق، مكتبة الإحسان للطباعة والنشر والتوزيع، دون طبعة تاريخ، ص ١.
(٣) المرجع السابق، ص ٥.
[ ١١٦ ]
الجانب الأول
من خلال تحليلنا للنص السابق، سنوضح أهم المميزات التي يتصف بها الإنسان، وهي موجودة فيه من أصل خلقه، ففي قوله في وصف العقل: "الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية، وهو الذي أراده من قال: هو غريزة وكأنه نور يقذف في القلب يستعدّ به لإدراك الأشياء". والمقصود هنا تميز الإنسان بالعقل البشري المميز والمدرك فنرى أن الله ﷾ خلق آدم "من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدًّا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء وأسمائها وخواصها ومعارفها وأصول العلم وقوانين الصناعات، وتفاصيل آلاتها وكيفيات استعمالاتها" (١)، وبغير هذا الاستعداد الإدراكي الفطري الموجود ما كان في مقدور الإنسان أن يتعلم ويدرك، وهو استعداد عام في جميع الكائنات البشرية، وهذا الاستعداد هو نفسه الذي ميز الإنسان عن الملائكة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٢).
ويعتبر العقل "قوة مدركة فطرية في الإنسان، وأنه يستعمل لثلاثة معان الأول: الإدراك، والثاني: العمل بمقتضى الإدراك وهو العقل العملي أو الحكمة. والثالث: التعقل القلبي" (٣).
الجانب الثاني
مما يتميز به الإنسان عن الحيوان هو الإدراك البَدَهي الذي عبر عنه ابن الجوزي بقوله: "ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات
_________________
(١) العمادي، أبو السعود، محمد بن محمد. تفسير أبي السعود. بيروت، دار إحياء التراث العربي، دون طبعة تاريخ، الجزء الأول، ص ٨٤.
(٢) سورة البقرة، الآيات ٣١ - ٣٣.
(٣) مرجع سابق، يالجن، د. مقداد .. جوانب التربية الإسلامية الأساسية. ص ٨٨.
[ ١١٧ ]
واستحالة المستحيلات"، وقد فضل هذا المعنى بقوله أيضًا: "إن الله -﷿- وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل. فالنفوس تعلمها ضرورة، وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها. فإنه وضع في النفس أن المصنوع لابد له من صانع، وأن المبنى لابد له من بانٍ، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة" (١).
ويؤكد على هذا المعنى د. مقداد يالجن بقوله: "ولهذا نجد الإِسلام يركز على مثل هذه الاستدلالات في تثبيت العقيدة لأنه جاء للناس كافة وليس لمجموعة من المتخصصين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
ومن ثم كان لابد من أن يعتمد في الاستدلال على مبادئ مناسبة للناس كافة وهذا ما فعله، فاستخدم مثلًا: دلالة الصنعة على الصانع لإثبات وجود الله إذ ليس من الضروري أن نرى الصانع لإثبات الصنعة، لكن وجود الصنعة تجعلنا نعترف بالضرورة بوجود الصانع، بل نضطر إلى ذلك اضطرارًا، ولهذا دعا الله سبحانه الناس إلى التأمل في آيات الله في الكون وفي الأرض وفي السماء وفي أنفسهم لما في تلك المخلوقات من دلالة الصنعة التي تدل على وجود صانعها. . . ." (٣).
وقد اعتمد المنهج الإِسلامي على "الأدلة البديهية القائمة على التفكير الفطري لأنها تتلاءم مع معظم المستويات من التفكير، ولأن هذه الاستدلالات البديهية لا تثير الشك وتؤدي إلى اليقين" (٤).
الجانب الثالث
ويتمثل في قدرة الإنسان على تعلم العلوم والتعمق فيها. وقد وصف ابن الجوزي العقل بأنه: "علوم تستفاد من التجارب تسمى
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٤٩.
(٢) سورة سبأ، الآية ٢٨.
(٣) مرجع سابق، يالجن، د. مقداد. جوانب التربية الإسلامية الأساسية. ص ١٥٨ - ١٥٩.
(٤) المرجع السابق، ص ١٥٨.
[ ١١٨ ]
عقلًا". وقد ناقشها الدكتور حسن عبد العال في ضوء بعض كتابات التربويين المسلمين فقال: "وردت في القرآن الكريم الألفاظ التي تدل على النشاط العقلي بصفة عامة، مثل التفكر والتدبُّر والعلم والنظر، والتبصُّر والتذكر. مئات المرات. وفي الحقيقة لا يعرف العلم كائنًا موجودًا بذاته يسمى عقلًا يمكن إجراء التجارب عليه أو ملاحظته (١) " "ولا يقول بأن هناك شيئًا خاصًّا موجودًا تصدر عنه الأعمال التي نسميها في الإنسان أعمالًا عقلية، بل إنه لا يكلف نفسه مؤنة البحث عن هذه الأشياء. والنظر هل هي موجودة أو لا؛ لأن البحث لا يفيده شيئًا، إنما يعترف بوجود أعمال خاصة لها خصائصها ومميزاتها وقوانينها، وليست بأعمال مادية بل هي معنوية تصحبها أو تتبعها أعمال أو آثار جثمانية، فمجموع هذه الأعمال المعنوية يسمى عقلًا" (٢).
الجانب الرابع
يبين ابن الجوزي في الصفة الرابعة "أن منتهى قوته الغريزية أن تقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة"، فهنا يوضح أن من أعلى وظائف العقل البشري الذي يفترق به الإنسان عن الحيوان، أن يضبط ويوجه دوافع الإِنسان الفطرية -التي يشترك فيها مع الحيوان- نحو غايات سامية، بدون كبت بغيض أو إطلاق يدمر كيان الإنسان، فيتعامل مع المنهج التربوي الإسلامي الذي في ضوئه يتربى الإنسان على أن يأخذ الكائن البشري بواقعه الذي هو عليه. يعرف حدود طاقاته ويعرف مطالبه وضروراته، ويقدر هذه وتلك: كما في قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)، ويعرف ضعفه إزاء المغريات ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ
_________________
(١) مرجع سابق، عبد العال، د. حسن. مقدمة في فلسفة التربية الإسلامية. ص ١١٥.
(٢) عبدا القادر، حامد والأبراشي، محمد، عطية وآخرون. في علم النفس. القاهرة، دار المعرفة للطبع والنشر، طبعة عام ١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ الجزء الأول، ص ٤٩.
(٣) سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
(٤) سورة التغابن، الآية ١٦.
[ ١١٩ ]
وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ (١). وضعفه إزاء التكاليف: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٢). يعرف كل ذلك فيساير فطرته في واقعها، ولا يفرض عليه من التكاليف ما ينوء به كاهله ويعجز عن أدائه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). ويجعل التكليف الملزم في حدود الطاقة الممكنة ولكنه مع ذلك لا يتركه لفطرته الضعيفة دون تقويم، فتظل تهبط وتتراجع عن موقفها إلى موقف دون" (٤). وبهذه الطريقة يستطيع العقل البشري ضبط الشهوات الداعية إلى اللذة العاجلة .. والمتعة الوقتية .. إلى ارتقاء بالنفس البشرية .. وإعلاء دوافعها .. حتى تصل إلى عبودية مطلقة الله تعالى. بالإضافة إلى تلك القدرات والاستعدادات التي رُكبت في الإنسان لمساعدته على عمارة الأرض، فقد زُوّد "بقدرة يصنع بها ما يقيه الأَذى من القطن والصوف، لم يجعَل على جلده ما يقيه خلقة، بخلاف الحيوان البهيم، فإنه لما لم يكن له قدرة على صُنع ما يغطي جلده عوضه بالريش والشعر والوبر" (٥). وذلك تأكيدًا لقول الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٦).
وهكذا فإن الله ﷾ قد زود الإنسان بقدرات وقوى واستعدادات مختلفة، لتساعده في تكيفه مع البيئة التي يعيش فيها، كما أعطاه القدرة على تسخير ما في الكون لعمارة الأرض بما يرضي الله ﷾.