عايش ابن الجوزي فترة طويلة من الخلافة العباسية تمتد من سنة ٥١٠ هـ إلى سنة ٥٩٧ هـ ابتداء من خلافة المستظهر بالله حتى بداية خلافة الناصر لدين الله أحمد.
فقد عاصر فترة حكم كل من المستظهر بالله (٤٧٠ - ٥١٢ هـ) (١) والمسترشد بالله أبي منصور (٤٨٥ هـ- ٥٢٩ م) (٢)، والراشد بالله أبي جعفر (٥٠٢ هـ- ٥٣٢ هـ) (٣).
والمقتفي لأمر الله (٤٨٩ هـ- ٥٥٥ هـ) والمستنجد بالله المظفر (٥١٨ هـ - ٥٦٦ هـ) والمستضئ بأمر الله (٥٣٦ هـ- ٥٧٥ هـ) والناصر لدين الله أحمد (٥٥٣ هـ-٦٢٢ هـ) (٤).
_________________
(١) المستظهر بالله، هو أبو العباس أحمد بن عبد الله المقتدي، كانت أيامه ببغداد كأنها الأعياد وكان راغبًا في البر والخير، مسارعًا إلى ذلك، لا يرد سائلًا، وكان جميل العشرة لا يصغي إلى أقوال الوشاة من الناس، ولا يثق بالمباشرين، وقد ضبط أمور الخلافة جيدًا، وأحكمها وعلمها، وكان لديه علم كثير، وله شعر حسن. ولد سنة ٤٧٠ هـ. توفي في سنة ٥١٢ هـ. انظر: ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثاني عشر، ص ١٨٢.
(٢) هو أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله، ولد سنة (٤٨٥ هـ)، وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة (٥١٢ هـ). وكان ذا هيبة شديدة، ضبط أمور الخلافة، وهو آخر خليفة رؤي خطيبًا، قُتل وعمره خمس وأربعون سنة وثلاثة أشهر وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وستة أشهر وعشرين يومًا. انظر السيوطي. تاريخ الخلفاء. ص ٣٩٧ - ٣٩٨. ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثاني عشر، ص ٢٠٨.
(٣) هو أبو جعفر منصور بن المسترشد، ولد سنة (٤٨٥ هـ). وبويع له بالخلافة في سنة (٥٢٩ هـ). وقد حدث بينه وبين السلطان مسعود خلاف أدى إلى خلعه من الخلافة. وكانت مدة خلافته أحد عشر شهرًا وإحدى عشر يومًا. وتوفي في سنة (٥٣٢ هـ). انظر، ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثاني عشر، ص ٢٠٩.
(٤) هو أبو العباس بن المستضيء بأمر الله. ولد سنة (٥٥٣ هـ). وقال الذهبي: ولم يل الخلافة أحد أطول مدة منه، فإنه أقام فيها سبعة وأربعين سنة، ولم تزل مدة حياته في عز وجلالة وقمع الأعداء واستظهار على الملوك. وكان شديد الاهتمام بمصالح الملك، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارهم وصغارهم. توفي سنة (٦٢٢ هـ) انظر، السيوطي. تاريخ الخلفاء. ص ٤١٣.
[ ٥٨ ]
ومع تعدد الخلفاء .. تنوعت الأحداث السياسية ما بين قوة وضعف، وعدالة وظلم، واضطراب واستقرار، فمن عهد المستظهر بالله "الذي كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب، وفيها أخذت الروم بلنسية ثم جاءت الفرنج فأخذوا نيقية حتى وصلوا إلى كفرطاب واستباحوا تلك النواحي (١). ولم يكتفوا بذلك حتى استولوا على "بيت المقدس وقتلوا فيه ما يزيد على سبعين ألف مسلم" (٢)، كما أخذوا مدينة طرابلس بعد حصار طويل، "وكان قد عظم بلاء المسلمين بالفرنج وتيقنوا استيلاءهم على أكثر الشام، فطلب المسلمون الهدنة فامتنعت الفرنج وصالحوهم بألوف الدنانير الكثيرة، فهادنوهم ثم غدروا" (٣)، ثم بعد ذلك استقرت الخلافة للمسترشد الذي كانت "أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك" (٤)، كما زادت الحروب الشديدة بين سلاطين السلاجقة، إلى أن "سارت الفرنج إلى مدينة حلب ففتحوها عنوة وملكوها وقتلوا من أهلها خلقا، فسار إليهم صاحب ماردين إيلغازي بن أرتق في جيش كثيف فهزمهم ولحقهم إلى جبل قد تحصنوا به، فقتل منهم هنالك مقتلة عظيمة ولم يفلت منهم إلا اليسير" (٥).
وكان مذهب الباطنية منتشرًا في عهد هذين الخليفتين، حتى إن وفاة المسترشد كانت بسبب خلاف بينه وبين السلطان السلجوقي مسعود الذي "دس له عشرة من الباطنية قتلوه" (٦)، ثم تولى بعده الخليفة الراشد بالله الذي خُلع بعد سنة من توليه الحكم بعد وفاة أبيه المسترشد وذلك "لما عاد السلطان مسعود إلى بغداد خرج الراشد إلى الموصل، فأحضروا القضاة والأعيان والعلماء وكتبوا محضرًا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم وأخذ الأموال وسفك الدماء وشرب الخمر، واستفتوا
_________________
(١) مرجع سابق، السيوطي. تاريخ الخلفاء. ص ٣٩٣.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء التاسع، ص ١٠٨.
(٣) مرجع سابق، السيوطي. تاريخ الخلفاء. ص ٣٩٦.
(٤) المرجع السابق، ص ٣٩٨.
(٥) مرجع سابق، ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثاني عشر، ص ١٨٤.
(٦) المرجع السابق، الجزء الثاني عشر، ص ٢٠٨.
[ ٥٩ ]
الفقهاء فيمن فعل ذلك: هل تصح إمامته؟ وهل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل خيرا منه؟ فأفتوا بجواز خلعه، وحكم بخلعه أبو طاهر بن الكرخي قاضي البلد، وبايعوا عمه محمد بن المستظهر ولُقب المقتفي لأمر الله" (١).
"وقد تمكن الخليفة المقتفي من الحكم، وزادت حرمته، وعلت كلمته، وكان ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية، وفي أيامه عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء ولم يبق له منازع" (٢)، كما كتب "المقتفي عهدًا لنور الدين زنكي وولاه مصر وأمره بالمسير إليها، وكان مشغولًا بحرب الفرنج، وهو لا يفتر عن الجهاد، وكان قد ملك دمشق في صفر من هذا العام -سنة تسع وأربعين- وملك قلاع وحصون عدة بالسيف والأمان من بلاد الروم، وعظمت ممالكه وبَعُد صيته، فبعث إليه المقتفي تقليدًا وأمره بالمسير إلى مصر ولقبه "بالملك العادل" وعظم سلطان المقتفي، واشتدت شوكته، واستظهر على المخالفين، وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره، ولم يزل أمره في تزايد وعلو إلى أن مات سنة ٥٥٥ هـ" (٣)، ثم بويع لابنه المستنجد بالله "في يوم موت أبيه، وكان موصوفًا بالعدل والرفق، أطلق من المكوس شيئًا كثيرًا بحيث لم يترك بالعراق مكسًا، وكان شديدًا على المفسدين" (٤) وفي عهده زادت الحروب بين المسلمين والفرنج واستطاع نور الدين زنكي إخراجهم من مصر (٥) وغيرها من الدول، "ويقال إن المستنجد توفي مريضًا" (٦)، ثم خلفه ابنه المستضيء الذي بدأ عهده "برفع المكوس وردّ المظالم وإشاعة العدل والكرم، كما أذن للوعاظ بعد أن كانوا منعوا مدة، وفرق مالًا عظيمًا على الهاشميين والعلويين والعلماء والأربطة" (٧). "وفي خلافته انقضت
_________________
(١) مرجع سابق، السيوطي. تاريخ الخلفاء. ص ٤٠٢.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٠٤ - ٤٠٦.
(٣) المرجع السابق، ص ٤٠٥.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٠٨.
(٥) مرجع سابق، ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثاني عشر، ص ٢٤٩ - ٢٦١.
(٦) المرجع السابق، الجزء الثاني عشر، ص ٢٦٢.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ٢٣٣.
[ ٦٠ ]
دولة بني عُبيد" (١) واستمر الأيوبيون في قمع انتشار الفرنجة في الدولة الإسلامية.
ويعتبر الناصر لدين الله الذي تولى الحكم بعد أبيه المستضيء، آخر الخلفاء الذين عاصرهم ابن الجوزي، وكانت "مدة حياته في عز وجلالة، وقمع الأعداء، واستظهار على الملوك، ولم يجد ضيمًا، ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه، ولا مخالف إلا دفعه، وكان شديد الاهتمام بمصالح الملك، ولا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارهم وصغارهم، وكان قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد، فأحيا بهيبته الخلافة، وكانت (الخلافة) قد ماتت بموت المعتصم، ثم ماتت بموته" (٢).
ومجمل القول أن القرن السادس الهجري كان صورة صادقة عن ضعف الدولة العباسية من حيث زوال هيبة الخلافة وتعدد الخلفاء وتناحرهم وتفشي الفرق الباطنية ووقوع المقدسات الإسلامية في يد الصليبيين ثم تحررها على يد صلاح الدين الأيوبي.
موقف ابن الجوزي من تلك الأحداث السياسية:
عاصر ابن الجوزي تلك الأحداث السياسية بقوتها وضعفها .. حروبها وسلمها .. فما موقفه منها؟
ومن خلال استعراضنا أهم الأحداث السياسية التي عاصرها ابن الجوزي في مدة حياته، لم يتضح لنا موقفه تمامًا فيما سبق عرضه، ولكن من خلال كتابه المنتظم في تاريخ الملوك والأمم نلاحظ الآتي:
١ - علاقة ابن الجوزي بهؤلاء الخلفاء كانت طيبة وعلى الأخص بالمستضيء الذي أهدى إليه ابن الجوزي كتابيه المصباح المضيء في دولة المستضيء وكتاب النصر على مصر.
٢ - كان له دور في محاربة البدع، إما عن طريق الكتابة أو مجالس
_________________
(١) مرجع سابق، السيوطي. تاريخ الخلفاء. ص ٤١٠.
(٢) المرجع السابق، ص ٤١٣ - ٤١٥.
[ ٦١ ]
الوعظ وفي ذلك يقول "وكان الرفض في هذه الأيام قد كثر فكتب صاحب المخزن إلى أمير المؤمنين المستضيء إن لم تقو يدي ابن الجوزي لم تطق على دفع البدع، فكتب أمير المؤمنين بتقوية يدي" (١).
٣ - اكتفى ابن الجوزي بسرد الأحداث السياسية كما هي دون نقد أو تمحيص أو حتى محاولة بيان النواحي الطيبة أو السيئة في المجتمع، ما عدا نقده للمتصوفين. كما أنه لم يتفاعل مع أحداث عصره بالفرح أو الحزن من دخول الصليبيين أو خروجهم من الدولة الإسلامية بل سرد الأحداث سردًا عاديًا، وهذه النقطة أثارت استغراب الدكتور الصباغ الذي تساءل قائلًا: "لماذا لم يطرق ابن الجوزي موضوع الحرب الصليبية؟ علمًا أن مدة حياة ابن الجوزي كانت في أيام الحروب الصليبية، فكنت أنتظر من هذا الرجل أن يعالج هذا الخطب الجلل في موضوعاته الوعظية، ومؤلفاته العديدة، غير أنني لم أجد أنه وفى هذا الموضوع حقه .. بل لم يطرقه ولو طرقًا خفيًا. ولا أدعي أن الرجل لم يتكلم في الجهاد ولا أنه لم يبين ضلال النصارى وعداوتهم للإسلام .. لكن الذي أريد أن أقرره أن من يتصل بالناس كثيرًا عن طريق الوعظ يجب أن يلمس أثر الواقع المؤلم الذي يحياه الناس في كلامه ونصحه، وهذا الذي لم أحس به وأنا أقرأ في كتبه وآثاره من زمن بعيد، وربما كانت هناك أوضاع سياسية معينة تمنع من الكلام، لكن الأثر كان يظهر على الرغم من المنع، لو أن هذا الواقع والألم منه سيطر على المتكلم سيطرة تامة -نقول هذا- ونحن نمر اليوم في وضع مشابه وتغيب سحائب الألم وزفرات الحسرة في كتابة كثير من الكتاب المعاصرين" (٢).