لقد كان لنبوغ ابن الجوزي المبكر، وحبه للعلم وجِدِّه ومثابرته على التحصيل، أثر كبير في غزارة إنتاجه وتنوع مؤلفاته، فقد كتب في معظم علوم عصره كما أشرنا، "وله اليد الطولى والمشاركات في سائر أنواعها من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنظر في النجوم والطب والفقه وغير ذلك من اللغة والنحو، وله من المصنفات في ذلك ما يضيق هذا المكان عن تعدادها وحصر أفرادها" (٤).
وقد اتفق المؤرخون على أنه كثير الكتابة والتأليف في جميع العلوم، إلا أنهم اختلفوا في عدد مصنفاته اختلافا كبيرًا، فهذا ابن خلكان يقول: "فكتبه أكثر من أن تعدّ، وكتب بخطه كثيرًا، والناس يغالون في ذلك حتى قالوا إنه جمعت الكراريس التي كتبها، وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة، فكان ما خص كل يوم تسع كراريس، وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل" (٥).
"وقال سبطه (٦) سمعت جدي يقول على المنبر: كتبت بأصبعي (٢٠٠٠) مجلدًا ..
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) المرجع السابق، ص ٢١٢ - ٢٢١.
(٣) مرجع سابق، الذهبي. تذكرة الحفاظ. الجزء الرابع، ص ١٣٤٤.
(٤) مرجع سابق، ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثالث عشر، ص ٢٩.
(٥) مرجع سابق، الأتابكي، ابن تغري بردي. النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة. ص ١٧٥.
(٦) هو أبو المظفر يوسف بن قزأوغلي، الحنفي، البغدادي ثم الدمشقي، سبط ابن الجوزي، أمه رابعة بنت الشيخ جمال الدين، أبي الفرج ابن الجوزي الواعظ، وقد كان حسن الصورة، طيب الصوت، حسن الوعظ، كثير الفضائل والمصنفات،
[ ٨٣ ]
إلى أن قال (سبطه): ومجموع تصانيفه (٢٥٠) كتابًا" (١).
"وقال الإمام أبو العباس بن تيمية في أجوبته المصرية: كان الشيخ أبو الفرج مفتيًا كثير التصنيف والتأليف .. وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من (١٠٠٠) مصنف" (٢).
وقد ذكر ابن الجوزي في مواضع عدة عدد مصنفاته قائلًا: "قد صنفت (١٠٠) كتاب، فمنها التفسير الكبير عشرون مجلدًا، والتاريخ عشرون مجلدًا، وتهذيب المسند عشرون مجلدًا، وباقي الكتب بين كبار وصغار يكون خمس مجلدات، ومجلدين وثلاثة وأربعة وأقل وأ كثر" (٣). وسئل عن عدد تصانيفه فقال: زيادة على (٣٤٠) مصنفًا منها ما هو عشرون مجلدًا وأقل" (٤).
بالإضافة إلى ما بيع من مصنفات على يد ابنه أبي القاسم علي الذي كان "عاقًا لوالده إلبًا عليه في زمن المحنة وغيرها، وقد تسلط على كتبه في غيبته بواسط فباعها بأبخس الثمن" (٥).
ومع هذا الاختلاف في عدد مصنفاته، فقد ذكر الدكتور نور الدين بن شكري بوياجلار "أن ما ألفه ابن الجوزي يقرب من (٣٥٠) مؤلفًا في فنون مختلفة" (٦).
_________________
(١) = وله مرآة الزمان في عشرين مجلدًا من أحسن التواريخ، نظم فيه المنتظم لجده وزاد عليه وذيل إلى زمانه. توفي في سنة (٦٥٤ هـ) انظر ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثالث عشر، ص ١٩٤.
(٢) مرجع سابق، الذهبي. تذكرة الحفاظ. الجزء الرابع، ص ١٣٤٤.
(٣) مرجع سابق، ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ٤١٥.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥٨.
(٥) مرجع سابق، الحنبلي. شذرات الذهب في أخبار من ذهب. الجزء الثالث، ص ٣٣٠ - ٣٣١.
(٦) مرجع سابق، ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثالث عشر، ص ٣٠.
(٧) بويا جلار، نور الدين بن شكري. فهرس مؤلفات أبي الفرج بن الجوزي المخطوطة بمكتبات تركيا. مقالة في مجلة كلية أصول الدين بالرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية، العدد الرابع، العام الجامعي ١٤٠٢ - ١٤٠٣ هـ، ص ٣١٦.
[ ٨٤ ]
أما الكاتب عبد الحميد العلوجي فقد أكد أن عدد مؤلفات ابن الجوزي "أكثر من (٤٠٠) كتاب استقر منها مخطوطًا أكثر من (١٣٩) كتابا في خزائن الكتب الشرقية والغربية المنتشرة في أوروبا وأميركا والاتحاد السوفياتي والوطن العربي وإيران والهند وتركيا. وضاع أكثر من (٢٣٣) كتابًا وهو العدد الذي وصلت إلينا عناوينه. وطبع منها (٣٠) كتابًا في القاهرة وحيدر أباد ودمشق وليبزك بألمانيا والقسطنطينية (استنبول) وليدن بهولندا وبومبي (في الهند) وبيروت وبغداد" (١).
على الرغم من الاختلاف في عدد مصنفاته، إلا أنه يتضح لنا أن ابن الجوزي موسوعة علمية جليلة، ترك بصماته في معظم علوم عصره. وتميزت مؤلفات ابن الجوزي بكثرتها، وتعدد معارفها، مع تفاوت قيمتها العلمية، فقد كانت عليه بعض المآخذ، فقال ابن رجب في ذيله على طبقات الحنابلة: "كثرة أغلاطه في تصانيفه، وعذره في هذا واضح، وهو أنه كان مكثرًا من التصانيف، فيصنف الكتاب ولا يعتبره، بل يشتغل بغيره، وربما كتب في الوقت الواحد في تصانيف عديدة. ولولا ذلك لم تجتمع له هذه المصنفات الكثيرة. ومع هذا فكان تصنيفه في فنون من العلوم بمنزلة الاختصار من كتب تلك العلوم، فينقل من التصانيف من غير أن يكون متقنًا لذلك العلم من جهة الشيوخ والبحث، ولهذا نقل عنه أنه قال: أنا مرتب ولست مصنفًا" (٢).
وقال الشيخ موفق الدين المقدسي: "كان ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب قبول. وكان يدرس الفقه ويصنف فيه. وكان حافظًا للحديث. وصنف فيه، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنة ولا طريقته فيها" (٣). كما ذكر زلاته محقق كتاب القُصاص والمذكِّرين، الدكتور محمد بن لطفي الصباغ الذي نقده قائلًا: لأكان لابن الجوزي مواقف يبدو أنها متعارضة .. ويبدو هو من خلالها مزدوج الموقف، فهو عندما ينتقد
_________________
(١) مرجع سابق، العلوجي، عبد الحميد. مؤلفات ابن الجوزي. ص ٥.
(٢) مرجع سابق، ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ٤١٤.
(٣) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٤١٥.
[ ٨٥ ]
المتصوفة والمتساهلين في الحديث يكون إنسانًا على منهج سليم، يدعو إلى الحق الذي يراه بجرأة وحرارة كما يظهر ذلك جليًا في تلبيس إبليس أو في مقدمة صفة الصفوة أو كتاب الموضوعات. ولكنه في مواضع من مؤلفاته تراه من أشدّ الناس تساهلًا في إيراد الأحاديث الضعيفة التالفة كما نطالع ذلك في كتابه المدهش أو ذم الهوى، وتراه في مواضع أُخرى يأتي بالقصص الباطلة والخرافات المردودة ويورد ما يقوله المتصوفة ويحكونه في مجالسهم مع أنه انتقدهم وعاب عليهم فكرهم وسلوكهم وذكرهم بما يستحقون ووجه إليهم اللوم اللاذع" (١).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب القُصاص والمذكرين. (تحقيق) الصباغ، د. محمد، لطفي، ص ٤١ - ٤٢.
[ ٨٦ ]