إن سبب موازنة آراء ابن الجوزي بآراء معاصريه من المسلمين، هو بيان مدى التشابه أو الاختلاف، أو التأثير فيهم والتأثر بهم، ثم مدى الترابط الفكري بين علماء المسلمين، رغم البعد المكاني، والتقارب الزمني.
تمثل المدة من (٥١٠ - ٥٩٧ هـ) فترة ازدهار الحضارة العلمية
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. تلبيس إبليس. ص ٤٩.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٩.
[ ٤٩٩ ]
والثقافية في الدولة الإسلامية ولاسيما حركة التأليف من قبل علماء المسلمين أمثال: أبي بكر بن العربي في المغرب (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ)، والسمعاني في بغداد (٥٠٦ - ٥٦٢ هـ)، والزرنوجي في شرق الدولة الإسلامية توفي في عام (٥٧١ هـ)، وابن طفيل في الأندلس (المتوفى في عام ٥٨١ هـ). وأخيرًا ابن رشد في الأندلس (٥٢٠ - ٥٩٥ هـ).
وستقوم الباحثة بعرض مختصر لآراء هؤلاء العلماء بعد إعطاء نبذة موجزة عن اسم كل عالم ومكان نشأته، ومدى التشابه أو الاختلاف بينه وبين ابن الجوزي، ومدى استفادته منهم أو عدمها.
أ - أبو بكر بن العربي (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ)
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعافري الأشبيلي. ولد في ٢٢ شعبان سنة ٤٦٨ هـ بمدينة إشبيلية في أحضان أسرة كانت لها حظوة لدى المعتمد بن عباد (٤٨٨ هـ- ١٠٩٥ م) في عصر دول الطوائف" (١). وتوفي في سنة ٥٤٣ هـ.
ويعتبر أبو بكر بن العربي من الذين نقلوا التراث الفكري الحضاري من مختلف المراكز الثقافية، وشتى المدارس بالمشرق إلى المغرب بطريق مباشر، هو طريق الرحلة والطلب، والالتقاء بأصحاب المذاهب مباشرة؛ فقد التقى مباشرة بمنكري النبوات، وأتباع الفلسفة المشائية في بغداد، وبيت المقدس، والإسكندرية، بجانب أخذه عن أصحاب المذاهب الإسلامية، فسمع آراءهم مشافهة وناظرهم عليها، ونقدهم فيها، وحمل آراءهم إلى المغرب، وعرضها على تلاميذه، كما عرض نقده لها، وموقفه منها، الذي هو موقف الرفض، فيما يتعلق بالفلسفة اليونانية بالخصوص، ولم يكن موقفه سلبيًا محضًّا، بل إن نقده لم يخلُ من نظرات إيجابية نافذة، ومنهج عقلي واضح" (٢).
والذي يهمنا في موضوع بحثنا، هو الجانب التربوي من أفكاره،
_________________
(١) طالبي، عمار. آراء أبي بكر بن العرب الكلامية. الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع دون طبعة وتاريخ، الجزء الأول، ص ٢٥.
(٢) المرجع السابق، ص ٦٤.
[ ٥٠٠ ]
وقد أخذ جزءًا كبيرًا منه من الإمام الغزالي، وكان متأثّرًا به إلى حدّ كبير.
وقد التقى أبو بكر بن العربي بالإمام الغزالي في مدينة السلام بغداد (١) في سنة ٤٩٠ هـ وأخذ عنه من العلوم الشيء الكثير.
موجز لبعض آراء أبي بكر بن العربي التربوية
أُخذت هذه الآراء من كتاب آراء أبي بكر بن العربي الكلامية للأستاذ عمار طالبي:
١ - "انتقد طريقة تعليم أهل المغرب لصبيانهم وهي أنهم يبدأون بتعليم القرآن الكريم، ثم اللغة العربية، ثم حفظ موطأ الإمام مالك، ثم حفظ المدوّنة برواية ابن القاسم ثم دراسة الوثائق لابن العطاء في فن التوثيق والعقود، ثم يختم -الطالب- دراسته بكتاب أحكام ابن سهل. وقارنها بطريقة أهل المشرق التي اعتبرها أفضل منها وهي أن يبدأ بتعليم الصبي إذا عقل الخط أو الكتابة والحساب والعربية، ثم حفظ القرآن، ويستمر في تلقي العلوم الأخرى، أو يكتفي بذلك".
٢ - المنهج الذي وضعه ابن العربي يتألف من: تعليم الصبي اللغة العربية ومقاطع الكلام، ويحفظ أشعار العرب وأمثالها، ثم ينتقل إلى تعلم الحساب، ثم دراسة القرآن. كذلك يمكن أن يتعلم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم الجدل، ثم الحديث وعلومه. كما أوصى بتعليم أصول الطب، وتعليم تعبير الرؤيا، ومعرفة الأنساب".
٣ - أن لا يخلط في التعليم بين علمين إلا أن يكون الطالب ذا جودة في الفهم، وقوة في النشاط، وقابلية في ذلك. وهذا الرأي ذهب إليه الإمام الغزالي -﵀-.
٤ - يرى أن ذهن الطفل خال من كل شيء. وهو ما ذهب إليه الغزالي.
٥ - لا يشجع ابن العربي التخصص، ويقول في ذلك "ولا يفرد
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٥٢ - ٥٣.
[ ٥٠١ ]
نفسه ببعض هذه العلوم، فيكون إنسانًا في الذي يعلم، بهيمة فيما لا يعلم" (١).
وهناك الكثير من آرائه التربوية.
والذي يبدو واضحًا تأثر ابن العربي بالإمام الغزالي، كما أشرنا وهذا التاريخ قبل ولادة ابن الجوزي ٥١٠ هـ. ثم ترك ابن العربي بغداد بعد سنتين عائدًا إلى المغرب، ثم مصر، ثم استقر في بلده من عام ٥٣٥ هـ إلى أن توفي عام ٥٤٣ هـ.
والذي يبدو من التتبع التاريخي لحياة ابن العربي وصلته بالعلماء، أنه لم يقابل ابن الجوزي ولم يقرأ كتبه، ولم يذكر اسمه في أي من مؤلفاته الكثيرة، لذلك لم يكن هناك تأثير أو تأثر بينهما، وإن كان كل منهما قد تأثر بالإمام الغزالي. ولكن ابن العربي استفاد من الغزالي أكثر من ابن الجوزي وخصوصًا في الجانب التربوي.
ب- عبد الكريم بن محمد بن منصور أبو سعد السمعاني (٥٠٦ هـ- ٥٦٣ هـ)
"كان أحد فرسان الحديث، وعظ بالنظامية ببغداد، وقرأ تاريخها على أبي محمد ابن الأبنوسي، ثم ارتحل إلى همدان فسمع بها من شيوخها، وبأصبهان من أبي بكر أحمد بن محمد الحافظ ابن مردويه وطبقته.
ذكر ولده له ترجمة حسنة وقال: رحل بي وبأخي سنة تسع وخمسمائة إلى نيسابور فسمعنا من الشيروي، وقد أملى مائة وأربعين مجلسًا بجامع مرو وكل من رآها اعترف له أنه لم يُسبق إلى مثلها، وكان يَعِظ ويروي في وعظه الحديث بأسانيده" (٢).
وقد ذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم طرفًا من حياته فقال: "دخل إلى بغداد سنة اثنتين وثلاثين وسمع معنا على المشايخ، وسافر في
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٢٩ - ٢٣٩. (بتصرف).
(٢) مرجع سابق، الذهبي. تذكرة الحفاظ للذهبي. المجلد الثاني، الجزء الرابع، ص ١٢٦٦ - ١٢٦٧.
[ ٥٠٢ ]
طلب الحديث، وذيِّلَ على تاريخ بغداد. . . . الخ" (١).
وقد اتهمه ابن الجوزي بالتدليس فقال: "كان يأخذ الشيخ البغدادي فيجلس معه فوق نهر عيسى ويقول حدثني فلان من وراء النهر ويجلس معه في رقة بغداد، ويقول حدثني فلان بالرقة في أشياء من هذا الفن لا تخفى على المحدثين" (٢).
وقد ضمن كتابه أدب الاملاء والاستملاء (٣) مجموعة من الآداب وطرائق العمل، وأدوار كل من الأستاذ (المعلم) والأستاذ المساعد (المستملي، المعيد) والكاتب (الطالب)، وهي خاصة بعلم الحديث وأهميته وقواعد تعلمه. وأدوات التعليم.
وأهم الآراء التي وردت فيه بإيجاز شديد هي:
- فضل العلم وأهدافه.
- قسَّم الآداب إلى أربعة أقسام؛
القسم الأول: شروط وآداب الأستاذ.
أ- الآداب الشكلية وتشمل:
١ - المظهر الخارجي للأستاذ.
٢ - أن يقتصد في مشيه للدرس ويلتزم بآداب السلام.
٣ - أن يلتزم في أثناء الدرس بقواعد الدخول ووضعية الجلوس.
٤ - أن يلتزم بتحديد الأماكن والأوقات الخاصة بالتدريس. . . . الخ.
٥ - أن يلتزم بالمواعيد.
_________________
(١) ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ٢٢٤.
(٢) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٢٢٥.
(٣) السمعاني، عبد الكريم، محمد. أدب الإملاء والاستملاء. (تحقيق) زيعور، شفيق، محمد، لبنان، دار اقرأ، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م ..
[ ٥٠٣ ]
ب- قواعد تدريس المنهج وتشمل:
١ - أن لا يُحدِّث إلا من كتابة تجنبًا للنسيان.
٢ - أن ينوّع في المصادر والمراجع.
٣ - أن يستعمل الكتب والمصادر الموثوق بها ويبتعد عن الضعيفة.
٤ - أن يراعي الفروق الفردية للاستيعاب عند التلاميذ. . . الخ.
القسم الثاني: شروط وواجبات مساعد المملي وتشمل:
١ - أن لا يكون ثقيلًا بل خفيفًا على الفؤاد.
٢ - يستحب أن يقعد على موضع مرتفع.
٣ - ينبغي أن يكون جهوري الصوت.
٤ - ينبغي أن يكون متيقظًا ولا يكون بليدًا مغفلًا. . . . الخ.
القسم الثالث: آداب الطالب وتشمل:
١ - أن يتميز عن غيره باقتدائه بالرسول - ﷺ -.
٢ - أن يبكر إلى المجلس لطلب العلم.
٣ - أن يهتم بمظهره الخارجي مع الاهتمام بالقواعد العامة للسير والمشي.
٤ - أن يلتزم بآداب الدخول والخروج من مجلس العلم. . . . الخ.
القسم الرابع: أدوات التعليم وتشمل:
١ - استعمال الحبر.
٢ - استعمال المحبرة.
٣ - استعمال القلم.
٤ - الاستعمال الأمثل للخط.
[ ٥٠٤ ]
٥ - طريقة الكتابة تجنبًا للتصحيف والإملاء. . . الخ.
على الرغم من ذكر ابن الجوزي للسمعاني في كتابه المنتظم، فإنه لم يعلق على كتابه هذا، وما فيه من آراء تربوية خاصة بآداب العالم والمتعلم، والملاحظ أن هناك تشابهًا أو شيئًا من التشابه بين آراء السمعاني في هذه الآداب، وآراء ابن الجوزي في الموضوع نفسه: آداب العالم والمتعلم والقاصّ. وهذا التشابه ربما نتج من أن كلًا منهما يدين بالإِسلام فكرًا ومنهجًا شاملًا للحياة، فبنَى كل واحد منهما رأيه حسب ما وجده في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، أو ربما نشأ هذا التشابه أيضًا من تأثر ابن الجوزي بالسمعاني، لأنه ذكر ترجمة حياته، ومعنى ذلك أنه وقف على تراثه وتأثر به، ولم يذكر تأثره لأن الدراسات لم تكن على نظامنا أن يذكر الباحث بكل ما أخذ من غيره.
جـ- الزرنوجي (٥٧١ هـ)
هو برهان الدين إبراهيم الزرنوجي (زَرْنوج بالفتح والسكون بلد بما وراء النهر بعد خجند) الحنفي من تلاميذ برهان الدين صاحب الهداية، المتوفَّى في حدود سنة ٦١٠ هـ.
صنف الزرنوجي تعليم المتعلم طريق التعلم (١) ولم يحدد يوم ولادته، واختلف في وفاته، فمنهم من ذكر سنة وفاته ٥٧١ هـ (٢). ومنهم من ذكر سنة ٥٩١ هـ.
ويعتبر "أحد فقهاء الحنفية الذين عاشوا في شرق الدولة الإسلامية فيما وراء النهر، وفي النصف الثاني من القرن السادس الهجري، وأوائل القرن السابع، ولم يذكر له الذين ترجموا حياته سوى هذا الكتاب، الذي يعطينا فكرة واضحة عن ثقافة عصره، بالإضافة إلى معرفته علوم الفقه
_________________
(١) مرجع سابق، البغدادي، إسماعيل، باشا. هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين. الجزء الخامس، ص ١٣ - ١٤.
(٢) عبد الدائم، د. عبد الله. التربية عبر التاريخ. بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة، ١٩٨٤ م، ص ٢٦٠.
[ ٥٠٥ ]
وبخاصة الفقه الحنفي" (١).
وسنعرض لفكره التربوي من خلال كتابه تعليم المتعلم طريق التعلم، وقد قسم الزرنوجي موضوعات الكتاب إلى فصول عدة (٢) هي:
١ - فصل في ماهية العلم والفقه وفضله.
٢ - فصل في اختيار العلم والأستاذ والشريك والثبات عليه.
٣ - فصل في تعظيم العلم وأهله.
٤ - فصل في الجد والهمة.
٥ - فصل في بداية السبق وترتيبه وقدره.
٦ - فصل في التوكل.
٧ - فصل في وقت التحصيل.
٨ - فصل في الشفقة والنصيحة.
٩ - فصل في الاستفادة واقتباس الآداب.
١٠ - فصل في الورع في حال التعلم.
١١ - فصل فيما يورث الحفظ وفيما يورث النسيان.
١٢ - فصل فيما يجلب الرزق وما يمنعه، وما يزيد في العمر وما ينقص.
وبمقارنة آراء الزرنوجي بآراء ابن الجوزي في هذا المجال، فإننا نلاحظ أن هناك تشابهًا وتقاربًا كبيرًا بينهما.
وإذا أردنا أن نتبين هذا التقارب الكبير بينهما، هل حدث نتيجة التأثير والتأثر بينهما، أم نتيجة نقل أحدهما عن الآخر، فإننا لا نستطيع
_________________
(١) ناصر، د. محمد. الفكر التربوي العربي الإسلامي. الكويت، وكالة المطبوعات، الطبعة الأولى، ١٩٧٧ م، ص ٣٤٣.
(٢) الزرنوجي، برهان الدين. تعليم المتعلم طريق التعلم. (تحقيق) الخيمي، صلاح، محمد وحمدان، نذير، دمشق، بيروت، دار ابن كثير، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م، ص ١٧.
[ ٥٠٦ ]
ذلك، لأن كتب التراجم لم تذكر شيئًا عن حياة الزرنوجي العلمية، ورحلاته وشيوخه، وتلاميذه، وعلاقته بغيره من العلماء السابقين واللاحقين لعصره.
والشيء الذي يمكن أن نؤكده أن كلا الإمامين قد استقى آراءه التربوية من الفكر التربوي الإسلامي، بمصدريه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن مؤلفات غيرهما من العلماء، لذلك نتج هذا التقارب بينهما.
د- ابن طفيل توفى (٥٨١ هـ)
"هو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي. ولد في وادي "آش" (Guadix حاليًّا) لا يبعد أكثر من ٥٥ كم عن قرطبة، في عام لم يحدده المؤرخون بدقة، فذكروه ما بين ٤٩٥ هـ وعام ٥٠٥ هـ. في أسرة لم يذكر المؤرخون عنها شيئًا، ينتمي إلى قبيلة قيس من أصل عربي من غير اليمن (١).
أما حياته العلمية فقد "قرأ على جماعة من المحققين لعلم الفلسفة، منهم أبو بكر ابن الصايغ المعروف بابن باجة. وسواء قد تتلمذ ابن طفيل حقًّا على ابن باجة أو لم يصحَّ ذلك فمما لا شك فيه أنه تأثر به وبفلسفته تأثرًا بارزًا، هذا إلى جانب دراسته العلوم الدينية والفقه، والعلوم العقلية والطب، وقد برز بها جميعًا وترك آثارًا بها، ولعل علومه هذه تلقاها في غرناطة وأشبيلية لكونهما مركزي العلوم في بيئة وعصر ابن طفيل" (٢).
وقد تقلب ابن طفيل في وظائف عدة، فقدمه الباحثون لنا قاضيًا، كما قدموه لنا طبيبًا بارعًا في غرناطة لحقبة طويلة لدى السلطان أبي يعقوب يوسف القيسي، إلى أن تخلَّى عن هذه المهمة لابن رشد، كما يقدمه لنا البعض كاتبًا لأمير غرناطة، ولأحد أبناء عبد المؤمن. ووزيرًا
_________________
(١) شمس الدين، د. عبد الأمير. الفكر التربوي عند ابن طفيل. بيروت، دار اقرأ للنشر والتوزيع والطباعة، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ -١٩٨٤ م، ص ١١.
(٢) المرجع السابق، ص ١٢.
[ ٥٠٧ ]
للسلطان أبي يعقوب يوسف نفسه". وأوضح جوانب حياة فيلسوفنا تلك المرحلة التي قضاها في بلاط السلطان أبي يعقوب يوسف سلطان الموحّدين" (١).
فكر ابن طفيل التربوي من خلال قصة حي بن يقظان
ألف ابن طفيل قصة ضمنها أفكاره وسماها حي بن يقظان، وأراد أن يبرز فكره التربوي فيها، وهذه القصة قصة فلسفية رمزية، قسم فيها حياة "حي" ونموه إلى مراحل، وتعامل مع كل مرحلة بما يتناسب مع طبيعتها، وقدم لها ما يناسبها من خبرات ودوافع ومحركات تمهد للانتقال إلى مرحلة أُخرى تليها" (٢). للوصول إلى الغاية من وجوده وخلقه في هذه الدنيا.
وسأوجز عرض مراحل النمو وما حققته كل مرحلة كما جاءت في القصة، وكما عرضها أحد الباحثين (٣).
المرحلة الأُولى: من الولادة حتى الثانية من العمر:
تربّى "حي" في أحضان ظبية أرضعته منها، وأغدقت عليه من حنانها، ومع توافر هذه الحاجات (الحيوية) البيولوجية التي يتطلبها في هذه المرحلة، تعلم عن طريق التقليد والمحاكاة ما يدفع عنه الضرر، ويحقق له المقدرة على الاستمرار، فقلد الأصوات التي تعبر عن انفعالاته الأولية كالخوف، والاستغاثة، والألفة، والقبول والرفض، بالإضافة إلى تكون بعض العواطف، واكتساب بعض العادات والممارسات مثل الكلام والنطق والمشي والتنقل.
المرحلة الثانية: من السنتين حتى السابعة من العمر:
ينتقل "حي" في هذه المرحلة من القصور الذاتي والعجز الكامل إلى
_________________
(١) مرجع سابق، المرجع السابق، ص ١٢ - ١٣.
(٢) المرجع السابق، ص ٥٦.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٠ - ٤٠. بتصرّف ..
[ ٥٠٨ ]
شيء من الاعتماد على نفسه، إذ يصبح عن طريق الملاحظة والمقارنة والمشاهدة والتفكر والتأمل، يدرك بعض الأمور مثل انفصاله عن الآخرين، والسعي لتحقيق الضروريات لحياته، كما أصبح يدرك بعض المفارقات بينه وبين الحيوانات، يضاف إلى ذلك نزوع عاطفي نحو ما ألفه من الطبيعة نظرًا لما قدمته له من حماية ووسائل للحياة.
المرحلة الثالثة: من السابعة حتى الحادية والعشرين من العمر: يبين ابن طفيل في هذه المرحلة، ما وصل إليه "حي" من نمو جسدي وانفعالي وفكري، فذكر أنه على الصعيد الجسدي، استطاع أن يفصل بين الجسد والروح، ويكتشف طبيعتهما وماهية كل منهما وعلاقته بالآخر، كما اكتشف طبيعة الحواس، والدور الذي تؤديه للإنسان، وطبيعة عملها، وما تحقّقه للفرد من معارف وإدراكات بواسطتها.
أما على الصعيد الانفعالي (العاطفي) فقد استمد "حي" عواطفه الايجابية من الظبية التي أمدته بأسباب الحياة فكانت سببًا في بقائه، كما أخذ من الغراب الذي دفن صاحبه درسًا وخبرة، مستحسنًا ما أقدم عليه ذلك الطير. وكما كانت تلك العاطفة -بعد وفاة الظبية- باعثًا على الكشف والتعرف، كانت باعثًا على الاهتمام والشفقة وتقديم المساعدة لكل من يحتاجها.
أما على الصعيد الفكري: فقد أراد ابن طفيل الفيلسوف أن يصل بـ"حي" إلى درجة فكرية عالية ومتقدمة، كما وصل به في الجانبين الجسدي والانفعالي.
وأهم الحقائق التي بلغها "حي" في هذه المرحلة هي أنه:
"أ - تمكن من الكشف عن العلاقات بين أشياء متعددة متنافرة ومتباعدة مثل (علاقة الروح بالجسد، وأعضاء الجسد بالجسد نفسه الذي هو وحدة واحدة).
ب - ربط الإدراكات والمعارف بالوسائل المؤدية إليها فقد ربط الادراكات الحسية بالحواس، وإذا تعرضت الحواس لعائق تعطلت الإدراكات.
[ ٥٠٩ ]
جـ - توصل إلى الفصل بين مبدأي الحركة (أعلى وأسفل) والسكون، وبين التعدد والوحدة بالكشف عن الخصائص المشتركة وغير المشتركة بين الكائنات المجتزئة.
د - توصل إلى ماهية وخصائص الأجسام والعناصر: الماء، والتراب، الهواء، النار، الجسد، الروح (النباتي منه والحيواني)، والفكر.
هـ - اكتشف في عالم الكون والفساد: تحلّلَ العناصر وتحولها من حالة إلى أخرى، تختلف عنها ماهية وخاصية، تحول الماء إلى بخار، والنار إلى قوة محرقة، والتراب إلى طين.
و- عرف مبدأ الفصل في الأجسام بين الهيولي والصورة، بين الشكل والمضمون، بين العنصر وماهيته، تحول الطين من شكل إلى شكل يختلف عنه، والماء والتراب والهواء.
ز - كشف عن مبدأ العلية أو السببية: فكل تحول في جسم من حالة إلى حالة بالرغم من كون الهيولي واحدة، الصورة هي المتغيرة، لابد له من فاعل أو مسبب" (١).
المرحلة الرابعة: (من العام الحادي والعشرين حتى الثامن والعشرين):
في هذه المرحلة يتسع مجال تفكيره من عالم الحس والمادة إلى عالم الروح والعقل، ويبلغ ابن طفيل بحي بن يقظان أقصى درجات المعرفة، بل السعادة، حيث يلتقي العقل مع الشرع، العيان بالوحي، ويتفق المعقول مع المنقول، لينتهي بعدها دور العقل ويبلغ قدرًا يعجز عنه الوصف والتحدث به بلغة العقلاء من البشر. عندها يبلغ العلم الإلهي غايته من إدراك وجود الله تعالى.
المرحلة الخامسة: (من الثامنة والعشرين من العمر حتى الخمسين):
في هذه المرحلة يوضح ابن طفيل نموذجين من البشر في المجتمع إزاء دعوة الشريعة، إما إلى انتهاج طريق "العزلة والانفراد" باعتبارهما
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٥ - ٣٦.
[ ٥١٠ ]
طريقي الخلاص والنجاة، أو انتهاج طريق "المعاشرة وملازمة الجماعة"، وقد فضل ابن طفيل العودة إلى الطبيعة واتباع طريق الوحدة واعتزال المجتمع فهو طريق الخلاص من ناحية، كما أنه الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى الحقيقة التي ينشدها الإنسان من ناحية أُخرى (١).
هذا موجز لفكر ابن الطفيل من خلال قصة حي بن يقظان، التي نقلتها بتصرف وإيجاز من كتاب الفكر التربوي عند ابن طفيل، للدكتور عبد الأمير شمس الدين. ولو أردنا الإسهاب لأخذ منا صفحات طويلة، لذلك سنكتفي بما سبق.
وواضح من التتبع التاريخي لحياة ابن طفيل أنه عاش في مدينة من مدن الأندلس، ولم يكن على اتصال بابن الجوزي، ولم يكن ابن الجوزي على اتصال أو معرفة به، يضاف إلى ذلك أن فكر ابن طفيل التربوي يختلف تمامًا عن فكر ابن الجوزي الذي يعتمد في كثير من آرائه على الإشارات التربوية العامة، أما ابن طفيل فقد سلك منهجًا تربويًا متميزًا في عرض مراحل النمو الإنساني، وما يحتاجه هذا النمو من حاجات فطرية، ونفسية، ليحقق الغاية من هذا الوجود، مستخدمًا في ذلك الطرق والوسائل والأساليب التي توصله إلى هذه الغاية، وذلك من خلال العرض القصصي الذي أعطى تصورًا مخالفًا عن النظرة الإسلامية للإنسان والغاية من وجوده في بعض الأمور، وقد أهمل ابن طفيل تأثير البيئة، ودور كل من الوالدين والمربين والمعلمين في توجيه الطفل وتقويم سلوكه وتزويده بالمعارف والمهارات المختلفة، لأنه يرى أن الإنسان عنده قدرة فكرية وعقلية يستطيع بها الوصول إلى معرفة الله، ولإبراز فكره أهمل ذلك قصدًا حتى يصل إلى ذلك من خلال مراحل نمو الإنسان وخصائص كل مرحلة.
هـ - ابن رشد (٥٢٠ - ٥٩٥ هـ)
هو "محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٧ - ٤٠ بتصرف ..
[ ٥١١ ]
عبد الله بن رشد أبو الوليد المشهور بابن رشد الحفيد" (١).
"ولد محمد بن رشد الحفيد في سنة ٥٢٠ هـ. . . وقد تولى والده تربيته على النحو الذي تربَّى عليه، فحرص على تدريسه بنفسه، وإيصاله إلى كبار شيوخ عصره" (٢).
وقد أخذ بنصيب وافر من العلوم الإسلامية، القرآن الكريم والحديث والفقه والسيرة النبوية، وتاريخ الرجال، ومن علوم الفلسفة والطب.
وقد ألَّف في معظم العلوم التي درسها مثل الطب والفلسفة التي يعتبر إمامها. كما "استطاع ابن رشد أن يلفت إليه الأنظار مبكرًا، فهو سليل علماء أجلاء وحفيد لشيخ الجماعة، كما أن نبوغه واستيعابه لأهم العلوم المرغوب فيها من لون الخاصة لاسيما في مجالات الطب والفلسفة أتاحا له البروز وأهَّلاه لتولي منصب القضاء، ولإيثار الملوك له دون أقرانه" (٣).
وقد توفي ابن رشد في سنة خمس وتسعين وخمسمائة (٥٩٥ هـ) بعد أن تعرض لمكايد الحسَّاد لمنزلته من الخليفة.
آراء ابن رشد التربوية
هذه بعض آراء ابن رشد التربوية المستخلصة من كتابه تلخيص كتاب جمهورية أفلاطون. وقد نُقلت بتصرف من كتاب من أعلام التربية العربية الإسلامية المجلد الثالث، من بحث أعدّه الدكتور عبد السلام الهراس بعنوان "أبو الوليد محمد بن رشد الحفيد" (٤).
_________________
(١) الهراس، د. عبد السلام. أبو الوليد محمد بن رشد الحفيد، من أعلام التربية العربية الإسلامية. مكتب التربية العربي لدول الخليج، عام ١٤٠٩ هـ-١٩٨٨ م، المجلد الثالث، ص ٦٥.
(٢) المرجع السابق، ص ٦٦.
(٣) المرجع السابق، ص ٦٩.
(٤) المرجع السابق، ص ٨١ - ٩٠.
[ ٥١٢ ]
أهم الآراء التربوية لابن رشد
١ - وجوب التنشئة على الفضائل من الصغر، ويقول في ذلك: "بداية كل شيءٍ مهمة جدًّا، وينبغي ألا تعوَّد أنفسهم على حكايات فارغة فلا نربيهم وفقًا لها بأكثر مما نحمي أجسامهم مما يخربها" (١).
٢ - استبعاد محاكاة كل ما هو سخيف ومنحطّ: فقال في ذلك: "وعندي أنه يجب استبعاد القصائد العربية التي تتناول مثل هذه الأشياء أو تحاكي ما يشابهها، فهو يلحّ على إبعاد الشباب في حداثتهم عن تعويدهم على سماع ما في قصائد العرب من شرور" (٢).
٣ - أولويات المواد في التعليم: ويقول في ذلك ابن رشد: "ولما كانت هذه الصناعة (يقصد بها علم المنطق) موجودة الآن، فإن الأَولى أن نبتدئ تعليمهم بها، وبعد ذلك ينبغي أن ينتقلوا إلى الحساب ثم الهندسة وعلم الهيئة والموسيقى وعلم المناظرة والميكانيك والطبيعيات وأخيرًا ما بعد الطبيعة" (٣).
٤ - أقسام العلوم علمية وعملية: يرى ابن رشد أن العلم الحق هو "معرفة الله ﵎ وسائر الموجودات على ما هي عليه وبخاصة الشريفة منها، ومعرفة السعادة الأُخروية والشقاء الأُخروي. والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة وتجنب الشقاء. والمعرفة بهذه الأفعال هي التي تسمى "العلم العملي".
والأفعال التي تعكس العمل الحق تنقسم إلى: أفعال بدنية والعلم بها يسمى الفقه، وأفعال نفسانية وأخلاقية دعا إليها الشرع أو نهى عنها والعمل بها يسمى "الزهد" "وعلوم الآخرة" وهو في هذا الرأي متأثر بالإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين (٤).
يبدو من آراء ابن رشد التربوية، أنها تختلف في بعضها عن آراء
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٨١.
(٢) المرجع السابق، ص ٨٢.
(٣) المرجع السابق، ص ٨٣. بتصرف.
(٤) المرجع السابق، ص ٨٩. بتصرف.
[ ٥١٣ ]
ابن الجوزي، لأن ابن رشد يعتبر فيلسوفًا متأثرًا بالدراسات الاستشراقية المتأخرة التي بينت تأثيره في الفكر الأوروبي" (١)، وتأثره بالفلسفة واعتباره رائدًا من روادها، وقد اصطبغت آراؤه التربوية بالصبغة الفلسفية ذات الصلة بالطابع الشرعي والقياس العقلي. بينما لم يبدُ ذلك على آراء ابن الجوزي.